هاجس الحرب يثير قلق شركات النقل الجوي، صناعة الطيران ترفض الخروج من النفق المظلم بقرار سياسي

الاحد 21 شعبان 1423 هـ الموافق 27 أكتوبر 2002 تعد صناعة النقل الجوي أكثر الصناعات تأثرا بالأزمات الاقتصادية والسياسية التي شهدها العالم على مدار العقد الماضي والتي تسببت في وقوع العديد من الشركات العملاقة في براثن الافلاس وتدهور الاداء، فلم تكد هذه الصناعة تفيق من الآثار السلبية لحرب الخليج الأولى والثانية في أوائل التسعينيات، وما خلفته من تأثير بالغ على أداء العديد من الشركات العاملة بالمنطقة حتى واجهت آلام مرض الركود الاقتصادي الذي شهده العالم في منتصف وآخر التسعينيات والذي أثر بالطبع في تراجع حركة السفر واضعاف ديناميكية القطاع ورغم ذلك استمرت الشركات في النهوض في محاولة منها لاستعادة الأجواء مرة أخرى حتى أصيبت بكارثة هي الأفجع والأسوأ في تاريخ تلك الصناعة وهي أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام الماضي والتي جاءت لتفاقم هذه الآثار وتزيد من مشكلات القطاع الذي بدا عاجزا إلى حد كبير عن مواجهتها مما دعا إلى طلب المساعدات الحكومية علها تنقذه من مخاطر الكارثة، في ظل قناعة عامة بأنها ستؤدي إلى تفاقم حالة الركود التي تعاني منها صناعة الطيران التجاري في العالم وافلاس بعض الشركات وهو ما حدث بالفعل حيث أشهرت شركات كبرى افلاسها وانهار البعض الآخر وأوقفت شركات التصنيع خطط الانتاج الذي تراجع إلى النصف تقريبا في ظل عدم وجود الطلب. ورغم صعوبة الموقف لم تستسلم العديد من الشركات الى ذلك الاتجاه بل سارعت مدعومة بالحكومات بعمل خطط سريعة لمواجهة الآثار والبحث عن عمليات تزيد من خلالها مصادر دخلها لتبقى تنافس في الاسواق بعد ان فقدت 12 مليار دولار خسائر تشغيلية عقب تلك الاحداث. وظل الأمل يراود الشركات في رؤية مستقبل مشرق تنعم فيه الصناعة بانتعاش جديد يغدق عليها من المال ما يعوض الخسائر الفادحة التي تكبدتها في اعقاب الازمة. لكن ومع مرور الوقت الذي بدا فيه ظهور دلائل لذلك الامل تقع الشركات مرة ثالثة في دوامة حسابات الخسارة التي ستنجم عن قيام الولايات المتحدة الأميركية بشن حرب محتملة على العراق ليقضي على ذلك الأمل ولتظل الصناعة تعاني سلبيات الركود الاقتصادي والقرارات السياسية. ولكن هذه المرة لن تقف شركات الطيران مكتوفة الأيدي وتنتظر ردة الفعل السلبية لآثار تلك الحرب بل تؤكد مصادر الصناعة ان شركات الطيران تعلمت الدرس جيدا ويبدو انها أعدت العديد من الخطط والسيناريوهات البديلة التي ستنتهجها في حالة حدوث حرب ومن بين هذه الخطط تأتي الخطط الفنية في المقدمة التي يتم من خلالها تحديد خطوط سير بديلة للطائرات في منطقة الصراع وكذلك خطط تجارية تعتمد أساليب أخرى للتعامل مع الأزمة. وللتعرف على هذه الخطط قالت مصادر الصناعة انها سوف تحدد استراتيجيات الشركات في التعامل مع الازمة. طيران الامارات ويقول غيث الغيث المدير التنفيذي للدائرة التجارية بـ «الامارات» ان طيران الامارات مهيأة للتعامل مع أي ظرف من خلال اتباع سياسة مرنة تتعامل مع واقع الاحداث والمعطيات التي تؤدي إليها، مشيرا الى ان «الامارات» نجحت من قبل في التعامل مع العديد من الأزمات وواجهتها بشجاعة بعد قراءة الأمور قراءة دقيقة وبناء خطط واستراتيجيات واقعية للوصول إلى نتائج ايجابية. وأضاف الغيث: نحاول أن يكون التركيز على العمل العادي ونكون واقعيين في خطواتنا ونحاول أن تكون ردة الفعل غير سلبية. وأكد انه لابد ان تكون هناك معطيات ثابتة قبل ان تتم بلورة الاستراتيجية التي تنتهجها الناقلة مع أي أزمة والتي تكون دائما مدعومة بسياسة حكومة دبي. وأشار الغيث الى نجاح طيران الامارات في التعامل مع ازمة حرب الخليج عام 1990 عندما كانت همزة الوصل الوحيدة بين الدولة وجميع مناطق العالم بعد ان توقفت معظم الشركات عن الطيران الى المنطقة خلال تلك الحقبة مؤكدا ان الحرب أعطت فائدة للاستمرارية وعدم الاستسلام للأمر الواقع. وأوضح المدير التنفيذي للدائرة التجارية وجود تنسيق يتم بين شركات الطيران في هذه الازمات التي من شأنها أن تؤثر على اسعار النفط والتأمين بهدف تجنب الآثار المترتبة عليها بنوع من التنسيق. وقال ان طيران الامارات لديها برنامج لشراء النفط بأسعار مستقبلية يتم خلاله شراء كميات كبيرة من الوقود ضمن عقود تغطي لمدة ستة أشهر على الأقل، مشيرا الى ان هذه السياسة أثبتت نجاحها في الفترة الأخيرة باعتبار وجود فرق بين الأسعار الحالية وبين أسعار الشراء. الخطوط الجوية الكويتية ومن بين أكثر الخطوط الجوية تأثرا في حال قيام الولايات المتحدة بشن حرب ضد العراق تأتي الخطوط الكويتية في المقدمة لهذا قامت الشركة بالتوصل لاتفاق مع مطار الشارقة الدولي لنقل الاسطول اليه والعمل من خلاله واستخدامه كنقطة انطلاق الى منطقة الخليج والعالم على غرار النقل الاول للاسطول في عام 1990 عند الغزو العراقي للكويت. ويقول الشيخ طلال مبارك عبدالله الاحمد مدير عام الخطوط الجوية الكويتية ان الشركة لديها العديد من الاحتمالات التي تتعامل معها بجدية ووضع الخطط البديلة لأي طارئ قد يحدث، مشيرا الى ان هناك مراحل اجرائية تتبعها الشركة تعتمد على اخلاء المطار والتصرف مع الركاب بشكل سريع. وقال انه نظرا للتطورات الحالية واحتمالات نشوب حرب قامت الخطوط بالتوصل لاتفاق مع مطار الشارقة الدولي لنقل الاسطول اليه واستخدامه كما فعلنا في عام 1990 عندما استخدمنا مطار القاهرة في فترة الغزو العراقي للكويت. وأوضح انه تم اختيار مطار الشارقة بعد التأكد من خلال زيارة لوفد الخطوط اليه على قدرته على استيعاب اسطول الشركة واستخدامه كنقطة انطلاق قريبة. وكشف المدير العام للخطوط الجوية الكويتية عن وجود خطة لتحديث شامل لاسطول الشركة الذي يتكون حاليا من 19 طائرة أقدمها مشتراة عام 1993 وقال اننا لدينا خطة لاستبدال 8 طائرات ايرباص 300310 خلال عامي 20062007 وسيتم الاعلان عن توقيع اتفاق بشأن ذلك قريبا. وأوضح ان الخطوط الجوية الكويتية تخدم حاليا 34 محطة وانه بدءا من شهر يناير المقبل ستبدأ في تشغيل رحلات الى المالديف عبر كولالمبور بمعدل رحلتين اسبوعيا وتنظيم رحلات صيفية الى صلالة وكازبلانكا. وأشار الى ان متوسط الاشغال على الخطوط تبلغ نسبته 64% وفي بعض المحطات تصل الى 70% خاصة في محطات الشرق الاوسط والهند. طرق بديلة ويشير محمد غانم الغيث مدير عام الهيئة العامة للطيران المدني ان خطوط الطيران مرت بأوقات صعبة في السابق خلال حرب الخليج الأولى والثانية وكان لها تأثير على عمل الهيئة العامة للطيران المدني التي استطاعت وضع الخطط الاحتياطية اللازمة التي أكدت ان النظام الجوي بالامارات سالم وآمن خلال تلك الفترة وتم العمل بشكل سريع على ايجاد طرق بديلة تبعد الطائرات عن مناطق التوتر. وأوضح ان الهيئة لديها خطط احتياطية متوفرة دائما للتعامل مع الأزمات الجوية حيث يعتمد عمل الهيئة ضمن استراتيجيته على التوقع الدائم لان تحدث أمور غير طبيعية في الأجواء وبناء عليه يتم وضع العديد من الخيارات التي يتم من خلالها تأمين المجال الجوي داخل نطاق الدولة. وقال ان الهيئة تمتلك افضل واحدث الاجهزة في مجال المراقبة الجوية وايضا اجهزة الانذار المبدئي والمبكر الذي يقوم باعلام شركات الطيران بما تم اتخاذه من اجراءات مثل استبدال أو الغاء الخط واعطاء التفاصيل في حال وجود طارئ في الأجواء. وأوضح ان الهيئة تكون على اتصال مستمر بشركات الطيران جميعها من خلال خطوط هاتفية مباشرة. وأكد مدير عام الهيئة العامة للطيران المدني ان السيطرة على الاجواء هي سيطرة الدولة وأي طائرة تمر عبرها إنما تمر بأمر من الدولة مشيرا الى عدم امكانية استباحة الأجواء، فهناك اتفاقات ومعاهدات يتم من خلالها تنظيم ذلك. وقال ان الحركة الجوية في الامارات والتي تتعامل معها الهيئة تزيد عن 800 حركة جوية في اليوم وجميعها تتم بسهولة ويسر بفضل الاستخدام الأمثل لأحدث التكنولوجيا المتقدمة ونظام الفصل العمودي بين الطائرات الذي يزيد ما بين 2-4% في نمو الحركة الجوية في الأجواء بالدولة. مليار دولار للحادثة في السياق ذاته يؤكد محمد أهلي مدير إدارة العمليات بدائرة الطيران المدني بدبي على أهمية التأمين الجماعي للطرف الثالث مشيرا الى ان التأمين على الطائرات في الحادثة الواحدة قد يصل الى ملياري دولار كانت تدفعها شركات التأمين لكن بعد أحداث الحادث عشر من سبتمبر من العام الماضي طلبت شركات التأمين بأن يكون ذلك بحد أقصى 50 مليون دولار وهو أمر من الصعب تحقيقه مع الأخذ في الاعتبار ان شركات الطيران لا يمكن ان تعمل بدون غطاء تأميني مما حدا بالدولة والحكومات لان تتدخل وتقدم مساعدات مالية لشركات الطيران. وأشار أهلي الى وجود اقتراحات داخل منظمة الطيران المدني الدولي بأن تقوم الدولة العاملة مع الايكاو أو الدول العربية منفردة بتأسيس شركة تأمين لخدمة شركات النقل وان هذا المشروع مازال في طور الدراسة. نوعان من الخطط ويقول عبدالوهاب تفاحة الأمين العام للاتحاد العربي للنقل الجوي انه عندما تكون هناك أزمة قد تؤثر على سلامة الطائرات في الأجواء في أي مكان في المنطقة فان الاتحاد العربي للنقل الجوي لديه نوعان من الخطط، أولهما خطط فنية يقوم خلالها الاتحاد بالتعاون مع الأياتا بتوفير طرق بديلة لخطوط الطائرات وذلك في أي منطقة بالعالم، فالأمر ليس مقصورا على احتمالية الحرب ضد العراق وإنما يكون في أي منطقة يحدث بها صراع. أما الخطة الثانية فهي خطة تجارية تتناول كيفية التعامل مع الوضع التشغيلي للشركات خلال فترة الأزمة وسبل التعامل مع النظم التأمينية مشيرا الى ان قطاع التأمين هو قطاع خاص مما يؤثر في عمل الشركات التي لا يمكن أن تشغل الطائرات بدون غطاء تأميني. وقال ان الحكومات تدخلت في بعض الاحيان لاستكمال الغطاء التأميني لشركات الطيران بهدف الحفاظ على استمراريتها ودعمها من أجل البقاء. دور الاياتا من جانبه يقول مجدي صبري المدير الاقليمي للاياتا ان منظمة الاياتا تقوم في حالة وجود صراع أو اي مخاطر تهدد سلامة وامن الطائرات في الاجواء بأي مكان بالعالم باجراء اتصالات سريعة مع الدول القريبة من منطقة الصراع بهدف تأمين طرق جوية بديلة للشركات الاعضاء في المنظمة، للحفاظ على اعلى قدر من السلامة والامن. وقال انه تم ذلك كثيرا كان آخرها خلال الهجوم الاميركي على افغانستان حيث تعاونت الاياتا مع الايكاو «المنظمة الدولية للطيران المدني» في ايجاد طرق اخرى بديلة لخطوط الطيران لا تؤثر بشكل كبير على اقتصاديات التشغيل للشركات. وأضاف صبري ان الاياتا لديها دور آخر يتم على الارض وهو تأدية بعض الخدمات الفنية لتحسين اجهزة الملاحة والتأكد من سلامة الامن الجوي. التأمين وفيما يتعلق بمسألة التأمين قال المدير الاقليمي للاياتا ان المنظمة قامت بعمل حملة بالتعاون مع المنظمة الدولية للطيران المدني «ايكاو» بالترويج لمشروع الايكاو والداعي لتوفير تغطية جماعية للطرف الثالث أو تأمين الحرب للطرف الثالث، وقد تم الاتصال بالعديد من الحكومات المختلفة لتأمين الدعم لهذا المشروع الذي يعد من اهم المشاريع الحالية، مشيرا الى ان مشروع الايكاو سيحل محل الدعم الحكومي المباشر لشركات الطيران والمشروع في مرحلة الاعداد وسوف يوفر تغطية جماعية لتأمين شركات الطيران بضمانة حكومية دون تدخل سوق التأمين العالمي بحد أقصى 1.5 مليار دولار لكل حادث، بحيث تصل تغطية التكلفة الاجمالية للتأمين 15 مليار دولار. وقال صبري ان التجاوب مع هذا المشروع من قبل الحكومات جيد لكنه بطيء. واشار الى وجود مشروعين آخرين متوازيين مع هذا المشروع الاول في أوروبا للشركات الاوروبية والآخر في اميركا للشركات الاميركية وهناك اتصالات لتوحيد هذه المشاريع مع مشروع الايكاو ليصبح مشروعا واحدا على مستوى العالم. خطط بوينغ ويؤكد دوجلاس جروسيكلوز النائب الأول للرئيس لشئون المبيعات في شركة بوينغ الأميركية لصناعة الطائرات ان قيام حرب في المنطقة من شأنه أن يؤثر تأثيرا بالغا ليس على شركات الطيران فحسب بل على الشركات المصنعة للطائرات ايضا التي تتأثر سلبا بتراجع النمو في حركة السفر وتعطيل الطيران في بعض الاجواء، مشيرا الى ان شركات الطيران ما لبثت ان تتعافى شيئا ما من الآثار السيئة لأحداث 11 سبتمبر 2001 التي عصفت بالعديد من الشركات وايضا الآثار السلبية لحرب الخليج الاولى. وقال دوجلاس انه لا يمكن معرفة انعكاسات مثل هذه الحرب على السوق الا ان بوينغ لديها خطة طوارئ قوية نتيجة التعلم من التجارب السابقة التي تراجعت خلالها حيوية السوق والتي أجبرتنا على تخفيض الانتاج بمعدل النصف لعدم وجود طلب قوي، مؤكدا الى وجود تحد كبير متوقع ليس من السهل التكهن به. مصر للطيران ويقول حسين شريف مدير الاتفاقيات الدولية بشركة مصر للطيران ان الشركة لديها خطط بديلة تستخدمها في حالات نشوب حرب تؤثر في الاجواء التي تمر بها طائرات الشركة وان هذه الخطط تعلن عند حدوث الازمة وقال ان الشركة مرت بكثير من هذه التجارب كان آخرها الحرب الافغانية حيث نجحت الشركة في عبور الاجواء المقاربة للمجال الجوي الافغاني عند الذهاب لدول جنوب غرب آسيا بعمل تعديلات بسيطة في خطوط السير. وأوضح شريف ان عملية البحث عن الطرق البديلة تمثل عبئا ماليا على الشركات حيث لا تقل ضريبة عمليات التحويل هذه عن عشرة مليارات دولار بالنسبة لشركات الطيران خلال الازمات حيث تزداد عمليات التشغيل واستهلاك الوقود واستغراق وقت أطول للرحلة اكثر مما هو محدد. واشار الى اهمية التغطية التأمينية للطرف الثالث واكد دعم مصر للطيران لمشروع الايكاو الخاص بالغطاء الجماعي للتأمين مشيرا الى ان مصر كانت ضمن مجموعة العمل التي أعدت ذلك المشروع. تحقيق: مصطفى عبدالعظيم

طباعة Email
تعليقات

تعليقات