الدوافع الاقتصادية الأميركية لضرب العراق 2 ـ 2 ـ بقلم: نجيب عبدالله الشامسي

الاحد 14 شعبان 1423 هـ الموافق 20 أكتوبر 2002 إذا كنا قد تناولنا في الحلقة الماضية الدوافع والأسباب التي شكلت البيئة الدولية التي جعلت دول أو معظم دول العالم رافضة لقيام الولايات المتحدة الأميركية بضرب العراق خاصة بعد موقف العراق من مسألة التفتيش وترحيبه لهم بدون شروط راميا الكرة في ملعب الولايات المتحدة التي تصر على توجيه الضربة العسكرية تحت أعذار واهية ومبررات تفتقر إلى المصداقية رغم موقف الأمم المتحدة التي لا تجد مبررا لضرب العراق في ظل اعلانه رسميا وتوجيه خطاب رسمي للأمين العام للأمم المتحدة باستعداده للتعاون مع المفتشين الدوليين. وهناك عدة دوافع وأسباب، وهي تنقسم فيما يتعلق بالولايات المتحدة في سعيها واصرارها على ضرب العراق عسكريا إلى قسمين: أولا: دوافع دولية: وتتجسد في ان الولايات المتحدة ترغب في الاستفادة واستثمار أحداث سبتمبر 2001 وقيادة حملتها ضد ما تسميه بالارهاب لتحقيق مكاسب دولية على صعيد العالم فبعد ان استطاعت ان تنجح في محطتها الأولى وهي أفغانستان واستطاعت أن تسحقها باسم مكافحتها الارهاب وتمكنت ان تفرض سيطرتها وتتخذ موقفا من الجمهوريات الاسلامية لتصنع من نفسها وريثا شرعيا للاتحاد السوفييتي سابقا في دوله الاسلامية الغنية بالموارد الطبيعية ولا سيما الغاز والنفط. ويعني وجودها في افغانستان امتلاك نفوذ اقتصادي وبالتالي استراتيجي في ظل العولمة الاقتصادية والهيمنة الأميركية على المواقع الاقتصادية في العالم لتكون لها اليد الطولى والانفراد بالقرار الاقتصادي الدولي وتصبح سيدة العالم بلا منازع!! وبالتالي فان قرارها بضرب العراق عسكريا رغم المعارضة الدولية يندرج تحت اطار النزعة نحو السيطرة وامتلاك النفوذ العالمي من خلال السيطرة على منطقة الخليج ليكون العراق أولا والسعودية وايران وبقية دول الخليج ثانيا وهي بالتالي ترغب في جس نبض العالم بأسره بأن الولايات المتحدة حاضرة دوما وانها هي القوة العظمى الوحيدة، وهي اليد العليا وان احداث سبتمبر 2001 لم تؤثر على مكانتها وان البيت الأميركي حصين وقوي ومصنوع من حديد وفولاذ وليس من زجاج! ولكن موقف دول العالم الرافض لضرب العراق ظاهريا وللهيمنة والسيطرة الأميركية فعليا انما جعل الولايات المتحدة تتخبط في قراراتها وفقدت توازنها، وأكدت للعالم من خلال تلك القرارات بأنها دولة تعاني من أزمات داخلية حادة دفعت بها لكل هذا التخبط في سياساتها الخارجية وادت الى اهتزاز الثقة الدولية فيها باعتبارها قائدة العالم في ألفيته الثالثة، فكيف يكون الحال اذا ما اصرت دول العالم الاخرى على ضرورة تحقيق اصلاحات جذرية في المنظمات الدولية سواء السياسية كالأمم المتحدة أو الاقتصادية كصندوق النقد والبنك الدولي كي لا تبقى هذه المنظمات تحت هيمنة الولايات المتحدة بعد ان فقدت مصداقيتها أمام العالم!! ثانيا: الدوافع الاقتصادية الداخلية: مهما حاولت الولايات المتحدة الأميركية ان تخفي عيوبها الداخلية واختلالاتها الجوهرية الا ان الواقع ومعطياته يؤكدان على ان الولايات المتحدة تمر في ظروف اقتصادية واجتماعية وأمنية وسياسية صعبة للغاية، فالمؤسسة الامنية أو حتى الاقتصادية والاجتماعية تعاني من تصدع حقيقي وضعف في تركيبتها وتأكد للقيادة الأميركية خاصة وللعالم عامة حقيقة ذلك بعد احداث سبتمبر 2001 حيث كان ذلك الزلزال الذي ضرب رموزها السياسية والعسكرية والاقتصادية انما نتيجة لأوضاع داخلية وضعف مؤسسات الدولة وتصدعها بعد ان ركزت طوال السنوات الماضية ولا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي على سياستها الخارجية والانفراد بالقرار العالمي وتناست القيادة الأميركية ترميم أوضاعها الداخلية ولا سيما الاقتصادية حتى تأكد لها وللعالم بأسره بأن البيت الأميركي لم يعد حصينا وانما هو بيت من زجاج قد وضحت فيه الشروخ وتهشمت اجزاء منه بعد احداث سبتمبر 2001!! واذا ما سلمنا بأن تلك الضربة من صناعة دول العالم الثالث فكيف لو كانت تلك الضربة من صناعة أوروبية مثلا!! كيف سيكون عليه البيت الأميركي؟! إن ما يهمنا هنا هو الاوضاع الاقتصادية الداخلية أو التحديات التي يعاني منها الاقتصاد الأميركي والتي تشكل دوافع حقيقية للقيادة الأميركية نحو افتعال أزمات خارجية كي تشغل الرأي العام الأميركي والشعب الأميركي بها وينسى بالتالي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الداخلية فالاقتصاد الأميركي كان قبل احداث سبتمبر 2001 يعاني من تباطؤ واضح، ثم ركود منذ عام 2000 وسجل معدلات نمو منخفضة، فيما شهدت سوق العمل معدلات مرتفعة في البطالة وصلت الى 4.9% ولم تكن الاوضاع الاقتصادية مشجعة لاحداث انتعاش اقتصادي فالانفاق الاستهلاكي يتراجع رغم الاغراءات، فيما القطاعات الاقتصادية تتراجع في معدلات نموها ولا سيما قطاع التكنولوجيا، ثم موازنة الدولة تعاني من عجز متزايد وصل الى 80 مليار دولار في أغسطس 2001، وسوق الاوراق المالية تعاني من ضعف في حركتها وانخفاض واضح في اسهم الشركات التي يتم تداول أسهمها، وفيما المؤسسة الاقتصادية تعمل على معالجة تلك الاختلالات واذ بانفجار سبتمبر 2001 يهز الولايات المتحدة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وامنيا ليكشف هذا الانفجار حقيقة الاقتصاد الاميركي خاصة، والمجتمع الاميركي عامة حيث ادى هذا الانفجار الى اهتزاز ثقة العالم في الاقتصاد الاميركي المرشح لقيادة الاقتصاد العالمي في ظل مرحلة العولمة الاقتصادية وخلال الالفية الثالثة، ومع هذا الانفجار الكبير تزايدت الخسائر وتكبدت شركات التأمين والطيران والتكنولوجيا خسائر مادية ومعنوية كبيرة!! وتعرض الدولار لضغوط شديدة أدت الى انخفاض واضح في مستوياته، وتفاقمت مشكلة البطالة في سوق العمل الأميركية، وأكدت تلك الازمة ايضا غياب الشفافية لدى الاقتصاد الاميركي بعد ان فاحت روائح الفساد الاداري والمالي في كبرى الشركات والمصارف الاميركية، وحيال هذه الاوضاع الاقتصادية وفي ظل تذمر شريحة كبرى من الشعب الاميركي بسبب أوضاعهم المعيشية والوظيفية اضافة الى اوضاعهم الامنية والاجتماعية كان لابد من قيام القيادة الاميركية بمناورات خارجية لتمتص مشاعر التذمر لدى المواطن الاميركي وتشغله بما سوف تحدثه القوات الاميركية في افغانستان، ثم في العراق، ثم في دول اخرى لتؤكد للعالم بأن الولايات المتحدة هي الدولة الاقوى وان ازمة سبتمبر 2001 لم تهز مركزها العسكري والامني والاقتصادي العالمي وهكذا كانت محطتها الاولى في افغانستان لتسحق البناء وتحصد الانسان والذرع لتؤكد موقعها الاستراتيجي بالقرب من منابع النفط والغاز في أوروبا الوسطى، لتقبض على مفاتيح خزائن الثروات الطبيعية بتلك المنطقة، ولتسجل السبق بين دول العالم وذلك في اطار حرب عالمية شديدة الاثر على العالم والأخطر على شعوبه هي تلك الحرب الاقتصادية التجارية ساعية في ذلك لاقناع شعبها بأنها تصنع لهم المستقبل وتضمنه!! واذا كانت افغانستان المحطة الاولى، فان العراق المحطة الثانية للولايات المتحدة الاميركية سعيا نحو التحكم في القدرات الاقتصادية، وبالتالي القرار الاستراتيجي في العالم وهنا تمارس الشركات الاميركية الضخمة نفوذها الاقتصادي وبالتالي السياسي في اتجاه تحقيق مصالحها لتقوم القيادة الاميركية بترجمة تلك الضغوط الداخلية من قبل الشركات وفيما تطلق الولايات المتحدة العنان لاسرائيل لتمارس حقدها ضد العرب في فلسطين ولتشغل العالم بأحداث فلسطين، تقوم الولايات المتحدة باستغلال الوضع للوصول الى المياه الدافئة في الخليج لتضرب العراق الذي ربما عرف جيدا السيناريو الاميركي ورفض الانصياع والتسليم وحتى تضمن الانصياع التام لمصر على ما سوف تفعله في العراق فقد افتعلت لها مشكلة سعد الدين ابراهيم مدير مركز ابن خلدون ولوحت لها بسلاح الاعانة السنوية لتشغل الرأي العام المصري والعربي بهذه القضية وتعزل مصر ذات العمق الاستراتيجي والنفوذ السياسي العربي عن احداث العراق والانفراد بالعراق، ولما كانت المملكة العربية السعودية وهي التي تملك عمقا استراتيجيا اقتصاديا في العالم العربي فقد افتعلت لها مشكلة اعلامية باتهام السعودية بدعمها لسعوديين قاموا بعمليات التفجيرات التي حدثت في سبتمبر 2001 ولم يكن ذلك الا من منطلق الضغط على السعودية للتراجع عن موقفها القومي تجاه ما يحدث للشعب الفلسطيني، ثم لقبولها باستغلال أراضيها من قبل القوات الأميركية لضرب العراق وربما لالتزام السعودية بدفع مع بقية دول المجلس فاتورة الحرب المحتملة ضد العراق كما هو الأمر في المرات السابقة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات