أسواق العمل .. الواقع والتطلعات

الاحد 29 رجب 1423 هـ الموافق 6 أكتوبر 2002 يختلف نمط معطيات العرض من القوى العاملة في دول الخليج العربية عن الوضع الموجود في الدول النامية ذلك ان الدول النامية التي نادرا ما تعاني من نقص في العمال، بل ان العمالة تعتبر عامل وفرة عادة ما تنجم عنه البطالة، وتعاني تلك الدول من مشكلات رأس المال والتقنية الحديثة. الوضع في دول الخليج العربي معكوس، فرأس المال يسمح بتوسعة القاعدة الاقتصادية، ولكنها تفتقر الى العمالة الكافية ولا سيما من ناحية النوعية الامر الذي احدث فجوة بين العرض والطلب على العمالة. وقد اثرت بعض العوامل على انخفاض معدلات مشاركة القوى العاملة الوطنية في سوق العمل، نتيجة للمعوقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مثل انخفاض اسهام الاناث في الانشطة الاقتصادية والتركيب العمري للسكان حيث تتراوح نسبة الاقل من 15 سنة ما بين الثلث الى النصف من جملة السكان، وكذلك عدم اقبال المواطنين على العمل اليدوي لدوافع تتعلق احيانا بالوضع الاجتماعي وغالبا بتدني المردود المادي من هذا العمل وطبقا لبيانات منظمة العمل الدولية فان نسبة المشاركة في العمالة في الاقطار النامية تبلغ حوالي 40% في حين ان البحرين على سبيل المثال تعاني من انخفاض في معدلات النشاط بين مواطنيها حيث تبلغ النسبة 28% عام 1991. ويمكن القول أن معوقات اندماج الشباب طالبي العمل في سوق العمل تتمثل في عدة عوامل أهمها اولا صعوبة تحديد الاحتياجات التدريبية. فقد تكاد تكون عملية تحديد الاحتياجات التدريبية المستقبلية اشبه بمن يملك قطعا من الشطرنج دون ان تكون لديه لوحة اللعب المقسمة ذات المربعات البيضاء والسوداء اللازمة لتحريك هذه القطع باتجاه الهدف، ذلك انه من الصعوبة بمكان التنبؤ بالمهن المستقبلية بظل غياب الاهداف الاستراتيجية وما تتطلبه من مهارات. وبدوره فان تحديد الاحتياجات التدريبية بحاجة الى توضيح عدة فرضيات مثل اهداف المؤسسات و تحليل وتصنيف وتحديد السلوك البشري المطلوب لتحقيق هذه الاهداف بوضوح و الاطار التدريبي الثابت والواضح ووجود قدرة لدى القائمين على تحليل الاحتياجات على جمع وتنظيم وتقييم المعلومات دون اية اخطاء. ان الاجر النقدي يعتبر حافزا اساسيا من حوافز العمل في معظم النظم الاقتصادية وفي بعض دول المجلس يعتبر هذا العامل حافزا قويا للايدي العاملة الوافدة التي تمثل المصدر الرئيسي للعمالة، وقد ادت الاجور المرتفعة بالنسبة للوافدين وامكانية الكسب الاقتصادي الناتج عن اختلاف الاجور على وجود دافع قوي لجذب العمالة الوافدة. ولكن من ناحية اخرى فان مدى استجابة الايدي العاملة المحلية تجاه الاجور يختلف عنه في حالة الوافدين، فبينما اغرت الاجور الوافدين على دخول قطاعات الصناعة والتشييد والبناء والتجارة، الا انها برهنت على عدم قدرتها على جذب الايدي العاملة المحلية، وقد نتج عن ذلك ان ادت الاجور الى تقليل حجم المشاركة المحلية، وعلاوة على ذلك فان هناك عوامل اخرى لها آثارها الهامة على توزيع العمالة، وهي وجود بعض العيوب في تركيب الاجور مثل التفاوت بين الاجر النقدي والاجر الاقتصادي حيث لا يتطابق في معظم المهن بالقطاع الخاص الاجر الاقتصادي مع قيمة الانتاجية الحدية للعمل فضلا عن الازدواجية في الاجور حيث الاجور في القطاع الحكومي اعلى من قيمة الانتاجية الحدية مما يجذب عمالة وطنية اكبر حجما من المطلوب، ويخلق عجزا اكبر في القطاعات غير الحكومية، حيث تكون الاجور ادنى من قيمة الانتاجية الحدية. وعامل ثالث متمثل في بيئة العمل حيث يعتبر احد اهم المشكلات التي تعاني منها أسواق العمل ببعض دول المجلس وذلك بالنسبة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة. وعلى سبيل المثال فقد واجه معهد البحرين للتدريب صعوبة كبيرة في اقناع خريجات برامج التدريب على تقنيات الملابس الجاهزة للعمل بهذه المصانع بسبب عدم توافر بيئة العمل الصحية بها. فهذه المصانع عادة تعتمد على عدد كبير من العمالة الرخيصة التي تقبل العمل تحت اية ظروف غالبا لا يقبلها العامل البحريني. كما تعتبر توقعات طالبي العمل احد العوامل الهامة لجذب الشباب للعمل. تحتاج توقعات طالبي العمل من سوق العمل الى ترشيد وتوجيه وتعريف بعالم العمل وما يتطلبه، ومستوى المهن المتوفرة وضرورة قبول ما هو متوفر من ظائف. بالاضافة الى ذلك توجد هناك فجوة كبيرة بين ما يقدمه القطاع العام وما يحصل عليه العاملون في بعض مؤسسات القطاع الخاص، فعلى سبيل المثال يحصل العاملون في القطاع العام على مزايا عديدة منها العمل لمدة 36 ساعة اسبوعيا بدوام واحد في البحرين على سبيل المثال والضمان الوظيفي، وبيئة العمل الجيدة والتأمين الاجتماعي والزيادة السنوية والكادر الوظيفي والترفية والتدريب وعدم وجود الرقابة الصارمة وعدم الالتزام بانتاجية محددة. اما القطاعات الاخرى والتي توفر فرص التوظيف الهائلة فان ساعات العمل تمتد فيها الى 48 ساعة في الاسبوع، وليس بها ضمان وظيفي على النحو المتوفر في القطاع العام والشركات الكبرى ولا يتوافر في معظمها كادر وظيفي او ترقية او تدريب وتتسم بالمراقبة الصارمة على الانضباط والانتاج وفي معظم الاحيان تمنح رواتب متدنية. لهذا فان المواطن الداخل الى سوق العمل دائما يرغب في العمل في مؤسسات القطاع العام او الشركات الكبرى ولهذا استطاع القطاع العام وقطاع الشركات الكبرى ان يحقق نسبة عالية من توطين الوظائف. اذا نظرنا الى المؤسسات التعليمية وجدنا ان دول المجلس قد حققت تقدما كبيرا في مجال التعليم، بيد ان التعليم لا يزال يعاني من بعض الصعوبات التي اثرت سلبا على تحقيق المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل من اهمها عدم التركيز على تنمية المهارات الاساسية في مناهج التعليم وضعف الاداء المدرسي. وباختصار، فلكي تقل المعوقات الناجمة عن نقص العمالة الى اقصى حد ممكن، ولكي يرتفع استخدام العمالة الى الحد الافضل وينخفض الفاقد الذي يسببه الاستثمار غير الفعال في الموارد البشرية، فانه ينبغي ايجاد تكامل بين السياسات الاقتصادية وبين التخطيط التربوي والتعليمي. قد يكون من المفيد دراسة بعض التجارب الدولية وما حققته من انجازات، وذلك للاستفادة منها في ايجاد انسب الحلول ملاءمة للواقع الاقتصادي والاجتماعي في دول مجلس التعاون الخليجي، ومن هذه التجارب - على سبيل المثال - برنامج التدريب المسبق في ايرلندا والموجه خاصة الى الشباب الذين لا يحملون الشهادة الثانوية ويبحثون عن عمل منذ اكثر من ستة اشهر، ولا يستوجب هذا البرنامج ان يكون المستفيد منه متمتعا بأي قدر من خبرة مهنية سابقة، وانما يهدف الى مساعدة الشباب كي يكتسبوا الخبرة، ويعايشوا مع التقنيات الجديدة ويركز البرنامج على تنمية الثقة بالنفس لدى هذه الفئة من الشباب والثقة بدورهم في المجتمع، وزيادة مرونتهم وتجاوبهم، وتنمية روح المبادرة لديهم، وكيفية التعامل مع المشاكل ومهارات الاتصال الفعال واتخاذ القرارات، ومدة التدريب في هذا البرنامج سبعة شهور يقضي المتدرب خمسة شهور منها في التدريب خارج محيط العمل وشهرين للتدريب على رأس العمل. وكي نضمن بناء فعالا للموارد البشرية الوطنية القادرة على الوفاء بكامل متطلبات الجودة والكفاءات في أسواق العمل الخليجية فلابد من الاهتمام بالتدريب المستمر وتوفير برامج اعادة التدريب والتأهيل، وتنويع مستويات التدريب وتطويرها وتعدد انماط التدريب والتركيز على تعدد المهارات لمواجهة التطور والتجديد في مختلف المجالات. وقد يكلفنا ذلك تكاليف باهظة لكن المردود قيمته لا تدانيها كل هذه التكاليف، فالنتيجة الحتمية للمستوى الجيد من التدريب والتأهيل هي التنمية الشاملة التي تعتمد وترتكز اساسا على التنمية البشرية. بقلم: حسن العالي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات