الاحد 29 رجب 1423 هـ الموافق 6 أكتوبر 2002 الحرب المحتملة مع العراق تثير الكثير من الاسئلة المجهولة الاجابة ولكن السؤال المتعلق بقدرتنا على تحمل تلك الحرب ليس واحداً منها، والناس يسألون هذا السؤال بصورة محتدمة متناسين ان الولايات المتحدة أصبحت غنية للغاية لدرجة تسمح لها بشن حرب دون ان تنفق عليها أكثر من «الفكة». فالحرب المتوقعة مع العراق ستكلف على الارجح أقل من 1% من الدخل القومي «الناتج المحلي الاجمالي». وقد اعتاد الأميركيون على خوض الحروب بالقليل من الاضطراب الاقتصادي والتضحية. ان آخر مرة حشدت فيها الولايات المتحدة قواتها بحق من اجل خوض الحرب كانت في الحرب العالمية الثانية، فقد خدم في الجيش في ذلك الحين ما مجموعه 16 مليون أميركي، وكان ذلك الرقم يشكل ثلثي الرجال من سن 18 الى 34، حسبما يفيد المؤرخ جيمس باترسون من جامعة براون، وكانت التكاليف هائلة، ففي عام 1944، بلغ معدل الانفاق الفيدرالي 44% من الناتج المحلي الاجمالي مع استحواذ الانفاق العسكري على 38% من ذلك الناتج، وفي الوطن الأميركي، احتاج الأميركيون الى كوبونات للمؤن من اجل شراء اللحم والبنزين والسلع الاساسية الاخرى. ومنذ ذلك الحين، ساهم شيئان في احداث تحول في اقتصاد الحرب وهما: حقيقة ان الاقتصاد الأميركي قد تضخم، والحروب قد صغر حجمها، وبالقياس من خلال ما ينتجه، فان الاقتصاد الأميركي الان أكبر بخمس مرات وأكثر من اقتصاد عام 1945. وفي غضون ذلك، اصبحت حروب أميركا أكثر تمركزاً، مما يجعلها تستنزف قدراً أقل من ثروة الأمة. وفي الحرب الكورية، بلغت نسبة الميزانية الدفاعية 14% من الناتج المحلي الاجمالي في عام 1953، ولكن الجانب الأكبر من ذلك الانفاق ذهب الى التعزيز الهائل للقوات في أوروبا. ويقول المؤرخ آلان جروبمان من الكلية الصناعية للقوات المسلحة: «مقابل كل دبابة ذهبت الى كوريا، كان هناك دبابتان تذهبان الى أوروبا، وأسطول طائرات الـ «بي ـ 52» الذي بنيناه لم يكن له أي علاقة بالحرب الكورية»، وفي اغسطس من عام 1949، فجر الاتحاد السوفييتي وعلى نحو غير متوقع أول قنبلة ذرية له، مما حث الرئيس الأميركي هاري ترومان على إصدار أوامره لمجلس الأمن القومي باجراء مراجعة شاملة للاستراتيجية الأميركية. وتصورت الوثيقة التي صدرت عن هذه المراجعة والتي حملت اسم «مجلس الأمن القومي 68» عمليات نشر واسعة للقوات الأميركية في أوروبا لمواجهة أي هجوم سوفييتي تقليدي، والذي بدا أكثر معقولية مع امتلاك السوفييت لسلاحهم النووي. وعلى الرغم من ان نفقات الحرب الباردة ظلت كبيرة، إلا ان الانفاق الدفاعي خلال حرب فيتنام لم يصل الى ما هو أعلى من 9.4% من الناتج المحلي الاجمالي في عام 1968. ومع ذلك، فان محاولة الرئيس لندون جونسون المبكرة لتمويل الحرب بدون أية زيادة في الضرائب ساعدت على زيادة التضخم. وبعد انتهاء حرب فيتنام، انخفض الانفاق العسكري (كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي) وهبط بشكل حاد مع انتهاء الحرب الباردة. يقارب الانفاق العسكري الان مبلغ 350 مليار دولار سنوياً. وهذا مبلغ كبير من المال، ولكنه، في اقتصاد ينتج أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، لا يشكل عبئاً على الاطلاق. فهو يزيد قليلاً عن 3% فقط من الناتج المحلي الاجمالي. كم ستكلف الحرب مع العراق هو أمر خاضع للتخمين. ولكن الأمر المؤكد هو انها ستتجاوز بكثير اجمالي النفقات في افغانستان، التي قدرها مكتب الميزانية في الكونجرس بحوالي 10 مليارات دولار للسنة المالية 2002، وكانت حرب الخليج السابقة قد كلفت 61 مليار دولار. وحتى لو كلفت الحرب الجديدة 100 مليار دولار، فان ذلك لن يتعدى ما نسبته 1% من الناتج المحلي الاجمالي. اذن من الواضح ان بالامكان تحمل نفقات تلك الحرب. أما هل ينبغي علينا ان نتحملها، فهذه مسألة اخرى. وهذا هو حال تأثير الحرب على الاقتصاد، الذي يمكن ان يتخذ أحد طريقين. فالانفاق الاضافي قد يساعد، والنصر السريع قد يعزز من الثقة. أو ان الحرب قد تعرض الامدادات النفطية من السعودية وأماكن اخرى للخطر من خلال الارهاب أو الاضطرابات السياسية. والقتال المطول قد يضر بالثقة وبالانفاق الاستهلاكي وسوق الاسهم. يقول مارك زاندي من شركة «ايكونومي دوت كوم» ان «الاقتصاد ينمو ولكن بشكل طفيف. ولن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى يتحول الانتعاش الى ركود ـ أو حالة قريبة من ذلك». تعتبر أسعار النفط نقطة الضعف الأكبر، ففي عام 1990، وبعد ان غزا صدام حسين الكويت، تضاعفت أسعار النفط من حوالي 18 دولاراً للبرميل في مايو من ذلك العام الى 36 دولاراً في أكتوبر من العام نفسه. وقد ساعد ذلك على دفع الاقتصاد الأميركي الضعيف في حينه الى حالة من الركود ـ مع ان الأسعار سرعان ما تراجعت في عام 1991. وباستثناء حدوث كارثة، فان العديد من الاقتصاديين يقللون من احتمال تكرار ذلك. ويقول جون ليشتبلو من مؤسسة بحوث صناعة البترول انه اذا توقفت صادرات النفط العراقية، فان ذلك لن يكون عاملاً كبيراً في رفع الاسعار. فالعراق يصدر الان حوالي 700 ألف برميل في اليوم من اجمالي الطلب العالمي البالغ 77 مليون برميل يومياً، وبمقدور السعوديين ان يعوضوا اي نقص يحدث، وعلاوة على ذلك، فان الاقتصاد الأميركي قد أصبح أقل اعتماداً على الطاقة وأقل حساسية لارتفاع الاسعار، ويقول الاقتصادي ناريمان بهرافيش من شركة «دراي ويفا» ان الاقتصاد ينمو الان بنسبة تتراوح بين 2 و2.5%، ويضيف قائلاً ان المخاوف من الحرب قد رفعت أسعار النفط الى حوالي 30 دولاراً للبرميل، ولكن حتى لو ارتفعت الى 40 دولاراً لمدة سنة، فان نمو الناتج المحلي الاجمالي قد ينخفض بمعدل 0.5%. الحرب لها مفاجآتها، فمن يعلم ما الذي سيحدث؟ ولكن الاسئلة المهمة هي الأصعب. فهل هذه الحرب لها ما يبررها؟ هل ينبغي على الولايات المتحدة ان تخوضها لوحدها؟ ما الذي سيحدث اذا لم نحارب؟ وما الذي سيحدث اذا حاربنا؟ وبالمقابل، فان القضايا الاقتصادية هي أمر جانبي. وينبغي ان تبقى كذلك، واذا كانت هذه الحرب ضرورية، فاننا قادرون على تحملها. بقلم: روبرت صامويلسون