الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 بعد 5 سنوات قاسية عادت الاسواق الناشئة إلى الواجهة مجددا، وفي حين استمرت الاسهم الاميركية بالانحدار، حققت نظيراتها في العالم النامي عائدات كبيرة خلال السنوات الاخيرة. ان مجرد لمحة عن الارقام اذهلت المستثمرين وجعلتهم يحللون هذه الظاهرة، فسهم ستاندارد اند بورز 500 تراجع بنسبة 20% في الاشهر الثمانية الاولى من هذا العام ليصل إلى 915 في 30 اغسطس، اما حالة اسهم ناسداك فكانت اسوأ مع تراجع بلغ 32%، في حين اكتفى مؤشر داو جونز بالتراجع بنسبة 13.5% بالمقابل، فان هبوط مؤشر MSCIEMF الذي يعتبر من المعايير الاساسية في اداء الاسواق الناشئة، لم يتجاوز نسبة الـ 6% باختصار، فان الاسواق الناشئة مازالت تتغلب على الاسواق المتقدمة منذ اواسط عام 2001. ويقول تقرير صدر عن المكتب الخاص التابع لبنك دبي الوطني: بينما يعود هذا النجاح بجزئه الكبير من اداء الاسواق الاسيوية، فان اسواق مجلس التعاون الخليجي ساهمت بدورها إلى حد كبير في هذا النمو، فقد كسبت البورصة الكويتية اكثر من 20% تليها سوق الاسهم القطرية والعمانية والسعودية، في الواقع، حافظ كل من هذه الاسواق على مستوى عال من الاداء، مما عزز مساهمتها في دفع بورصات الاسواق الناشئة إلى الامام. بيد ان هذا الانتعاش الكبير في هذه الاسواق جاء بعد خسائر فادحة تكبدتها عام 1997، فالازمة النقدية التي بدأت في تايلاند في منتصف العام نفسه، سرعان ما اجتاحت بقية دول المنطقة، وما هي إلا اشهر حتى بدأت روسيا تعاني التقصير في تسديد قروضها واميركا اللاتينية تبدو اكثر هشاشة، وبالتالي، فان الصعود السريع للاسواق الناشئة الذي ميز منتصف التسعينيات اصطدم بحائط من الركود سببه الخسائر الطائلة التي واجهها المستثمرون. وتكمن عدة عوامل وراء الانتعاش الحالي، منها ما هو بنيوي ومنها ما هو دوري، فلنبدأ اولا بالعوامل البنيوية، لقد اصبحت الاسواق الناشئة اليوم اكثر استقرارا مما كانت عليه في العام 1997، فأزمة التسعينات حدت بالعديد من الدول الناشئة إلى احداث تعديلات جذرية على اقتصادياتها وبنياتها المالية، ولا يخفى على احد ان الاصلاح كان الثمن الذي فرضه صندوق النقد الدولي على هذه الدول كي يساعدها على الخروج من مأزقها. ونتيجة لذلك، خفض عدد من الحكومات تدخله في الاقتصاد، واصبحت الخصخصة موضوعا متداولا بقوة في البلدان الناشئة، مما افسح المجال امام رؤوس الاموال بالاستثمار وساعد في استقطاب المستثمرين الاجانب، بالاضافة إلى ذلك، اجبرت الشركات في الاسواق الناشئة خصوصا في جنوب شرق آسيا على اعادة النظر بتخفيض ديونها، وترتيب جداول ميزانياتها، وفي اعقاب عدة فضائح حسابية في الولايات المتحدة الاميركية، اصبح المستثمرون اكثر تحليلا للميزانيات فارضين على الشركات تزويدهم بتقارير صحيحة ودقيقة عن اوضاعها المالية. واليوم فان معظم الاسواق الناشئة اصبحت اكثر شفافية وتماسكا مما كانت عليه، وهي تتفاخر بانظمة مصرفية قوية وبأنظمة اكثر مرونة لسعر الصرف. وليست البلدان الناشئة وحدها التي تسهر على تنظيم امورها، فالمستثمرون ايضا تعلموا الدروس والعبر، فخلال تصاعد ازمة الاسواق الاسيوية سنة 1997، كان العديد من المؤسسات المالية الغربية وراء تغذية اسواق ناشئة منافسة، واسوأ من ذلك تجاهل عدد منهم اشارات التحذير من ازمات كانت تلوح في الافق «وبخاصة عجز الحسابات الجارية مرفقا بعملات مغالى في قيمتها»، ومنذ ذلك الوقت بدأت المصارف الغربية تحتاط اكثر فأكثر من خلال ادارة اكثر صرامة للمخاطر. ومن جهة اخرى فان العوامل الدورية في الاقتصاد العالمي تساهم في تعزيز الاسواق الناشئة، فالتعافي في الولايات المتحدة ولو بطيئا يغزي نمو الاستيراد، اما دول جنوب شرق آسيا، فما ان بدأت الثورة التكنولوجية في الولايات المتحدة تضمحل حتى رأيناها تتكبد الخسائر الواحدة تلو الاخرى، لذلك فان أي بريق تستعيده التكنولوجيا سيؤدي إلى ارتفاع مداخيل المنطقة، كما ان الاصلاح النقدي جعل المصدرين اكثر تنافسا. لهذه الاسباب، فان مؤشر انتعاش الاسواق الاسيوية إلى ارتفاع، حيث يتوقع الخبراء الاقتصاديون نسب نمو في الناتج القومي المحلي تفوق المعدل المتوسط للمنطقة في العام 2002: بين 3.5% و4%، مقارنة بحوالي 2% في الولايات المتحدة واوروبا والركود في اليابان، بالاضافة إلى ذلك، فان ارتفاع الاسهم في الاسواق الناشئة يفرض نفسه، ففي حين كان مؤشر ستاندارد اند بورز 500 قد وصل إلى 42 في 28 يونيو، تؤكد معظم الحسابات انه كان اقل من نصف ذلك في الاسواق الناشئة. ولكن هل يمكن الحفاظ على الانتعاش في الاسواق الناشئة؟ لاشك ان هناك بعض الاخطار، وسوف تبقى الاسواق الناشئة اكثر تقلبا من الاسواق الناضجة، فالاسواق الناشئة لا تقاد بمعظمها ماليا فقط وانما سياسيا ايضا، ففي تركيا على سبيل المثال هناك قلق كبير ازاء ما سيحدث للاقتصاد عندما تنهي الولايات المتحدة حربها على الارهاب، ويفقد البلد قيمته الاستراتيجية ودعمه المالي من واشنطن البالغ عدة مليارات من الدولارات، لكن معظم المراقبين يتفقون على ان مع وجود محفظة مختارة بانتباه، فان الاسواق الناشئة تعد بان تكون الافضل من حيث العائدات خلال العام 2002. للاسباب الملخصة اعلاه، ستستمر الاسواق الناشئة في التفوق على الاسواق المتطورة في العام 2002، وافضل ما يمكن ان يلجأ اليه المستثمر الخاص في الاسواق الناشئة هو الاعتماد على محفظة متنوعة من مؤشرات بلدان مختلفة ومنتقاه بعناية ودراية.
