الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 أكدت دراسة حديثة أن التخصيص يعد احد سبل زيادة الاستثمار وكفاءته وأن ما يحتاج اليه العالم العربي من القطاع الخاص هو زيادة معدل الاستثمار بنسبة لا تقل عن 5 بالمئة سنويا للوصول الى المتوسط السائد في البلدان النامية على الاقل والبالغ 26 بالمئة اضافة الى تطوير نوعية الاستثمار والسلع والخدمات المنتجة. ودعت الدراسة التي اعدها الدكتور علي توفيق الصادق مدير معهد السياسات الاقتصادية في صندوق النقد العربي بأبوظبي وعلي احمد البلبل الاقتصادي الأول في المعهد الى تحسين بيئة الاستثمار لتحضير كل من الاستثمارات المحلية والاجنبية عن طريق الاصلاحات المعيارية المدرجة عادة لهذا الغرض مثل الاصلاحات العمالية والمالية العامة مؤكدة انه بالقدر نفسه من الأهمية يحتاج العالم العربي الى اصلاحات مؤسسية تحسن من جودة حكوماته واسواقه. وأوضحت الدراسة التي وردت بالعدد الجديد من نشرة الشئون العامة التي تصدرها ادارة البحوث والدراسات بديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي أوضحت أن تجارب التخصيص المتراكمة تشير الى التوافق مع المزايا المعيارية حيث بلغت ايرادات التخصيص على مستوى العالم اكثر من تريليون دولار وكان ما يقرب من ثلثها نصيب الدول النامية مشيرا الى أن التخصيص أدى الى انخفاض مساهمة شركات القطاع العام في الناتج المحلي الاجمالي من 10 بالمئة الى 6% على مستوى البلدان النامية. وأضافت أن توزيع التخصيص في البلدان النامية تفاوت فانخفض نصيب شركات القطاع العام في اجمالي الناتج المحلي في البلدان المتوسطة الدخل في اميركا اللاتينية وشرقي وجنوب شرقي اسيا الى اقل من 7 بالمئة بينما ينخفض في بلدان افريقية جنوب الصحراء الى اقل من 12 بالمئة وكانت هذه الانصبة في البلدان العربية الاكثر نشاطا في التخصيص مثل مصر والمغرب وتونس 30 بالمئة و 10 بالمئة و 25 بالمئة على الترتيب. وأشارت الى ان عقد التسعينيات من القرن العشرين اتسم برواج برامج التخصيص في البلدان النامية والمتقدمة وحصلت الدول النامية على حوالي 320 مليار دولار من ايرادات التخصيص وشملت هذه البرامج انشطة للقطاع العام في مختلف المجالات، موضحة أن حصيلة ايرادات التخصيص في الدول العربية بلغت 9.5 مليارات دولار فقط، اي ما يعادل 30% من اجمالي الايرادات للدول النامية في حين أن الناتج المحلي للدول العربية يعادل 9% من اجمالي الناتج للدول النامية، وانخفضت مساهمة مؤسسات القطاع العام في الناتج المحلي للدول النامية نحو 46% (من 15% الى 8%) بينما انخضت المساهمة المماثلة للدول العربية 10% فقط (من 37% الى 33%). وبلغ الاستثمار الأجنبي حوالي 127 مليار دولار من ايرادات التخصيص للدول النامية (40%) لكنه لم يتعد 1.5 مليار دولار في الدول العربية (16%). وانحصرت معظم عمليات التخصيص في الدول العربية في قطاع السلع، الا انه منذ عام 2000 بدأ قطاع البنى الأساسية يحظى بعمليات تخصيص في بعض الدول العربية، وهو الامر الذي يبقى القطاع المالي اقل عرضه للتخصيص واعادة التأهيل والهيكلة. وارجعت الدراسة الضآلة النسبية في انجازات برامج التخصيص في البلدان العربية الى أن محددات التخصيص خصوصا في الدول النامية تشمل الازمات الاقتصادية التي ترفع الكلفة البديلة لعدم المضي في التخصيص، وبالتالي تجعل التخصيص امرا لا مفر منه لتقليص الأعباء على القطاع العام ورفع الانتاجية والدخل والقيادة السياسية القديرة التي باماكانها دفع عمليات التخصيص، من خلال ثقة العامة فيها وشرحها بجدارة مشروع التخصيص وقدرتها على امتصاص الاثار السياسية والعمالية التي قد تنجم عنه والقدرات المؤسسية والسوقية لدعم وتجهيز ومتابعة برنامج التخصيص، ولاسيما في مجال التقييم والرقابة والتنظيم والاصلاحات الاستقرارية والهيكلية المرافقة، كتلك التي تشجع المنافسة وتزيل العوائق التجارية وتخفف الانحياز ضد الصادرات وترشيد نظام الضرائب وادارة الدولة وغيرها. وأضافت انه باستخدام هذه المحددات والادلة لفهم قلة برامج التخصيص في الدول العربية يلاحظ أن الأزمات الاقتصادية والنمو البطيء في متوسطات دخل الفرد لم تلعب دورا مهما في هذا المجال، اذ كان معدل النمو السنوي لدخل الفرد (0.8%) اقل منه في البلدان النامية (1.7%). فالنمو الاقتصادي في المنطقة العربية لعب دورا هامشيا، مما يبرز أهمية دور العوامل الأخرى في فهم قلة عمليات التخصيص فيها وتتمثل في ضعف التوجيه والمثابرة ومحدودية المؤسسات الداعمة والاصلاحات المرافقة. هذه الصورة تتعلق بالدول العربية ككل، لكن هناك بعض الدول «مثل تونس والاردن ومصر» نجح كل منها نسبيا في دفع عمليات التخصيص وتوفير الشروط الملائمة لها. وذكرت أن موضوع تسلسل عملية التخصيص يطرح قضية مهمة بالنسبة لبرامج التخصيص ودورها الانمائي في العالم العربي. حيث تنتمي معظم الشركات التي خصصت الى قطاعات السلع واسواق تنافسية. فالتخصيص في اسواق غير تنافسية، وخاصة البنى الأساسية، يتطلب مؤسسات وهيئات رقابية تحافظ على رفاهية المستهلك وتحمي ارباح المستثمر الخاص، وأن عدم وجود هذه الهيئات يؤخر عمليات التخصيص واشراك القطاع الخاص في البنى الأساسية. كما تشير الأدلة الى أن صعوبة مراقبة وضبط العمليات التجارية للبنى الأساسية تزداد تدرجا من قطاع الاتصالات الى الكهرباء الى الطرق والسكك الحديدية فالمياه والصرف الصحي. وأوضحت أن اهم تجارب الدول العربية تشير الى أن قطاع الاتصالات حصل على حوالي 50% من مجموع الاستثمارات «خاصة في السودان والاردن والمغرب»، وقطاع الكهرباء على حوالي 35% «خاصة مصر والامارات»، ولم يحصل قطاع المياه والصرف الصحي رغم أهميته على اكثر من 10% (خاصة الاردن والمغرب». والأهم من ذلك أن حجم الاستثمارات في البنى الأساسية التي ساهم فيها القطاع الخاص بلغ حوالي 20 مليار دولار في الأعوام (1990- 2000) اي ما يعادل 2.8% فقط من مجموع الاستثمارات المماثلة في الدول النامية، التي بلغت 700 مليار دولار، علما أن التقديرات تشير الى حاجة العالم العربي سنويا الى 20 مليار دولار من الاستثمارات في البنى الأساسية. وأضافت أنه من هنا تبرز ضرورة تشجيع القطاع الخاص في المساهمة في استثمارات البنى الأساسية التي تعتمد من جهة على وجود مؤسسات سوقية وتنظيمية فاعلة تضمن ثقة المستثمرين «المشكلات الحالية بين الحكومة والمستثمرين بشأن عقود امتياز الهاتف الجوال في لبنان ومياه الشرب والصرف الصحي في المغرب امثلة على ذلك»، وتعتمد من جهة اخرى على وجود شركات خاصة ذات موارد تقنية ومالية عالية تضمن الكفاءة في الخدمة والتسعير والقدرة على التمويل. خصائص وذكرت أن التجارب العربية الخمس التي انجزت ونجحت بصور نسبية، اتصفت برامج التخصيص فيها بالخصائص الاتية: اخذ الأمن الاجتماعي والسياسي طابعا مهما في تصميم البرامج، فقد توجه للحفاظ على العاملين في الشركات المخصصة «المغرب والاردن» او استعملت ايرادات التخصيص لدفع معاشات مبكرة واعانات لعمال مسرحين «مصر وتونس». استخدمت ايرادات التخصيص في عديد من المآرب تراوحت بين دعم الميزانية «مصر والمغرب» واعادة هيكلة الشركات ومصاريف تسريح العمال «مصر وتونس» وانشاء صناديق للتنمية الاجتماعية والاقتصادية «المغرب وتونس والاردن» واطفاء الدين العام «الاردن»، ومن الجلي أن هذه الايرادات، كسب مفاجيء لمرة واحدة، تستوجب الحذر والوقاية في كيفية صرفها. شملت عمليات التخصيص في الاردن بنى اساسية ومرافق عامة، وكذلك في المغرب اضافة لشركات في قطاع السلع. اما في مصر وتونس فقد انحصرت عمليات التخصيص في قطاع السلع حتى الان. وفي المغرب والاردن شملت اليات التخصيص عقود امتياز وادارة اضافة الى الاكتتاب العام في الاسهم والبيع لمستثمرين رئيسيين. كما نجحت الاردن والمغرب باستقطاب استثمار اجنبي رئيسي في تخصيص شركات الاتصالات، وفاق الاستثمار الاجنبي 60% من مجموع ايرادات التخصيص في تونس. على صعيد الاقتصاد الكلي، ترافقت برامج التخصيص مع زيادة في معدل انتاجية العمالة في تونس والاردن، وهذا يتفق مع الادلة الاولية التي تشير الى زيادة في كفاءة الانتاج في الشركات المخصصة والى زيادة الاستثمار والعمالة في النشاطات الداعمة والمرتبطة بهذه الشركات وخاصة الاردن. كما ساعدت برامج التخصيص في انعاش الأسواق المالية من خلال الاكتتاب العام وتشجيع الشركات الخاصة على ادراج اسمائها في البورصات، وخاصة في مصر والمغرب وتونس، ولا توجد ادلة كافية عن حدوث تحسن في اسلوب ادارة الشركات في هذه البلدان. ترافقت برامج التخصيص مع التوسط في النشاط الاقتصادي للقطاع الخاص من حيث الاستثمار والحصة في الناتج المحلي، فقد زاد الائتمان الموجه للقطاع الخاص في معظم هذه البلدان. لكن يبدو أن الزيادة اتت غالبا على حساب الائتمان الى الحكومة وليس الى شركات القطاع العام. وظل الائتمان الموجه للشركات على حالة بصورة عامة وهذا يثير قضية العلاقة بين شركات القطاع العام والمصارف الحكومية وانعكاسها على صعوبة تخصيص القطاع المالي في هذه البلدان. نتائج دون المستوى وأكدت الدراسة أنه رغم توسيع نشاط القطاع الخاص، ومشاركة الاستثمار الأجنبي، وتنشيط الأسواق المالية وما يمكن أن يتبع ذلك من ادارة جيدة للشركات الخاصة، فأن برامج التخصيص في البلدان العربية المشار اليها لاتزال دون المستوى المحقق في معظم البلدان النامية والناشئة وبحاجة الى مزيد من التطور مما يتطلب قرارا سياسيا داعما، بالاضافة لرقي نوعي في المناخ الاستثماري والاصلاحات الهيكلية والمؤسسات السوقية والتنظيمية، ولاسيما أن المرحلة المقبلة في عملية التخصيص هي الأصعب لأنها تتضمن قطاعات مهمة كالبنى الأساسية والقطاع المالي، ويتطلب ذلك مشاركة فاعلة من القطاع الخاص ورجال الأعمال وثقتهم بالاقتصادات الوطنية والعمل على تنميتها والاستفادة منها. وأشارت الى أنه من النتائج المرجوة من التخصيص رفع كفاءة اداء الشركات المخصصة «وبالتالي اداء القطاع والاقتصاد الكلي» وتحقيق معدلات ارباح مشجعة للمستثمرين الخواص. وتشير التجارب الى تحسن في كفاءة وربحية الشركات المخصصة على المدى الطويل بحوالي 2% سنويا مقارنة بشركات مماثلة مازالت تحت ملكية وسيطرة القطاع العام. ورافق هذا التحسن زيادة في معدلات الاستثمار «رغم أن الاثر في العمالة غير محدد في اغلب الحالات»، لكن المهم أن هذا التحسن يحصل عندما تنتقل الملكية الى مستثمرين خارجيين «محليين اواجانب»، بعكس ما يحصل عندما تنتقل الملكية الى مستثمرين داخليين «الادارة والعمال»، حتى لو احتفظت الحكومة بحصة تخولها السيطرة على الشركة من خلال «الأسهم الذهبية». أبوظبي ـ عبد الفتاح منتصر: