الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 في مثل هذا التوقيت من العام المقبل تتجه أنظار العالم بأثره الى دبي التي ستحتضن الاجتماعات السنوية المشتركة لمجلس محافظي صندوق النقد والبنك الدوليين والتي من المتوقع ان يشارك بها نحو ما بين 18 ـ 20 ألف شخص يضمون رؤساء دول وحكومات ووزراء مالية ومحافظي مصارف مركزية من مختلف انحاء العالم، وسط تفاؤل عام بأن يحقق اقتصاد الامارة مكاسب ضخمة من هذا الحدث بالاضافة الى المكاسب الاخرى التي من شأنها ان تضع دبي في قلب خارطة الاحداث الاقتصادية العالمية الكبرى، لتجذب بذلك اهتمام صناع القرارات الاقتصادية لتكون مركزاً اقليمياً لهم في مجال المال والاعمال. ولتحقيق تلك الغاية تتسارع في دبي حالياً وتيرة الاستعدادات لاستضافة ذلك الملتقى الاقتصادي العالمي المهم الأبرز من نوعه لما يناقشه من قضايا اقتصادية مهمة، حيث تتسابق جميع اللجان المكلفة بتنظيم الحدث والتي تعمل تحت مظلة «دبي 2003» الى وضع اللمسات الأخيرة والانتهاء من الامور الاساسية لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة تعتمد فيها على الاختبار والفحص والمتابعة المستمرة لما تم انجازه من أعمال، بهدف اتقانها بفترة كافية قبل انطلاق الاجتماعات في سبتمبر من العام المقبل. ومن اجل أن يكون اجتماع دبي الأفضل تنظيمياً مقارنة باجتماعات الدوليين السابقة يقوم وفد من «دبي 2003» بالسفر الى واشنطن غداً للمشاركة بصفة مراقب في آخر اجتماع للبنك والصندوق قبل استضافة دبي له العام المقبل والذي سيعقد خلال الفترة من 26 سبتمبر الجاري وحتى الرابع من شهر أكتوبر المقبل. ويقول ابراهيم شريف بالسلاح المنسق العام لـ «دبي 2003» ان هذه الزيارة تأتي في اطار حرص اللجنة المنظمة على الاطلاع والإلمام بكافة التفاصيل التنظيمية وأحدثها خلال اجتماع واشنطن والاستفادة منها، مشيراً الى انه سيتم خلال الزيارة التباحث مع الأمانة العامة للدوليين حول كافة التفاصيل المتعلقة بالأمور التنظيمية لاجتماع دبي واطلاعهم على الترتيبات والاستعدادات الجارية حالياً لاستضافة الحدث. والأهم من ذلك هو الترويج لدبي فعلياً في قلب الاجتماع وذلك من خلال اقامة جناح خاص بدبي 2003 في ردهة مقر البنك الدولي حيث يعقد الاجتماع لتوفير كافة المعلومات حول الحدث اضافة الى معلومات عامة حول دولة الامارات العربية المتحدة ودبي وذلك من خلال الملصقات والكتيبات الترويجية التي سيتم توفيرها بالجناح، الى جانب استعداد جميع أعضاء الوفد للرد على استفسارات المشاركين بالاجتماع. وأضاف بالسلاح ان المشاركة في الاجتماع الأخير قبل اجتماع دبي فرصة للالتقاء بمنظمي الحدث وبالشخصيات المالية الرفيعة المستوى المشاركة من أبرز المؤسسات المالية في العالم. وسيلتقي ممثلو اللجان المختلفة التي شكلت مع نظرائهم في واشنطن ليستفيدوا من خبراتهم في تعزيز التحضيرات للاجتماعات السنوية العام المقبل. وعلى صعيد الاجتماع فإنه من المتوقع ان تشهد القمة 57 للصندوق والبنك الدوليين مناقشة العديد من القضايا الاقتصادية العالمية خاصة تلك التي تعاني منها البلدان النامية والتي كثيراً ما تكون مطالبة في مثل هذه الاجتماعات باثبات حجم الآثار السلبية التي تتعرض لها نتيجة الاجراءات التعسفية التي لاتزال الدول المتقدمة مصرة على اتباعها في تعاملاتها معها. فوفقاً لما خلص اليه التقرير السنوي الذي أصدره البنك الدولي عن آفاق نمو اقتصادات البلدان النامية فإن عمليات اعادة هيكلة نظام التجارة العالمي وتخفيض الحواجز المعيقة للتجارة يمكن ان يؤديا الى زيادة معدلات النمو في الأمد المتوسط وتقليص الفقر في شتى مناطق العالم. وفي ضوء هذا التقرير وغيره من التقارير الاخرى الصادرة عن البنك والصندوق سوف يحتدم الخلاف وتشتد المحادثات خلال الاجتماعات. كما تعرف هذه الدول ايضا ان معضلة الديون الخارجية والحواجز التى تعترض تجارتها الخارجية وانخفاض التدفقات الاستثمارية الاجنبية اليها والضريبة التى يجب عليها ان تدفعها بسبب «عولمة الاغنياء» هي بمثابة مشكلات مزمنة لا تزال تبحث عن الحلول. ومن المتوقع ان تدخل الدول النامية «لاسيما تلك الاشد فقرا» الاجتماعات المقبلة للمؤسستين العالميتين والتى ستبدأ اليوم وتستمر حتى 29 سبتمبر الحالي وهي تحمل معها حملها الثقيل من التقارير والدراسات والابحاث العالمية التى تؤكد سوء اوضاعها الاقتصادية في ظل التطورات العالمية الحالية. والمتابع لما صدر مؤخرا من تقارير سواء من قبل الصندوق او البنك اومنظمة الاونكتاد وغيرها لا بد وان يلاحظ «الطبيعة التشاؤمية» التى غلبت على هذه التقارير والتى تختتم دائما استنتاجاتها بعبارة واحدة تؤكد ضرورة تعاون الدول المتقدمة من اجل دعم اقتصادات الدول النامية المتعثرة. ويعد التقرير المشترك بين الصندوق والبنك الذي صدر عشية الاجتماعات المنتظرة من ابرز هذه التقارير ويتوقع ان يكون محورا مهما في مناقشات المؤسستين والذي اكد ان الحواجز التجارية التي تقيمها الدول الغنية في الغالب ضد الدول النامية تستنفد مبلغ 650 مليار دولار من الممكن في حالة سقوط هذه الحواجز استخدامه في تحسين معيشة الملايين في مختلف انحاء العالم كل عام. وقال التقرير ان هذه الحواجز تحد ايضا من قدرة الدول النامية على تصدير منتجاتها للاسواق العالمية رغم احتياجها الشديد لذلك مشيرا الى ان أكبر الضرر ينجم عن الدعم المالي للمنتجات الزراعية والمنسوجات والرسوم الجمركية عليها في الدول المتقدمة. ومضى قائلا ان الاسواق الزراعية تتعرض لاكبر الضرر كون ثلاثة ارباع فقراء العالم يعيشون في مناطق ريفية معتمدين على الزراعة غالبا كمصدر لارزاقهم، وبينما تتابع الدول النامية نتائج التقرير المذكور فان البعض منها سيحمل في جعبته وهو قادم الى اجتماعات الصندوق والبنك التقرير الاخير لمنظمة مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية «الاونكتاد» والذي اكد ان 420 مليون نسمة من سكان البلدان الاقل نموا سيعيشون على اقل من دولار واحد يوميا عام 2015 اذا ما استمرت الامور على منهاجها الحالي. واشار التقرير الى ان الدول الغنية معنية بالامر بطريقة او باخرى لانها اذا ساعدت هذه الدول على تحقيق تنمية بنسبة 7% بطريقة دائمة فان عدد من يصنفون ضمن خانة افقر الفقراء سينخفض من 307 ملايين نسمة حاليا الى اقل من 90 مليون نسمة. ومع تزايد حدة الفقر في العديد من الدول النامية فان غالبيتها لا يزال يعاني من مشكلة الديون الخارجية وهي المشكلة التى ظهرت الى السطح في مطلع الثمانينيات وتفاقمت بحلول الالفية الجديدة. ويقدر تقرير اخر لصندوق النقد الدولي حجم مديونية الدول النامية حاليا باكثر من 2000 مليار دولار بالمقارنة مع 500 مليار دولار فقط في العام 1985. واشار التقرير الى ان تزايد معدلات الاقتراض والديون الى نسبة تتراوح بين 160 و170% من اجمالى الصادرات أو 40% من اجمالى الناتج القومي الاجمالي لهذه الدول لا بد وان يؤثر تأثيرا سلبيا على النمو الاقتصادي. وحذر التقرير من تزايد أعباء الديون الخارجية مما يهدد عمليات التنمية فى الدول النامية والتى يقع معظمها فى منطقة الشرق الأوسط والقارة الأفريقية مبينا أن ارتفاع حجم أعباء خدمة الدين يؤدى الى خفض معدل النمو الاقتصادى ويساهم فى طرد رؤوس الأموال الخاصة والاستثمارات المباشرة. وأشار الى أن الدراسات كشفت عن أن نوعية الاستثمارات ومدى ملاءمتها لمتطلبات التنمية أصبحت أهم كثيرا من زيادة التدفقات الاستثمارية بالنسبة لعمليات التنمية الشاملة والمستدامة وأن الاستثمارات الخاصة وليس حجمها هو الذى يؤثر فى زيادة أو تراجع معدلات النمو الاقتصادي. وذكر التقرير أن القروض وأقساط الديون المستحقة على الدول النامية أدت خلال السنوات الماضية الى زيادة الأعباء المالية الملقاة على عاتق هذه الدول كما عملت على تقليص معدلات النمو الاقتصادي وذلك على عكس توقعات المحللين الاقتصاديين بهذا الشأن. وأوضح أن ارتفاع أسعار الفائدة على القروض التى حصلت عليها العديد من الدول النامية أدت الى تباطؤ عمليات التنمية وهبوط معدلات الأداء الاقتصادى لاسيما خلال السنوات العشرين الماضية حتى أصبحت خدمة أعباء الديون تؤثر بالسلب على معدلات النمو ذاتها اضافة الى اعاقة عمليات التنمية الاقتصادية. اما من حيث الاستثمارات الاجنبية فان تقرير الاونكتاد الاخير حول مناخ الاستثمار العالمي للعام 2002 كان بمثابة جرس الانذار لجميع دول العالم والدول النامية على وجه الخصوص لا سيما بعد ان اعلن ان نسبة الانخفاض في التدفقات الاستثمارية بلغت نحو 51%. ومضى قائلا ان هذه النسبة تعتبر الاعلى في تاريخ التدفقات الاستثمارية خاصة في السنوات العشر الاخيرة. واشار التقرير في سياقه الى الدور الذي باتت تلعبه الشركات متعددة الجنسيات في الاقتصاد العالمي لاسيما التجارة العالمية وهو ما وضح جليا في الكثير من الدول النامية ومنها الصين التى بلغ نصيب صادرات الشركات الاجنبية فيها اكثر من نصف الصادرات الاجمالية لهذه الدولة. ويستفاد من هذه المعلومات ان الصناعات التى انشئت في السنوات الاخيرة بهدف التصدير في الكثير من الدول النامية اعتمدت على الشركات متعددة الجنسيات وهي ان كانت تخلق المزيد من فرص العمل الا ان عوائدها تصب مباشرة في «جيوب» هذه الشركات. وتكتسب اجتماعات الصندوق والبنك الدوليين للعام الحالي اهمية خاصة كونها الاولى التى تعقدها المؤسستان بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 حيث الغيت اجتماعات العام الماضي بسبب الاجواء المضطربة التى عاشتها الولايات المتحدة «مقر الاجتماعات السنوية» في اعقاب هذه الاحداث. ويتوقع المراقبون ان تكون الاجتماعات المقبلة الاكثر سخونة في اجتماعات القطبين الماليين العالميين في السنوات الاخيرة كونها تأتى في ظل التطورات التى يشهدها الاقتصاد العالمي والتى توصف دوما بانها سلبية ولا تدعو للتفاؤل على الاقل في المدى القصير. وتتضمن قمة الصندوق والبنك المقبلة مجموعة من الاجتماعات التى ستناقش مجموعة كبيرة من القضايا والمشكلات الاقتصادية العالمية والتى تتوج بالاجتماع السنوي الرئيسي يوم الاحد المقبل. والمعروف ان الاجتماع السنوي للصندوق والبنك الدوليين يعقد في العاصمة الاميركية في سبتمبر او اكتوبر من كل عام بينما يعقد كل ثلاث سنوات خارج الحدود الاميركية حيث يتوقع ان تستضيفه العام المقبل دبي التى ستكون اول مدينة عربية تحظى بشرف استضافته. رسالة واشنطن: مصطفى عبدالعظيم