الاحد 15 رجب 1423 هـ الموافق 22 سبتمبر 2002 في مؤتمر قمة ديربان الذي انعقد منذ أسابيع بجنوب أفريقيا، تم اعلان قيام الإتحاد الأفريقي كبديل عن منظمة الوحدة الأفريقية وتتويجا للتعاون الأفريقي المشترك، وعندما سئل عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية والذي حضر المؤتمر، عن أسباب عدم توصل الدول العربية إلى مثل هذه الخطوة، وعدم إعلان أتحاد عربي رغم مرور أكثر من نصف قرن على إنشاء التعاون العربي المشترك، تركزت إجابة سيادته في ثلاثة محاور: 1 ـ انه ليس شرطا أن يقوم إتحاد عربي لمجرد قيام إتحاد أفريقي بالرغم من أن الفكرة قائمة، فالمهم هو إصلاح النظام القائم بالفعل لكي نتجه إلى خطوة أخرى جديدة، خاصة وأن الجامعة سبقت في وجودها منظمة الوحدة الأفريقية بحوالي عشرين سنة. 2 ـ إن الجامعة العربية توصف بأنها منظمة قومية، إلا أنه يجب عليها أن تكون منظمة إقليمية، تلتزم بنظم إقليمية معينة، وأن تتماشى مع النظام العالمي، وان تتحرك في القضايا الاقتصادية والثقافية والاجتماعية مثلماتتعامل مع القضايا السياسية والأمنية، مع مراعاة عدم عدم نزع الصفة القومية لها، تلك الصفة التي يجب أن تلزم أيضا بقيام مصالح مشتركة بين أعضائها. 3 ـ هناك خلل في الجامعة العربية نتيجة عدم وجود تصور شامل للعمل العربي المشترك، إلا في النواحي الأمنية والسياسية، وبالتالي فإنه لا توجد خطة لتصور العالم العربي بعد عشرين سنة مثلا، ولا شك أن تقرير التنمية الأخير الصادر عن الأمم المتحدة يحتوي على مؤشرات خطيرة للمنطقة العربية، وهي مسألة لايمكن القبول بها لأنها تتعلق بصميم وجود الشعوب العربية ومدى تقدمها في المستقبل. ومن هنا يمكن الوقوف على فكر السيد عمرو موسى في تطوير جامعة الدول العربية والذي يوضح إيمانه العميق بضرورة تغيير آليات التعاون العربي المشترك لكي يمكن أن تتحول مستقبلا إلى إتحاد عربي كامل لا يقل في أهميته ولا في تنظيماته عن الإتحاد الأفريقي الذي بدأت فكرته في ليبيا في عام 1996 والذي أعلن قيامه رسميا منذ أسابيع قليلة، وقد يضم أيضا إلى جانب النواحي الاقتصادية والسياسية نواحي عسكرية وأمنية وقضائية وصحية مثلما عليه الحال في الإتحاد الأوروبي. لقد كانت هناك فكرتان للتعاون العربي المشترك في عام 1945، الفكرة الأولى وهي قيام ولايات عربية متحدة تصل تدريجيا في تنظيماتها وفي قواعدها إلى مستوى دولة موحدة خلال فترة قصيرة، والفكرة الثانية هي قيام جامعة عربية بموجب ميثاق يتضمن مجالات التعاون المختلفة بين الدول العربية، وبما يوصلها إلى مستوى التكامل والتوحيد الاقتصادي، وقد إنتصرت الفكرة الثانية، ولكن التنفيذ لم يكن على المستوى القومي المطلوب، حيث قامت تنظيمات إقليمية صغيرة داخل المنطقة العربية كانت عبئا على التنفيذ وتوسيقا له، ثم تفككت هذه التنظيمات، وقامت مناطق جزئية للتعاون غير الشامل، وتفككت أيضا، ولم يبق منها إلا منظمة التعاون الخليجي التي تسير بقوة نحو إنشاء إتحاد خليجي كامل وأيضا منظمة التعاون العربي التي تسير بخطوات ضعيفة نحو التعاون بين أعضائه. لقد قام عمرو موسى فعلا منذ تولي منصبه الجديد كأمين عام لجامعة الدول العربية بإعادة تنظيمها وإعداد المشروعات اللازمة لهذا التنظيم وذلك للخروج من الدائرة المفرغة التي وقعت فيها، فبدأ بتشكيل هيكل تنظيمي جديد للأمانة العامة باعتبارها العمود الفقري الذي تقوم بقيادة أنشطة الجامعة، وقد بدأ العمل به فعلا منذ أيام، ومن أبرز معالمه إستحداث منصب نائب الأمين العام الذي شغله السفير نور الدين حشاد التونسي والذي كان يرأس مكتب الجامعة العربية في تونس، كما أصدر الأمين العام قرارا في منتصف يوليو الماضي بإنشاء مجلس للأمانة العامة يضم نائب الأمين العام والأمناء المساعدين ومن يرى الأمين العام إشراكهم. واستحدث الأمين العام أيضا مناصب المفوضين وهم شخصيات سياسية بارزة يقومون بمتابعة بعض الملفات التي يعمل الأمين العام على إبراز الاهتمام بها، ومن الطبيعي أن سيادته لن يتوقف عند هذا الحد في إعادة تنظيم جامعة الدول العربية، وبالتالي تطوير العمل العربي المشترك، خاصة وأن أمامه بعض المقترحات من جهات متعددة، ومن أبرزها مشروع إنشاء اتحاد عربي قدمته ليبيا عام 1996 ولم يتم دراسته بعد، ويتضمن هذا المشروع ما يلي: 1 ـ إنشاء مجلس أعلى للإتحاد العربي المقترح كبديل عن مؤتمر القمة العربي، ينعقد مرة كل ستة أشهر لمواجهة الاحداث والمستجدات على الساحة العربية، ويكون له سلطة إصدار القوانين والقرارات بالسياسة العربية العليا واعتماد إستراتيجيات العمل العربي المشترك. 2 ـ إنشاء المؤتمر القومي العام كآلية تشريعية شعبية ويتألف من عدد متساو من الأعضاء من كل دولة عضو ويتم اختيارهم من الهيئات التشريعية في الدول الاعضاء، وفقا للنظم الداخلية في كل منها، ويبدي المؤتمر رأيه في الموضوعات التي تحال إليه من المجلس الاعلى للإتحاد وله أن يقترح ما يراه من مشاريع وتوصيات لتطوير العمل العربي المشترك، وأن يتابع أداء المجالس التنفيذية المتخصصة. 3 ـ يشرك المشروع أمناء اللجان الشعبية العامة ورؤساء ووزارات الدول الأعضاء للمرة الأولى حيث يشكلون آلية جديدة تسمى «المجلس التنفيذي الإتحادي»، ولم يتبين بالتفصيل وضع هؤلاء الأعضاء بالرغم من كونهم السلطة التنفيذية التي تعمل على تقوية الجسور والتنسيق بين المجلس الإتحادي الأعلى والمجالس التنفيذية المتخصصة التي يشكلها الوزراء المعنيون. 4 ـ إنشاء مصرف مركزي إتحادي يستهدف توحيد السياسة التنفيذية والإئتمانية والمصرفية للدول الأعضاء والذي يمكنه دمج مؤسسات الإصدار والعمل على توحيد العملة وإصدار عملة عربية موحدة والإسهام في دعم الاقتصاد العربي وتكامل السياسات المصرفية والتنسيق بين المصارف المركزية للدول العربية وبينها وبين مؤسسات التمويل الدولية. 5 ـ إنشاء صندوق للتنمية العربية لهيئة مالية عربية ذات شخصية مستقلة، يعمل على تلبية متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الوطن العربي، ويتولى المساهمة في مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول الأعضاء، كما يعمل على تشجيع توظيف الأموال العامة وتوفير الخبرات الفنية لمشروعات التنمية في الوطن العربي. إن تطوير آليات العمل العربي المشترك الحالية، وهي التي تم انتقادها من زعماء الأمة العربية، خاصة بعد فشلها في تحقيق أهداف الشعوب العربية في التنمية والتقدم الاقتصادي، هذا التطوير يتطلب في تصوري الخطوات الضرورية التالية. أولا: الغاء المنظمات والهياكل والآليات التي قام عليها التعاون العربي المشترك خلال النصف قرن الأخير، والغاء كل الاتفاقيات الجماعية المنشئة لهذه الآليات، مع الاحتفاظ بالقيادات والعاملين الذين كان لهم بصمات واضحة في العمل العربي المشترك خلال السنوات الأخيرة، وهم الذين ينتقدون الجوانب السلبية لهذا العمل المشترك ولهم أيضا مقترحاتهم في التطوير والتحديث. ولاشك أن هذا الإلغاء سيواجه بمعارضة كبيرة من الذين سيفقدون مناصبهم وسلطاتهم وأعمالهم في المنظمات العربية المشتركة، غير أن ذلك لن يكون صعبا إذا أمكن تعويضهم ماديا بوسيلة أو بأخرى، وعلى أساس أن التطوير الجديد يتم في ضوء المصلحة القومية العليا ولصالح الشعوب العربية، وتمهيدا لإقامة منظمة عربية كبرى تقود العمل العربي المشترك وتخرج السوق العربية المشتركة إلى حيز التنفيذ العملي وتقيم الإتحاد العربي المستهدف. فالواقع يؤكد أن المنظمات العربية المشتركة لم تحقق إنجازات واضحة في مجال التعاون العربي المشترك والذي كان من المتصور أنه سيسير في طرق مغايرة تتقابل جميعها عند تنظيم عربي موحد يفيد الأمة العربية سياسيا واقتصاديا، ولكن ذلك لم يتم حيث تولى أمور هذه المنظمات فئة قاصرة في أغلبها مترهله في أدائها متسيبة في قراراتها، حتى إنهارت عمليات التعاون المشترك وتجمد أغلبها عند أقل الحدود التي وصل إليها التعاون الإقليمي في كثير من مناطق العالم. وعلى الصعيد الفني فإن أغلب المنظمات العربية المتخصصة لم تحقق الإنجازات المحددة لها. ومن أولها صندوق النقد العربي الذي لم يحقق حتى الآن أية آلية لتسهيل المدفوعات بين الدول العربية، وهو الذي نشأ أصلا من أجل تحقيقها بينما أنصرف إلى عمليات فرعية وائتمانية لا تختلف في شروطها عن أية هيئات تمويلية أخرى، محلية أو إقليمية أو حتى دولية، كما ينفق مبالغ طائلة على عمليات بحثيه مكرره مع مؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى المؤتمرات التي يعقدها أو يشارك فيها من قبل الدعاية والاعلام. ثانيا: ضرورة فصل العمل السياسي العربي عن العمل الاقتصادي، فمن التجربة السابقة تبين أن العلاقات السياسية بين بعض البلاد العربية ساعدت على تجميد أوضاع التعاون الاقتصادي العربي الشامل في جوانبه العديدة، كما أدت إلى وقف تنفيذ بعض الاتفاقيات الجماعية، أولها كان يعرف باتفاقية «تسديد المعاملات الجارية وانتقال رؤس الأموال بين الدول العربية، أما أهمها فكان إتفاقية» السوق العربية المشتركة «التي أعدت في عام 1964 وحصلت على مطالبات تنفيذ لم يسبق أن حصل عليها أية إتفاقية عربية أخرى، كما طالب مؤتمر القمة العربي بتنفيذها أكثر من مرة وفي أكثر من جلسة، ومع ذلك لم يتم تنفيذ خطوة واحدة منها حتى الآن، بل لا أكون مبالغا إذا قلت أن إتفاقية إنشاء منظمة التجارة العربية الحرة الكبرى تتعرض حاليا لخروج بعض الدول الأعضاء منها بعد ما يقرب من خمس سنوات من تنفيذها، وهو ما يوضح قصورا كبيرا من جانب القادمين على أعمال التعاون الاقتصادي العربي وعدم التحرك السريع لمعالجة المشاكل التي تواجه هذا العمل، لأن كل مشكلة لها علاج إذا كانت هناك إرادة سياسية لعلاجها. أقول أن فصل العمل السياسي عن العمل الاقتصادي أصبح أمرا ضروريا وسيكون خطوة عملية ناجحة نحو التطوير المطلوب، وسيحتاج إلى مجهود كبير طالما يوجد على رأس بعض البلاد العربية من لا يرغب في التنازل عن جزء من سلطته من أجل العمل القومي، بينما جاء الوقت لذلك بعد أن تعرضنا كعرب للمهانة غير الخافية في الصراع العربي الإسرائيلي الحالي، وفي الاحداث اليومية التي نشاهدها يوميا على شاشة التليفزيون من قهر وقتل للفلسطينيين، والذي يمكن أن يمتد إلى الدول العربية الأخرى، دولة بعد أخرى، وذلك ما لم نواجه هذه الإهانات بيد عربية واحدة ذات قوة اقتصادية وبعيدا عن أية خلافات سياسية داخلية. وفي تصوري أن فصل العمل السياسي عن العمل الاقتصادي العربي يمكن أن يتأتى عن طريق إنشاء منظمة عربية كبرى بهيكل عملي مناسب يتكون من أمين عام لها له نائبين: نائب للشئون السياسية ونائب للشئون الاقتصادية ولكل منهما سلطة واختصاصات داخل مجاله وبعيدا عن التدخل في شئون الآخر، فنائب الأمين العام للشئون الاقتصادية يمكن أن يضم إليه على سبيل المثال الاختصاصات الضرورية من مجلس الوحدة الاقتصادية العربية وصندوق النقد العربي وصندوق الإنماء العربي ومؤسسة ضمان الإستثمار العربي ... الخ. ويمكن أن يتولى الأمين العام اختصاصاته بسلطات تمنحه العمل والأداء المطلوب لتنفيذ إنشاء السوق العربية المشتركة، بما فيها الإتصالات المستمرة مع رؤساء الدول الأعضاء والتي توضح لهم مدى أهمية العمل العربي المشترك وإنشاء السوق العربية المشتركة، في مجال تحسين المستوى المعيشي للسكان والحد من إستنزاف الثروة العربية لصالح الأجانب، وذلك بعيدا عن أية خلافات سياسية بين بعض الدول العربية. وكلمة أخيرة أقولها وبصراحة، أنه في تطوير آليات العمل العربي المشترك، والاقتراح المعروض لإنشاء منظمة عربية كبرى بديلة عن الجامعة العربية أو تكبيرا وتوسيعا لأهميتها ولسلطاتها، فإن الأمين العام الذي يتولى قيادة هذه المنظمة يتعين أن يمنح السلطات القومية والإقليمية التي تمكنه من تحقيق الأهداف العربية في التكامل والتنمية والتقدم العربي، وهو مبدأ قانوني تم إقراره جزئيا في الإتحاد الأفريقي، كما يسود بشكل أوسع في الإتحاد الأوروبي منذ عام 1991، بما يؤدي إليه ذلك من تنسيق وتوحيد للسياسات والتفاهم الودي والإلزام في بعض الأحيان، وطالما هناك أغلبية عربية لهذا الإلزام. إنه بدون هذه السلطات التي يتعين أن يتولاها الأمين العام، فإن المنظمة المقترحة بشكلها الجديد أو حتى بالشكل الذي عليه جامعة الدول العربية حاليا بعد إعادة هيكلة أمانتها العامة وإدارتها المختلفة، فإن الوضع سيبقى على ما هو عليه وسننتظر خمسين عاما أخرى حتى يتم بحث الموضوع من جديد ولن تتحقق السوق العربية المشتركة التي ينادي الجميع بإقامتها منذ ثمانية وثلاثين عاما، ولم يتحقق الإتحاد العربي الفعلي الذي يأمل الجميع في تحقيقه باعتباره مسألة حياة وبقاء للأمة العربية. بقلم: يحيى المصري الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |