الاحد 15 رجب 1423 هـ الموافق 22 سبتمبر 2002 ينتهي عصر التضخم بالطريقة التي بدأ بها، أي بهدوء، والى جانب الحرب الباردة، كان ارتفاع وهبوط التضخم حدثاً مميزاً للحقبة الحالية، ولكنه حدث يتم تجاهله، لان التضخم تراجع بصورة تدريجية لدرجة انه لايوجد أحد تقريباً يقدر أهميته التاريخية، وعلى مدى عقود اربعة، ركب الأميركيون القطار الافعواني للتضخم صعوداً وهبوطاً بعواقب اقتصادية وسياسية واجتماعية. وقد كان له الأثر في تشكيل نمط حياتنا، وبدا ذلك الأثر في كل شيء بدءاً من صعود التوجه السياسي المحافظ وحتى الجنون السابق لسوق الأسهم والطفرة الحالية في الاسكان. والقطار الافعواني للتضخم، كما يقاس من خلال مؤشر أسعار المستهلكين، تقدم من معدل 1.4% في عام 1960 الى ذروته عند نسبة 13.3% في عام 1979 ثم هبط من جديد، وفي عام 2001، كان معدل التضخم 1.6%، وفي طريقه الى الصعود، جاء انتخاب رونالد ريغان في عام 1980 ـ وهو مناسبة سياسية محورية ـ مستمداً بشكل كبير من ردة فعل مضادة للتضخم. فقد شعر الناس باليأس من الهجوم ازدواجي الرقم، الذي شوش كل مفاهيم النظام والقابلية للتنبؤ في الحياة اليومية. هنالك عبارة للينين تقول: ان الطريق لسحق البرجوازية (الطبقة الوسطى) يتمثل في طحنها بين حجارة طاحونة الضرائب وطاحونة التضخم»، وفي أميركا، قامت تلك العملية باضعاف الثقة بالحكومة، التي وجه الناس اللوم لها على ما أحدثه التضخم من خراب ودمار. وتزامنت فترة المكاسب الضعيفة في الاجور ومستوى المعيشة مع فترة شهدت أعلى مستويات التضخم. ومن خلال جعل إدارة الشركات أمراً أكثر صعوبة، عمل التضخم على إعاقة الانتاجية ونمو الدخل، وعلى نحو مماثل، فان كبح التضخم كان عملاً بشعاً. فقد تم رفع أسعار الفائدة الى مستويات خيالية مما أوجد شرائح واسعة من العاطلين عن العمل وطاقة انتاج فائقة لتخفيض الاجور والزيادات في الأسعار. وكانت فترتا الانكماش الاقتصادي الأميركي بين عامي 1973 ـ 1975 وعامي 1981 ـ 1982 هما الأسوأ على الاطلاق منذ الحرب العالمية الثانية وانتشرتا الى باقي دول العالم. وفي عامي 1982 و1983، بلغ معدل البطالة الأميركية حوالي 10%. ان أحد الأسباب الذي يجعل التضخم أمراً منسياً هو مرور الوقت. فحوالي 30% من الأميركيين لم يكونوا قد ولدوا في عام 1980، وهي الفترة التي شهدت زيادة في الأسعار مؤلفة من رقمين. ولكن هناك سبب آخر وهو ان الناس لايدركون ان هبوط التضخم كان قوياً بقدر ارتفاعه. وفي الطريق الى الهبوط، كان التضخم بمثابة دواء منشط، والشاهد على ذلك هو طفرة الاسكان المستمرة. فقد ادى هبوط التضخم الى تخفيض اسعار الفائدة على الرهن الى مستويات لم نعهدها منذ الستينيات من القرن الماضي. وفي عام 2001، بلغ اجمالي قروض الرهن العقاري رقماً قياسياً هو تريليونا دولار. وكان حوالي نصف هذا المبلغ عبارة عن اعادة تمويل للرهون أي استبدال القروض القديمة بقروض جديدة بأسعار فائدة منخفضة. وفي ظل اقتصاد ضعيف بعض الشيء، ساعدت أسعار الفائدة المنخفضة على الحفاظ على شراء المنازل والانفاق الاستهلاكي. وفي وقت سابق، أوجد هبوط التضخم أعظم الأسواق مرتفعة الأسعار، مما عزز من انتشار ملكية الأسهم وقاد، في النهاية، الى حماقات المضاربة التي ظهرت في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، وعلى امتداد قرابة عقدين، عمل التضخم المرتفع على معاقبة السوق. وفي عام 1982 بلغ متوسط مؤشر داو جونز للأسهم الصناعية 884.36 نقطة، وهو المستوى الذي يعتبر أقل عملياً من مستوى عام 1965 البالغ 910.88 نقاط، فانحسرت الثقة وتضررت الارباح، وعملت أسعار الفائدة العالية على جذب المدخرات الى السندات والودائع المصرفية والصناديق المشتركة في سوق العملة. ولكن حالما انخفض التضخم عادت العملية لتنعكس من جديد. وعلى امتداد السنوات الـ 17 التالية، ازدادت أسعار السهم بصورة لا ترحم. وكان هذا الارتفاع المضطرد هو الذي غذى الحماس الشعبي وقاد في النهاية الى جنون التدمير الذاتي. ان نهاية عصر التضخم لا تعني ان الأسعار لن ترتفع مجدداً. ولكنها تعني ان طفرة التقلبات الهائلة ـ صعوداً وهبوطاً ـ قد انتهت. وهناك اجماع على ان التضخم المرتفع هو أمر سيء ولا يمكن التغاضي غنه. وهذا يطرح السؤال التالي: ماذا بعد ذلك؟ من الناحية الاقتصادية، هنالك احتمالان يطرحان نفسيهما. أحدهما تفاؤلي يتصور استقراراً اقتصادياً أكبر. ولأن التضخم المرتفع ولد حالة من عدم الاستقرار. مما قاد الى تبني سياسات التوسع والانكماش في منح القروض السهلة والمقيدة فان زواله يعني ضمنياً حالات انكماش أقل وأخف. ولقد كان هذا هو الحال بالتأكيد منذ عام 1982 بعد ان تم كبح التضخم ذي المعدل الرقمي المزدوج. ووفقاً للمعايير التاريخية، فان الانكماش الاقتصادي بين عامي 1990 ـ 1991 كان خفيفاً. وعلى الرغم من كل التذمر، فإن الشيء نفسه ينطبق (حتى الان) على الانكماش الأخير. والاحتمال المتشائم هو ان تكون هناك قلاقل جديدة في طريقها الى البروز. فتبعات انفجار «فقاعة» سوق الأسهم قد تقيد الاقتصاد لسنوات، وقد يكون الاقتصاد العالمي ضعيفاً بصورة متأصلة، لان اليابان وأوروبا عاجزتان عن التوسع السليم، بلدان «الاسواق الناشئة» معرضة لأزمات تتعلق بالعملة. والانكماش ـ ونقصد به هنا انخفاض الاسعار الذي من شأنه ان يحدث ضغطاً على الارباح ـ قد ينجم عن فائض في الطاقة الانتاجية الصناعية العالمية وضعف في الطلب. من يدري؟ والأمر الأسهل للشرح هو عصر التضخم فقد نجم عن سذاحة فكرية حسنة النوايا، وقد ذهب اتباع عالم الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز (1883 ـ 1946) الى القول ان الحكومات تستطيع، من خلال التلاعب الذكي بالموازانات وأسعار الفائدة، ان تخفض معدل البطالة وتقضي على الانكماش الاقتصادي مع ارتفاع طفيف فقط في التضخم. لقد كانوا مخطئين في ذلك، ولكن العجوزات في الميزانية التي أوصوا بها وسياسات الاقراض المتساهلة أوجدت ـ عندما تم تبنيها ـ حلزون الاجور والاسعار وتوقعات تضخمية لم يتم التخلص منها الا الان. ومن غير قصد منه، قدم كينز وصفاً ملائماً. فقد كتب في احدى المرات يقول: «ان الرجال العمليين، الذين يعتقدون انهم مستثنون تماماً من أي تأثيرات فكرية، هم عادة عبيد لعالم اقتصاد ميت»، وهذا ما كان عليه الواقع. بقلم: روبرت صامويلسون الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |