من الأهداف الرئيسية للعولمة ايجاد نشاط اقتصادي عالمي وهي بذلك تعمل على تقليص دور المؤسسات الوطنية وأهمية الحدود الوطنية وتوجيه العالم، ليصبح قرية كونية أو اتحادا جمركيا كبيرا. وهذا يعني تزايد اندماج الأسواق العالمية للسلع والخدمات ورؤوس الأموال وبالتالي زيادة سماح الحدود الوطنية لتدفق التكنولوجيا والتجارة والمعلومات. وتظهر علامات العولمة نفسها بزيادة تدفقات رأس المال ونمو التجارة العالمية. إن ذلك في الحقيقة يعني التكافل بين اقتصاديات الدول المتقدمة والدول النامية في سوق عالمية واحدة لكافة القوى الاقتصادية في العالم وفقا لمبدأ المنافسة الحرة. إن تغيير البيئة الاقتصادية العالمية تحت تأثير الثورة في علم التكنولوجيا والمعرفة والتغيرات في النظم الاقتصادية في العالم وتسارع التحرير الاقتصادي في عدد من الدول النامية كانت من العوامل التي ساعدت في بروز ظاهرة العولمة وتحرير التجارة الدولية. وبصرف النظر عن الجدل الفكري القائم حول ظاهرة العولمة فإنه يمكن القول بأن هذه الظاهرة تعنى في الأساس بجعل النشاط على مستوى عالمي أي نقله من حيز الاقتصاد المحدود إلى آفاق الاقتصاد اللامحدود الذي يتمثل في العالم كله وبالتالي فإن اطار حركة التفاعل في مجال هذه الظاهرة على اختلاف صورها الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها يتجاوز الحدود الجغرافية المعروفة للدول لتصبح اطارا عاما ينطبق على العالم. إن بروز هذه الظاهرة في الحقيقة هو الذي أدى إلى انشاء منظمة التجارة العالمية وتحديد القواعد والضوابط بخصوص العلاقات التجارية بين الدول الأعضاء في المنظمة بهدف تحقيق نمو متزايد في التجارة العالمية وبالتالي النمو الشامل للاقتصاد العالمي. إن عولمة النشاط الاقتصادي كجزء من الظاهرة الشمولية للعولمة والتناقضات داخل المجتمع الرأسمالي باعتباره المحرك والمشجع لهذه الظاهرة بالاضافة إلى استخدام شبكات انتاج مرنة غير وضع الرأسمالية كما وضع ضغوطا على الديمقراطية، فبالنسبة للحكومات الوطنية هناك وجهان للتطبيقات الرئيسية للعولمة وحليفتها النظام الرأسمالي وهي: 1 ـ عززت كثيرا من حركة انتقال رأس المال نتيجة تعزيز القدرة على انتقال المعرفة والمعلومات عبر الحدود. 2 ـ بروز الحاجة إلى شراكة أكثر تعاونا وأقل صداما بين الحكومة والقطاع الخاص. وتشير حقيقة الوضع العالمي الحالي إلى ان الرخاء الاقتصادي لأي بلد أصبح يتحدد بدرجة أقل بالمصادر الطبيعية وأكثر بما يملكه من الخزين من المعلومات التكنولوجية ومهارة وخبرة أفراده وقدرة مؤسساته الخاصة والعامة في ادارة موجوداته وان الابعاد السياسية للدول والاقاليم قد تم اعادة رسمها بأهمية قوى التكافل الاقتصادي من جهة وتفكيك القوى الأيديلوجية والعرقية من جهة ثانية. إن الضغوط المشتركة التي تخلقها حرية التنقل لرأس المال والتقدم التكنولوجي وحدة منافسة السوق تمثل قوة لا يمكن الوقوف بوجهها طويلا وخارج طاقة صانعي أو متخذي القرارات الاقتصادية على المستوى الوطني. وفي هذا الصدد تعتبر العولمة مؤشرا على انفتاح أكبر وارتباط أكثر وضوحا بين المعاملات المحلية والاجنبية. وبغض النظر عن الخلاف ما اذا كانت العولمة تؤدي الى الأزمات الاقتصادية أم الى النمو الاقتصادي والتقارب أو العدالة بين الدول فهناك اتفاق بأن العولمة تقلص كثيرا من دور الدولة في ادارة الاقتصاد المحلي. إن الدول النامية ومنها دول مجلس التعاون تدرك المشاكل المتعلقة بالمنافسة في أسواق الدول المتقدمة وكذلك المنافسة في ظل الغاء معونات الدعم لبعض القطاعات الاقتصادية رغم قناعتها نظريا بأن تحرير التجارة سيسهم في تحقيق زيادة كبيرة في الناتج العالمي، ورغم ذلك فقد انضم عدد من هذه الدول الى منظمة التجارة العالمية وبالتالي أصبحت ضمن النظام الاقتصادي الجديد. لقد برزت المخاوف والشكوك حول آثار تحرير التجارة الدولية من قبل الدول النامية وانحصرت في الحقيقة في الفجوة الكبيرة بين مستويات الانتاجية بين هذه الدول والدول المتقدمة ومؤشرات حول امكانية تزايد مثل هذه الفجوة لأسباب عديدة منها العولمة المؤثرة في عملية التنمية داخليا وخارجيا ومحاولة المنافسة بين هذه الدول نفسها. إن الدول النامية تعاني بشكل عام من عدم الوضوح في رؤيتها لموضوع الاندماج بالاقتصاد العالمي وما يمكن ان يقدم لنموها الاقتصادي في المدى الطويل كما انها تعتبر هذا الاندماج غاية وليست وسيلة لتحقيق المزيد من التنمية الاقتصادية المستدامة وهذا ما يعمل على ارهاق متخذي القرار بمجموعة ثقيلة من القرارات. فالعديد من الدول التي حققت نموا اقتصاديا متواصلا في العقدين الماضيين ليست هي بالضرورة من عمل على ادماج اقتصادياته بالاقتصاد العالمي من خلال الغاء أو تخفيض التعريفة الجمركية أو قامت بالغاء القيود على حركة رأس المال ولكنها الدول التي عملت على الاهتمام بزيادة حصة الاستثمار في مجموع الدخل القومي وحافظت على استقرار سياسات اقتصادية كلية. لقد ثبت من الناحية العملية ان العلاقة بين الانفتاح والنمو الاقتصادي ضعيفة اضافة الى كون الانفتاح سياسة معاصرة وجديدة على مجموعة كبيرة من الدول النامية وتكمن فوائده في جانب الاستيرادات حيث القدرة لدى المستثمرين على استيراد السلع الانتاجية والوسيطة من الدول المتقدمة والتي لها تأثير مباشر على النمو الاقتصادي والذي يتطلب بدوره توفير المناخ الملائم لتشجيع الاستثمارات الخاصة وتبني سياسات استثمارية واضحة ومشجعة تعمل على تحسين أداء كافة مؤسسات الدولة لضمان الحرية السياسية والحريات المدنية والشراكة الاجتماعية والتأمين الاجتماعي حيث من دونها لا تحقق سياسة تحرير القطاع الخارجي الكثير لهذه الدول بل العكس قد تصبح مصدرا لعدم الاستقرار وتوسيع الفجوة في توزيع الدخل وخلق الصدامات الاجتماعية. إن المخاوف تتجدد دائما بأن يصبح الاندماج الاقتصادي هدفا من أهداف السياسة الاقتصادية وليس الأداة المطلوبة لتحقيق أهداف حقيقية تتمثل بالنمو الاقتصادي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. إن فشل العديد من الدول النامية في الاندماج بالاقتصاد العالمي في الحقيقة يعود الى ان هذه الدول كانت تسعى الى زيادة الصادرات مع الابقاء على سعر صرف حقيقي مبالغ فيه لان ارتفاع سعر الصرف الحقيقي لا يؤثر فقط على مقدار الطلب على الصادرات وبالتالي خروجها من السوق ولكنه يؤثر ايضا على جانب العرض لانه يحول الموارد من قطاع السلع القابلة للتصدير الى سلع غير قابلة للتصدير بسبب ارتفاع أسعارها اضافة الى ان ارتفاع سعر الصرف الحقيقي يؤدي الى تقليص الاستثمار في القطاعات الموجهة للتصدير. وهناك ايضا المشكلة المتعلقة بكثافة الاعتماد على التدفقات المالية سواء كانت بشكل استثمارات خاصة أو تدفق مساعدات من دول أخرى، إذ يجب إدارة ذلك بكفاءة عالية والحذر من انفاقها أو توجيهها لتمويل الانفاق العام والذي يوجه الى القطاعات غير القابلة للتجارة. إن عولمة الانتاج وتحرير التجارة في الحقيقة يقدمان فرصا لكل الدول لأداء دور فعال في الاقتصاد العالمي ولكنها في نفس الوقت تزيد من التعقيدات والتحديات الناتجة عن تكثيف الاعتماد المتبادل وزيادة مخاطر عدم الاستقرار. لقد فتح التقدم التكنولوجي وزيادة قدرة عوامل الانتاج على الانتقال واتفاقات التجارة الاقليمية والدولية الفرصة لامكانية تحقيق زيادة كبيرة في الانتاجية وخلق الثروة وهو ما استفادت منه لحد الآن الدول المتقدمة بينما بقيت معظم الدول النامية خارج هذا الاطار مما ألقى مسئولية كبيرة على عاتق المجتمع الدولي بالاضافة الى مسئولية الدول النامية نفسها في مهمة مساعدة هذه الدول للاستفادة من عملية تحرير التجارة الدولية وفرص العولمة. بشكل عام فإن هذه الدول تبحث عن طريقة للاندماج بالاقتصاد العالمي حيث تختلف متطلبات هذا الاندماج من دولة الى اخرى بل من مجموعة دول الى مجموعة اخرى وذلك بحسب درجة تقدمها الاقتصادي والاجتماعي اضافة لمفهومها للعولمة وتوقعاتها من عوائد أو مكاسب هذه الظاهرة. ويبرز الخلاف بين الدول المتقدمة والدول النامية في مجال الاندماج بالاقتصاد العالمي الى عدم الوعي لدى هذه الدول لظاهرة العولمة ولذلك تعمل على تجاهلها ومهاجمتها باعتبارها نموذجا جديدا من نماذج الهيمنة الرأسمالية التي تحاول فرض سيطرتها في صورة جديدة بينما تنظر الدول المتقدمة إلى هذه الظاهرة على أساس انها موجودة بالفعل وانها آخذة بالتطور وانها تحس بآثارها في كافة المجالات. حيث من الملاحظ ان هذه الدول حققت الاندماج بالاقتصاد العالمي بشكل تدريجي ومدروس وبمساعدة المؤسسات الدولية التي أوجدتها مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية واستطاعت ان تحقق من خلالها معدلات عالية من النمو الاقتصادي ومستويات معيشية عالية بينما فوجئت الدول النامية بوجود العولمة كظاهرة اقتصادية وهي في أوج صراعها من أجل تحقيق تنمية اقتصادية مما عرض الكثير من أولويات سياساتها الاقتصادية لمزيد من البلبلة بحيث أصبح معظم هذه الدول لا يعتبر الاندماج في الاقتصاد العالمي وسيلة لتحقيق أهدافه في التنمية وانما هدفا يسعى لتحقيقه بسياسات انفرادية تركز على بعض جوانب تحرير التجارة الخارجية. وحتى في جوانب ظاهرة العولمة الفكرية والعقائدية فان الدول المتقدمة اندمجت فيها على مراحل وهي تعتبرها نتيجة حتمية لتطورها العلمي والتكنولوجي اضافة الى التطور السياسي والاجتماعي وتبنت السياسات التي استوعبت هذه التطورات بينما اختلفت الدول النامية حتى فيما بينها في هذا الجانب، فهي كانت تحاول الاندماج بمظاهر الحياة الغربية دون الخوف من الآثار الاجتماعية والفكرية للعولمة التي استغلت هذه الفرصة بالتأثير من خلال وسائل الاعلام المتقدمة على هذه المجتمعات وخصوصا المجتمعات ذات الموروث الراسخ من المعتقدات والتقاليد الاجتماعية. لقد أثبت تقييم عدد من الخطط الناجحة لاندماج بعض الدول في الاقتصاد العالمي بأنها لم تقتصر على خطط تحرير التجارة الخارجية التي طبقتها وذلك بالغاء السياسات المعيقة للتصدير ولكنها شملت أيضا تخفيض مستوى التدخل الحكومي حيث وجد ان سياسات الاقتصاد الكلي والسيطرة على التضخم كانت عوامل أساسية لنجاح اصلاح قطاع التجارة الخارجية اضافة الى ان أكثر هذه الدول نجاحا كانت تلك التي سعت أولا في مجال الاصلاح الى تحويل كل القيود الكمية على التجارة الخارجية الى قيود غير كمية أي تعريفات جمركية ثم بدأت بالتدريج بتخفيض هذه التعريفات ومن ثم توحيدها. كما نجحت في زيادة الصادرات وتحفيزها من خلال اجراء تخفيض حقيقي على سعر الصرف وتحرير الاستيرادات بدلا من اعطاء حوافز مباشرة للتصدير. في الحقيقة هناك اتفاق عام بأن نجاح برامج اصلاح التجارة الخارجية يظل محدودا ما لم يتم التخلص من كل العوامل الداخلية المشوهة للأداء الاقتصادي وان تحقيق اندماج متوازن في الاقتصاد العالمي لا يتحقق إلا من خلال ضمان نمو حقيقي في الصادرات ومن خلال مجموعة من السياسات الاقتصادية الداخلية والخارجية التي تشجع الاستثمار