غالبا ما يتم تسويق الاتفاقيات التجارية التي تهدف إلى تحرير التبادل التجاري بين الشمال والجنوب على أساس الفائدة والمصلحة، التي ستحققها هذه الاتفاقيات لمعظم الدول وخاصة النامية منها وذلك تأسيسا على ما يدعيه كثير من الزعماء السياسيين والمؤسسات المالية الدولية وكذلك المجموعات الدولية الداعمة لتحرير التجارة الدولية من ان على الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية التزاما دوليا بتحرير التجارة الدولية إذا ما هي أرادت أن تساعد الدول الفقيرة على النمو والتقدم. ومن جانبي أعتقد ان هذه المقولة مبالغ في حصتها وهو ما يمكن أن يستشف من خلال القراءات المختلفة لأدبيات الداعين والمنظرين لتحرير التجارة الدولية، ذلك لان هذا التوجه قد أغفل جانبا مهما من هذا الموضوع المثير للجدل ألا وهو التكلفة المصاحبة لعملية تحرير التجارة ولاستحقاقات الاتفاقيات الساعية لتحقيق ذلك مثل الاتفاقية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية، وعند تقدير الفوائد والتكاليف المقترنة بتنفيذ مثل هذه الاتفاقيات فانه من الصعب على أي باحث أو خبير اقتصادي القول بأن الدول النامية كمجموعة قد حققت فائدة تفوق التكلفة التي تحملتها في سبيل تحرير تجارتها الخارجية. ففيما يتعلق بالفائدة التي ستعود على الدول النامية من امكانية دخول سلعها إلى أسواق الدول المتقدمة نستطيع القول بأن ازالة جميع القيود القانونية والجمركية والفنية من قبل الدول الغربية أمام صادرات الدول النامية والتي تمثل المنتجات الزراعية والمنسوجات السواد الأعظم منها سيؤدي الى زيادة ضئيلة جدا في دخل الدول المصدرة حيث قدرت دراسة للبنك الدولي هذه الزيادة على الناتج القومي الاجمالي للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط وذلك في حالة الرفع الكامل لجميع القيود والمتوقع ان يتم بحلول عام 2015 بحوالي ستة من عشرة في المئة أي ما يزيد قليلا على نصف في المئة، وهذا يعني ان متوسط دخل الفرد في الدول الأكثر فقرا كالدول الافريقية جنوبي الصحراء مثلا سيرتفع من 500 دولار في السنة (معدل خط الفقر في عام 2000) إلى 503 دولارات في عام 2015 أي بزيادة قدرها 3 دولارات وذلك دون حساب معدل التضخم الذي لن يقل بأي حال من الأحوال عن 3%. ان أكثر النماذج الاقتصادية انتشارا تبين ان معظم الدول النامية ستتضرر من تحرير أهم القطاعات الانتاجية لديها مثل قطاع الزراعة وقطاع صناعة المنسوجات وهذه النتيجة مرجعها لثلاثة أسباب: أولا: ان بعض الدول النامية ستتضرر من الغاء نظام الحصص المطبق من قبل الدول المتقدمة على منتجات النسيج الذي يسمح لها في الوقت الراهن بتصدير كمية معينة من هذه المنتجات وبسعر يفوق السعر التنافسي في السوق العالمية. ثانيا: ان تحرير التجارة سيؤدي الى تغيير السعر النسبي الدولي للعديد من السلع وستجد بعض الدول وبصفة خاصة الدول النامية التي تشكل السلع الأولية والمواد الخام أغلب صادراتها ان السعر النسبي لصادراتها قد انخفض في مقابل السعر النسبي لوارداتها التي تتكون في الغالب من سلع تامة الصنع ذات منشأ غربي وهو (the زterms-of-trade زeffectس) ما يعرف اصطلاحا في علم الاقتصاد بتأثير تغير شروط التجارة. ثالثا: ان بعض الدول النامية تستفيد حاليا من الحصول على الصادرات الزراعية الغربية وبأسعار منخفضة بسبب الدعم الذي تقدمه حكومات الدول الغربية لمزارعيها والذي سيتم الغاؤه تماما بالتطبيق الكامل للاتفاقية المتعلقة بتحرير قطاع المنتجات الزراعية وصناعة المنسوجات وذلك بحلول عام 2015. في النماذج المثالية للتجارة الدولية التي تقوم بشكل أساسي على التحرير الكامل لجميع القطاعات الاقتصادية فإن مكاسب الدول النامية من ازالة حواجزها التجارية قد تفوق مكاسبها من فتح الاسواق الغربية لصادراتها، ولكن وفي الوقت ذاته تتحمل هذه الدول تكاليف باهظة جراء فتح أسواقها المحلية وهو ما تم اغفاله من قبل الكثيرين. حيث من المتوقع ان تواجه الدول النامية الكثير من المشاكل الاقتصادية نتيجة لازالة حواجزها التجارية وخاصة الحواجز الجمركية ففي العديد من الدول النامية تشكل العوائد الجمركية ما بين 10% و20% من الايرادات الحكومية العامة بل انه في بعض الدول الاقل نموا تكون مساهمة هذه العائدات أكبر من هذه النسبة بكثير، وفي حالة ازالة هذه الحواجز التي تشكل مصدرا رئيسيا للدخل الحكومي في الدول النامية فان حكومات هذه الدول ستضطر الى فرض ضرائب عالية جدا للمحافظة على توازن الموازنة العامة أو على الاقل الابقاء على مستويات العجز في الميزانية العامة ان وجد عند الحدود المقبولة والآمنة، وغالبا ما يتم تجاهل تأثير هذه الضرائب الاضافية والمشكلات المصاحبة لها والمتعلقة بأساليب تحصيلها في النماذج التجارية التي تبين فقط المكاسب من الغاء الحواجز الجمركية في الدول النامية. كما وان ازالة هذه الحواجز الجمركية عادة ما يؤدي الى زعزعة الاستقرار في القطاع الزراعي والقطاعات الاقتصادية المرتبطة به، حيث انه في معظم الدول النامية التي يعمل غالبية السكان في هذا القطاع قد ؤتدي ازالة الحواجز التجارية المفروضة على واردات المنتجات الزراعية الى فقدان الكثير من هؤلاء لوظائفهم نتيجة منافسة المنتجات الزراعية الاجنبية غير الخاضعة لأي رسوم وهو الامر الذي لا يتناوله أي نموذج تجاري إذ ان كل النماذج التجارية تقوم على افتراض اساسي وهو ان الفئات التي ستفقد وظائفها بسبب تحرير قطاع من القطاعات ستتمكن وفي وقت قصير من الحصول على فرص عمل في قطاعات اخرى وهو ما لا يحصل على ارض الواقع بهذه السهولة والسرعة حيث ان تحرير اي قطاع من القطاعات الانتاجية كثيرا ما يصاحبه ارتفاع ملحوظ في معدل البطالة مما يؤدي الى زيادة مستويات الخطورة لعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. بالاضافة الى ذلك يوجد ايضا نوعان آخران من التكلفة التي يجب ان تتحملها الدول النامية التي يتحتم عليها تحرير تجارتها الخارجية والتي يجب اخذها في الحسبان عند تقييم العائد من تحرير التجارة الدولية على الدول النامية: 1 ـ ان الاتفاقية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية والتي تتطلب من الدول النامية استحداث نظام او قانون لحماية براءات الاختراع وحقوق الطبع يشابه النظام المعمول به في الولايات المتحدة سوف يؤدي اذا ما تم اعماله في الدول النامية والدول الاقل نموا الى تحويل مليارات الدولارات من هذه الدول الى الدول الغنية التي تملكت شركاتها معظم هذه الاختراعات وذلك في شكل رسوم استغلال، بالاضافة الى ذلك فان هذه الرسوم سوف تشكل عبئا اضافيا على شركات الدول النامية مما سيؤثر على كفاءتها وتنافسيتها في السوق العالمي، وقد توقع البنك الدولي في دراسة حديثة له ان تفوق تكلفة تطبيق الاتفاقية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية في الدول النامية ما يمكن ان تجنيه هذه الدول من تحرير التجارة الدولية. 2 ـ نتيجة لحالة عدم الاستقرار التي تعانيها اسواق المال العالمية فقد اضطرت معظم الدول النامية الى زيادة احتياطياتها من العملات الاجنبية وذلك في شكل ودائع قصيرة الاجل تجني من ورائها الدول المودعة عوائد بسيطة نتيجة انخفاض الفائدة عليها، في حين انه يمكن استغلال هذه الاموال في تطوير البنى التحتية او استثمارها في تنمية الموارد البشرية للدول النامية والتي سيكون عائدها على المدى الطويل حتما أكبر، هذا يعني ان اضطرار الدول النامية لزيادة احتياطياتها من النقد الاجنبي نتيجة عدم استقرار اسواق المال العالمية وقبل ذلك تحرير التجارة العالمية سيجعل عملية تحرير التجارة العالمية اكثر كلفة واقل فائدة للدول النامية مما يروج له أنصار التجارة الحرة. يبين لنا هذا التحليل البسيط لتأثير تحرير التجارة الدولية على الدول النامية ان هذه الاخيرة قد تستفيد من عملية تحرير التجارة الدولية بالقدر الذي يمكن ان تستفيد من أي اجراء آخر كعملية اعادة هيكلة اسواق المال العالمية مثل التي يمكن من خلالها رفع درجة استقرارها، ولكن في رأيي يجب اعطاء التكلفة التي ستتحملها الدول النامية من جراء تحرير التجارة الدولية اهتمام أكبر من الذي تتمتع به في الوقت الحاضر وذلك للتأكد من ان كل خطوة في هذا المسار يمكن ان تعود بدرجة معقولة من الفائدة على مختلف الاطراف وان مصالح جميع الاطراف قد تم اخذها في الحسبان قبل اقرار أي اتفاقية جديدة تضيف المزيد من الالتزامات على الدول خاصة النامية منها. بالاضافة الى ذلك فان حساب الفائدة والتكلفة للخطوات القادمة على طريق تحرير التجارة الدولية يجب ان يكون على اسس اقتصادية سليمة وذلك للتأكد من ان هذه العملية تساعد على تحسين وضع الطبقة الفقيرة في الدول النامية والدول الاقل نموا اي في الدول الفقيرة والدول الاكثر فقرا، اذ ان ما تم نشره حتى الآن من ابحاث في هذا المجال يبين ان ما تم اقراره من اتفاقيات وسياسات تصب في اتجاه تحرير اكبر للتجارة الدولية ادى في الواقع الى المزيد من التردي في الوضع الاقتصادي للدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض