ان آثار وانعكاسات القروض الشخصية لا تنعكس سلباً على الفرد فحسب وانما تتجاوز تلك الآثار على الاسرة والمجتمع حيث تصاب الاسرة بتصدع حقيقي حينما تتفاقم مشكلة قروضها لدى المصارف، واذا كنا قد تناولنا في الحلقة الماضية اثر تلك القروض على الفرد فاننا هنا نتناول أثر تلك القروض على الاسرة والمجتمع حيث تصبح هذه الاسرة رهينة للديون والبنوك ومعرضة للتفكك والضياع.ـ بسبب تعرض الفرد (رب الاسرة) للمساءلة القانونية والسجن لسنوات فان الاسرة تتعرض لضغوط اجتماعية ونفسية، فالأبناء في مدارسهم سيعانون من نظرات زملائهم في المدرسة وكذلك حال الابناء الذين يدرسون في الجامعة، اما الزوجة وبسبب غياب زوجها لفترة طويلة فانها تتعرض لضغوط نفسية واجتماعية شديدة وبالتالي فان هذه الظروف قد تدفع افراد الاسرة (الزوجة والابناء) الى انحرافات سلوكية. ـ بسبب مديونية المصارف التي تطول لسنوات طويلة فان الاسرة سوف تتعرض لضغوط مادية شديدة حينما يذهب الجزء الأكبر من دخلها الشهري لسداد الاقساط الشهرية للبنك الدائن، ومع تزايد اعدادهم بسبب التوالد، أو مع زيادة متطلبات حياتهم فان الاسرة سوف تتحمل اعباء مادية صعبة يصبح رب الاسرة عاجزاً عن تلبية متطلبات اسرته وحتى سداد الاقساط الشهرية للبنك وبالتالي تعيش الاسرة حرماناً حقيقياً من احتياجات اساسية لأفرادها. ـ بسبب تفاقم مديونية رب الاسرة وتعرض أفراد هذه الاسرة لضغوط مادية واجتماعية ونفسية فان ظواهر اجتماعية تتسبب في انهيار الاسرة وتفككها فترتفع معدلات الطلاق في المجتمع، ولاسيما اذا كانت تلك المديونية بسبب مصاريف ونفقات الزواج المبالغ فيها، وتتفاقم مشاكل الابناء من تردي مستواهم التعليمي، أو حدوث انحرافات اجتماعية كتعاطي المخدرات والسرقة وغيرها. ـ ان تفاقم مشكلة المديونية وتبعياتها المتمثلة في تزايد اعداد الذين ترفع ضدهم قضايا في المحاكم، ثم أعداد المنحرفين في المجتمع، ثم أعداد المسجونين في سجون الدولة تؤدي كل هذه الظواهر الى تحمل مؤسسات الدولة الاصلاحية والعقابية والقضائية والأمنية اعباء مالية وإدارة كبيرة علاوة على ان تلك الظواهر تتسبب في صداع مزمن لتلك المؤسسات، ويكفي ان نشير الى ان الدولة تتحمل تكاليف اقامة مسجونين بتجاوز عددهم عن 6000 شخص لتبلغ سبعين مليون درهم سنوياً. ـ حينما يتعرض عدد كبير من أفراد المجتمع تصل نسبتهم 90% لضغوط نفسية واجتماعية بسبب مديونيتهم للمصارف التجارية فانهم يخسرون انفسهم خاصة حينما يتعرضون لأمراض صحية كالسكري والضغط والسكتة القلبية والجلطة الدماغية، ثم ان المجتمع يخسرهم حينما يتعرضون للسجن فيفقد خدمتهم ويتعرض المجتمع مباشرة لسمعة غير مريحة وتتزايد مشاكل المجتمع حينما يصبح أفراده مدمنين للقروض الشخصية الاستهلاكية فيما المصارف التجارية تتحول لسجان لأفراده. أثر القروض الشخصية على صعيد المجتمع الاقتصادي لا تقتصر تداعيات وانعكاسات القروض الشخصية على الفرد والأسرة والمجتمع فحسب بل لها انعكاسات خطيرة على المجتمع الاقتصادي تتجسد فيما يلي: ـ حينما تتفشى النزعة الاستهلاكية في المجتمع وحينما يلجأ الافراد الى الاقتراض من المصارف وبالتالي يصبحون مدينين لها وحينما يتحول الجزء الأكبر من دخلهم الشهري لسداد القروض الشخصية فان ادخاراتهم تتقلص أو تتآكل وبالتالي لن تكون هناك استثمارات وطنية خاصة حيث ان معظم أفراد المجتمع مدينون للمصارف بسبب قروضهم الاستهلاكية. ـ من الطبيعي ان يتعرض المجتمع الاقتصادي عامة والقطاع المصرفي خاصة بسبب تفاقم مشكلة الديون الشخصية لسمعة غير مناسبة وبالتالي تهتز ثقة المتعاملين مع هذا المجتمع أو القطاع من شركات ومؤسسات اجنبية خارجية وكذلك دول ومنظمات اقتصادية عالمية. ـ ان تفشي ظاهرة الافلاس والاعسار لدى شريحة كبرى من أفراد المجتمع هم المدينون للمصارف ثم تفاقم مشكلة الشيكات المرتجعة ثم تزايد القروض الهالكة أو المتعثرة في المجتمع المصرفي انما يؤدي كل هذا الى سمعة مصرفية غير مريحة أو مشجعة للتعامل المصرفي في هذا المجتمع الاقتصادي خاصة حينما يصبح الشغل الشاغل لدى ادارات المصارف العاملة في الدولة هو تحصيل الديون الهالكة وتضطر هذه المصارف لوضع مخصصات مالية لتغطية هذه الديون التي تؤثر على مركزها المالي وأرباحها السنوية فيما تتسبب تلك الظواهر في عدم استعداد المصارف الدولية للتعامل مع القطاع المصرفي في الامارات. ـ حينما يتحول جزء كبير من سيولة المصارف التجارية «رؤوس أموالها وودائع الغير لديها» الى قروض شخصية فان المجتمع الاقتصادي سوف يخسر الدور الحقيقي للمصارف في احداث تنمية اقتصادية ودعم المشاريع الانتاجية والاستثمارية في الدولة حيث يتحول الائتمان المصرفي الى قروض شخصية واستهلاكية. ـ حينما تتفاقم ظاهرة القروض الشخصية وتتزايد أعداد المعسرين أو غير القادرين على السداد فانه من الطبيعي ان يؤدي هذا الى ارتفاع معدلات الجريمة الاقتصادية في المجتمع الاقتصادي سواء تلك المتمثلة في جرائم النصب والاحتيال والتي تقوم بها شريحة من أفراد المجتمع، أو جرائم السرقة وهدم واتلاف أموال الغير، أو إصدار شيكات بدون رصيد، أو حتى الفساد الاداري والمالي في مؤسسات الدولة الخاصة والعامة على السواء، وتشير احصائيات الأمن في الدولة الى ان جرائم الشيكات المرتجعة أو بدون رصيد تشكل ما نسبته 95% من الجرائم الاقتصادية في الدولة الأمر الذي شكل صداعاً مزمناً وحقيقياً للمجتمع الاقتصادي سواء لمصدري الشيكات أو المستفيدين منها فضلاً عن الجهات الامنية والقضائية في الدولة. لقد أكد اللواء ضاحي خلفان تميم في تصريحات صحفية في يناير من هذا العام الى ان ظاهرة الشيكات المرتجعة قد سجلت ارتفاعاً بلغ في أكتوبر العام 2001 نحو 23 الف شيك مقابل 19.8 الف شيك عام 2000، ونحو 19.3 الف شيك عام 1999 وبلغ حجم المبالغ المترتبة على هذه الظاهرة حتى أكتوبر 2001 نحو 880 مليوناً و80 ألف درهم مقابل 653.8 مليوناً في عام 2000، ونحو 570.3 مليوناً عام 1999 وهذا الامر من شأنه ان يؤثر سلباً على الأمن الاقتصادي والتجاري عامة وسمعة القطاع المصرفي في الدولة خاصة. من ناحية اخرى تؤكد وزارة الداخلية في مطلع عام 2001 هى ان جرائم الاموال في تصاعد مستمر من عام لآخر حيث يتضح من البيانات المتوفرة لديها على ان ما تم حصره خلال أحد عشر شهراً من عام 2001 يزيد عن مجموع قضايا السنة السابقة بحوالي 300 قضية اذ ان مجموع الجرائم المالية في ذلك العام بلغ 37623 قضية ارتفع في عام 2001 ليصل الى 37920 قضية كما زادت جرائم تحرير الشيكات بدون رصيد بأكثر من 500 قضية عن العام 2001. ـ تعتبر القروض الشخصية الاستهلاكية بعد ان تفاقمت وتجاوزت حدودها الطبيعية ظاهرة سلبية على المجتمع الاقتصادي حيث عزز النزعة الاستهلاكية في المجتمع الاقتصادي على حساب الجانب الانتاجي في المجتمع، خاصة وان غالبية السلع المستهلكة في المجتمع هي سلع وبضائع اجنبية اذ ينعكس هذا على الطلب على السلع الاجنبية، ثم على الميزان التجاري حيث يميل نحو الاستيراد وكذلك يزيد من تفاقم العجز في ميزان المدفوعات. كما ان استشراء النزعة الاستهلاكية في المجتمع يفاقم من تدفق السيولة النقدية من السوق النقدية المحلية الى الأسواق العالمية، ثم يؤثر ذلك ايضاً على احتياطيات الدولة من العملة الاجنبية حيث تدفع مشترياتها من رصيدها من العملة الاجنبية، كذلك فان استشراء النزعة الاستهلاكية وبالتالي تزايد القروض الاستهلاكية تدفع بمؤسساتنا الخاصة العاملة في المجتمع الاقتصادي والتجاري الى التحول الى مؤسسات مستوردة لسلع استهلاكية بدلاً من ان تتحول الى مؤسسات انتاجية تحقق الاستقرار الاقتصادي وتساهم بدورها التنموي