يعد مستوى النشاط والتطور في قطاع المؤسسات المالية، المرآة التي تعكس الصورة الحقيقية للاوضاع الاقتصادية في أي دولة، حيث تؤثر هذه الاوضاع بشكل مباشر سلباً أو ايجاباً في هذا القطاع وفقاً لدرجة الانتعاش أو التراجع الاقتصادي، ويكون هذا التأثير بأسلوب تبادلي، فمن خلال نهوض القطاع المالي وتطوره يتطور الاقتصاد الوطني بشكل عام، والعكس صحيح. خلال العقد الماضي شهد قطاع المؤسسات المالية الاماراتي نهضة كبيرة وسجل معدلات نمو غير مسبوقة في زمن قياسي، واستطاع ان يحدث توازناً اقتصادياً ويسهم في تحريك عجلة التنمية بثقة واقتدار، بخاصة في السنوات التي كانت تتعرض لها الايرادات النفطية للتراجع بسبب انخفاض أسعار النفط عالمياً، فكان قطاع المؤسسات المالية يقوم بدور الشريان الذي يبقي على النبض الاقتصادي ويمد الانشطة المختلفة بالسيولة لحين عودة تدفق الايرادات النفطية الى معدلاتها الطبيعية. ومع استقبال القرن الـ «21» تمكنت الدولة بفضل جهازها المالي والمصرفي المتميز بالنضوج والمستوى المتطور، تمكنت من أن تصبح مركزاً مالياً رئيسياً على المستويين الاقليمي والعالمي، وذلك بفضل السياسات النقدية والمالية الهادفة الى تحقيق الاستقرار والنمو المتوازن في القطاعات الاقتصادية كافة، وكان قطاع المؤسسات المالية هو الركيزة القوية لتنفيذ هذه السياسات من خلال قيامه بدور ريادي في عملية التنمية من خلال ضخ السيولة النقدية لتمويل المشروع وبتنويع أدواته الاستثمارية والتمويلية بما يتناسب مع الاوضاع الاقتصادية الداخلية والخارجية. يؤكد تقرير لوزارة التخطيط حول التطورات النقدية والمالية في الدولة خلال السنوات الأخيرة نشر في العدد الأخير من مجلة «الأعمال في دبي» التي تصدر عن غرفة دبي، على ان هيكل المؤسسات المالية والنقدية في الامارات قد شهد تطورات ملموسة، مشيراً الى انه اضافة للمصرف المركزي، أصبح هيكل المؤسسات المالية والنقدية يتألف من المؤسسات النقدية المختصة بالاقراض، وتتكون من 46 مصرفاً تجارياً منها 20 مصرفاً محلياً و26 مصرفاً اجنبياً بلغ عدد فروعها في نهاية العام 2001 حوالي 433 فرعاً ومكتباً للصرافة، مقابل 360 فرعاً ومكتباً للصرافة في العام 1995. اضافة الى المؤسسات المالية غير النقدية التي تشمل بنك الامارات العربية المتحدة للتنمية الذي يقدم قروضاً عقارية وزراعية وصناعية بشروط سهلة، والمصرف الصناعي الذي يختص بتمويل واعداد دراسات الجدوى للمشروعات الصناعية وصندوق ابوظبي للتنمية الذي يقوم بتقديم المساعدات للدول النامية وجهاز ابوظبي للاستثمار الذي يقوم برسم السياسة الاستثمارية لامارة ابوظبي، فضلاً عن خمس شركات استثمارية مالية وسماسرة النقد الاجنبي والاوراق المالية وبيوت الخصم الاجنبية التي يضاف اليها 198 مكتب صيرفة موزعة في انحاء الدولة كافة وشركات التأمين التي تقدم المؤسسات المالية غير النقدية والتي تطور عددها من 201 منشأة تأمين في العام 1995 الى 313 منشأة في العام 1999. أحداث مهمة ويشير التقرير الى ان فترة التسعينيات قد اتسمت بأحداث مهمة كان لها اثر كبير في تطور الاوضاع الاقتصادية العالمية، الأمر الذي انعكس على التطورات النقدية والمصرفية في الدولة، وكان لدور السياسات المالية والنقدية الاثر البالغ في امتصاص الانعكاسات المترتبة على مجمل الاوضاع المصرفية والنقدية العالمية وتصحيح مسار الاوضاع الاقتصادية للدولة، موضحاً ان السيولة المحلية الخاصة والاجمالية واكبت تطور النشاط الاقتصادي في الدولة في النصف الثاني من العقد الماضي، وعلى الرغم من تذبذب أسعار النفط الخام وانعكاساتها على النشاط الاقتصادي في الدولة خلال هذه السنوات، الا ان السياسات المالية والنقدية قد لعبت دوراً مهماً في الحفاظ على وتيرة النمو في حجم السيولة بشقيها الخاص والاجمالي، فتراوحت معدلات الزيادة السنوية في السيولة المحلية الخاصة بين 4.2% في العام 1998. و15.3% في العام 2000. وكانت التغيرات في الائتمان المحلي للقطاع الخاص خلال السنوات الخمس (1995 ـ 2000) أكبر من التغيرات في المعروض النقدي، الامر الذي يظهر استمرار الاتجاه التضخمي الذي كان سائداً قبل هذه الفترة، في حين سجل حجم الائتمان المصرفي الممنوح من قبل المصارف التجارية خلال النصف الثاني من العقد الماضي زيادات مطردة وبلغ معدل النمو في اجمالي الائتمان المصرفي حوالي 8.8% سنوياً، حيث ارتفع من 102 مليار درهم في العام 1995 الى حوالي 155.2 مليار درهم في العام 2000، وتشكل القروض للقطاع الخاص الحجم الأكبر من اجمالي حجم الائتمان بواقع حوالي 76% من اجمالي حجم الائتمان الممنوح من قبل المصارف التجارية في العام 2000 مقابل 70% في العام 1995، فيما بلغت قروض الحكومة في العام 2000 حوالي 12.6 مليار درهم تشكل حوالي 8.1% من الاجمالي حجم الائتمان مقارنة بحوالي 12.8 مليار درهم في العام 1995 بنسبة 12.5%، وتركز الائتمان في القروض والسلفيات والسحب على المكشوف، حيث توجه الجزء الأكبر من هذا الائتمان الى المؤسسات الصناعية والتجارية خلال الفترة بكاملها. ويظهر تقرير وزارة التخطيط ان معظم القطاعات الاقتصادية شهد نمواً في حجم الائتمان الممنوح له خلال الفترة من 1995 حتى 2000، وتأتي انشطة التجارة والتشييد والقروض الشخصية في مقدمة الانشطة الاقتصادية من حيث حجم الائتمان الممنوح لها، واستحوذت على الجزء الأكبر من حجم الائتمان كما زادت الاهمية النسبية لقطاعات الزراعة والقروض الشخصية بالنسبة لحجم الائتمان الممنوح لها في العام 2000 عما كانت عليه في السنوات السابقة، وكان معدل النمو السنوي خلال هذه الفترة في قطاع الزراعة 33.9% حيث ارتفع حجم الائتمان الممنوح للقطاع من 380 مليون درهم في العام 1995 الى 1.64 مليار درهم في العام 2000، وارتفعت كذلك حصة القروض الشخصية من اجمالي حجم الائتمان المصرفي من 16.8% الى 23% من 15.3 مليار درهم في العام 1995 الى حوالي 31.8 مليار درهم في العام 2000، بمعدل نمو سنوي بلغ 15.7%، ما يشكل ظاهرة غير ايجابية بالنسبة للافراد وبالنسبة لتوزيعات حجم الائتمان المصرفي. ويوضح انه على الرغم من نمو حجم الائتمان الممنوح لقطاع التشييد والتجارة بمعدلات بلغت 7.3% للأول و6.7% للثاني، الا ان الاهمية النسبية للقطاعين انخفضت من 16.6% لقطاع التشييد في العام 1995 الى 15.7% في العام 2000، ومن 33.2% لقطاع التجارة الى 30.4%، الا ان التقرير يشير الى ان من المظاهر الايجابية ارتفاع حجم الائتمان المصرفي الممنوح لقطاع الصناعة من 5.6 مليارات درهم الى 9.7 مليارات درهم خلال الفترة عينها، بمعدل نمو سنوي بلغ حوالي 11.4%. الودائع وبالنسبة لحجم الودائع المصرفية خلال الفترة من 1995 حتى العام 2000، يشير التقرير الى انه شهد زيادة مستمرة على الرغم من انعكاسات تذبذب اسعار النفط بحدة خلال تلك الفترة، بخاصة في العام 1998، حيث ارتفع حجم الودائع لدى الجهاز المصرفي من 90.2 مليار درهم في العام 1995 الى 135.4 مليار درهم في العام 2000، بمعدل نمو سنوي بلغ حوالي 8.5%، موضحاً ان حجم الودائع المصرفية حسب النوع أخذ منحى ايجابياً، ما عدا الودائع الحكومية التي انخفضت خلال تلك الفترة من 15.2 مليار درهم في العام 1995 الى 11.7 مليار درهم في العام 1999، قبل ان ترتفع مجدداً في العام 2000 لتبلغ 18.4 مليار درهم بمعدل نمو سنوي لتلك الفترة يقدر بحوالي 4%، ما يعكس السياسات المالية الهادفة الى تحقيق الاستقرار في القطاع المصرفي بما يحافظ على دوره في النشاط الاقتصادي في الدولة. التأمين ويعد التأمين من الانشطة الاقتصادية المهمة التي تلعب دوراً اساسياً في الحركة الاقتصادية، ويعد عنصراً مكملاً للانشطة الاخرى في الدولة حيث يشير التقرير الى ان عدد الشركات العاملة في نشاط التأمين في الامارات ارتفع من 201 منشأة في العام 1995 الى 313 منشأة في العام 1999، تمارس أعمال وخدمات التأمين كافة، حيث ارتفع عدد منشات التأمين الوطنية من 119 منشأة الى 184 منشأة خلال تلك الفترة، تمارس نشاطاتها من خلال فروعها المنتشرة في انحاء الدولة كافة، فيما تطور حجم الاعمال في سوق التأمين في الدولة من خلال تطور حجم الاقساط المقبوضة لفروع التأمين كافة، التي ارتفعت من حوالي 2.3 مليار درهم في العام 1995 الى 2.8 مليار درهم في العام 1999، بمعدل نمو سنوي بلغ حوالي 5.4% بما يتوافق مع معدلات النمو في مجمل النشاط الاقتصادي في الدولة. وبلغت الاقساط المقبوضة لشركات التأمين وخدمات التأمين الوطنية في العام 1999 حوالي 1.9 مليون درهم بنسبة 65.5% من اجمالي الاقساط المقبوضة مقابل 1.6 مليار درهم في العام 1995 بنسبة 70.4% من حجم الاقساط المقبوضة، بينما بلغت حصة الشركات الاخرى 981 مليون درهم بنسبة 34.5% من الاجمالي مقابل 682 مليون درهم بنسبة 29.6% من الاجمالي، ويرجع التقرير السبب وراء ارتفاع نسبته اسهام الشركات الوطنية في اعمال التأمين الى بعض الاجراءات الحكومية الرامية الى تشجيع الشركات الوطنية وتدعيم مراكزها في السوق المحلية،