حذرت امانة الأونكتاد من ان احتدام الازمة في الاراضي الفلسطينية المحتلة قد يؤدي الى استنزاف مكاسب الجهود الانمائية ووضع الاقتصاد الفلسطيني على مسار «نكوص التنمية»، جاء ذلك في تقرير الامانة السنوي حول المساعدة المقدمة من الأونكتاد، الى الشعب الفلسطيني (TD/B/49/9) الذي ستتم مناقشته خلال اجتماع مجلس التجارة والتنمية المزمع عقده في جنيف خلال الفترة من 7 ـ 18 أكتوبر المقبل. ووفقاً للتقرير، فقد أدى تشديد القيود المفروضة على التنقل في الاراضي الفلسطينية منذ ابريل 2002 الى خلق وضع مماثل لذلك السائد في «حالات الطواريء الانسانية المعقدة»، ففي هذه الوضعية تكون حالة الضعف وسرعة التأثر بالصدمات الخارجية حادة وتشتد الوطأة على القدرة الانتاجية والبنى التحتية المؤسسية وعلى الاقتصاد ككل. بسبب هذا الوضع الصعب، فقد أجبرت السلطة الفلسطينية على الاعتماد الشديد على معونات المانحين لتغطية النفقات المصاحبة للأنشطة الطارئة والاساسية وتحويل اهتمامها بعيداً عن أهداف تحقيق التنمية الاقتصادية، الأمر الذي زاد من أهمية تعزيز الجهود الانمائية ووضع الاستراتيجيات والسياسات الاقتصادية اللازمة لانعاش الاقتصاد الفلسطيني ووضعه على مسار التنمية المستدامة. ولا يزال هذا الهدف صعب المنال كونه مناطاً بتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. اقتصاد على حافة الانهيار بناء على أكثر التقديرات تحفظاً، فقد شكلت الخسائر التي لحقت بالاقتصاد الفلسطيني خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر 2000 ومارس 2002 ما نسبته 40% من الدخل القومي الاجمالي لعام 1999. اذ انخفض الدخل القومي الاجمالي الفلسطيني من 5500 مليون دولار عام 1999 الى 4200 مليون دولار بحلول عام 2001، فيما تراجع نصيب الفرد من الدخل القومي الاجمالي بما نسبته 12% خلال عام 2000 وبنسبة بلغت 19% في عام 2001، ووفقاً لأحدث التقديرات فقد بلغت الخسائر اليومية التي تكبدها الاقتصاد الفلسطيني خلال الربع الثاني من عام 2002 جراء تراجع الدخل القومي الاجمالي حوالي 7600 مليون دولار بالمتوسط، ليصل اجمالي هذه الخسائر منذ عام 2000 الى 3300 مليون دولار بحلول يوليو 2002. وقد ترتب عن ذلك زج قرابة نصف الشعب الفلسطيني للعيش دون حد الفقر المقدر بحلول نهاية مارس 2002 ثم الى 34% بحلول يوليو 2002. وبذلك أصبح ما يزيد عن 200 ألف فلسطيني عاطلين عن العمل، ويرتفع هذا العدد الى حوالي 600 ألف عامل خلال الفترات التي تخضع فيها الأراضي الفلسطينية لحظر التجول. ويعزى هذا التراجع بشكل اساسي الى تكرار عمليات الاغلاق في الاراضي الفلسطينية واغلاق الحدود والتي أصبحت أشد وطأة منذ ابريل 2002. وقد أدى ذلك الى تراجع الانشطة الانتاجية في قطاعات الصناعة التحويلية والبناء والتجارة والخدمات العامة والخاصة، الى جانب عرقلة التجارة الخارجية، الأمر الذي أدى الى تراجع الناتج المحلي الاجمالي بنسبة بلغت نحو 75% خلال شهر ابريل 2002 فقط، يضاف الى هذه الخسائر المباشرة، الاضرار التي لحقت بالمرافق العامة والبنى التحتية والممتلكات العامة والخاصة خلال اكتوبر 2001 وابريل 2002، والتي تقدر بحوالي 665 مليون دولار. دورة نكوص في التنمية ويستعرض التقرير التغيرات العميقة التي طرأت على هيكلية وأداء الاقتصاد الفلسطيني، والتي من غير المحتمل ان تتبدل بسهولة فور تحقيق الاستقرار بصفة خاصة، فقد استنفدت القوة الشرائية للاقتصاد في ضوء استنزاف الاستراتيجيات المختلفة التي تبنتها الاسر الفلسطينية للتكيف مع انخفاض مستويات الدخل. وقد ترتب عن ذلك تزايد اعتماد هذه الاسر على دعم الاغاثة الطاريء لتلبية احتياجاتها الاساسية وتوسع الاقتصاد غير النظامي، حيث لجأت الأسر المعوزة الى مزاولة انشطة هامشية للمحافظة على معيشة الكفاف. أما مؤسسات الاعمال الفلسطينية، فقد لجأ بعضها الى خفض مستوى الانتاج لتأمين استمرار انشطتها، فيما اضطرت مؤسسات اخرى الى التوقف عن العمل تماماً. وتواجه السلطة الفلسطينية حالة افلاس، حيث أصبحت تعتمدعلى معونات الدول المانحة لتغطية نفقاتها فيما ارتفع عجز الميزانية من 19 مليون دولار في سبتمبر 2000 الى 73 مليون دولار ديسمبر 2001، وبحلول نهاية الشهر نفسه، بلغت المتأخرات المتراكمة المستحقة على السلطة الفلسطينية نحو 430 مليون دولار، معظمها للمصارف التجارية ومن جهة اخرى، تنعكس حالة عدم التيقن المتزايدة سلباً على القدرة الادارية والتخطيطية للسلطة، الى جانب العرقلة المستمرة للخدمات العامة وتنامي التحديات التي تجابه السلطة في مجال السيادة. وبصرف النظر عن مدى كفاءة السلطة الفلسطينية وشفافيتها في إدارة الاقتصاد ووضع السياسات الانمائية، فهي تواجه اقتصاداً مثقلاً بالاختلالات الهيكلية التي تراكمت خلال فترة الاحتلال، ففي الوقت الذي تسير فيه السلطة الفلسطينية بخطى ثابتة في تنفيذ سلسلة من الاجراءات لتحسين اداء مؤسساتها، تواجه جهود التنمية الفلسطينية تحديا مزدوجاً، فتحقيق الانتعاش واعادة البناء بعد انتهاء النزاع سيتم في ظل اداء اقتصادي كان لفترة طويلة مخيباً للآمال. وسيتعين على السلطة اعادة البناء في ظل نظام تجاري يحد من الخيارات المتاحة على صعيد السياسات الاقتصادية وينطوي على سياسات أكثر استجابة للمصالح التجارية للاقتصاد الاسرائيلي المهيمن والأكثر قوة، كما لاتزال اتفاقيات المعاملة التفضيلية واتفاقيات التجارة الحرة المعقودة مع الشركاء الاقليميين والدوليين، والتي كان من الممكن ان تلعب دوراً في دفع عجلة التنمية الاقتصادية، غير مستغلة الى حد بعيد، بسبب «شروط الوصول الى الأسواق» التي تفرضها على الجانب الفلسطيني والتي لاتتوافق مع متطلبات تنمية هذا الاقتصاد. ومن جهة اخرى، فقد أدى تشديد وتقنين القيود الاسرائيلية المفروضة على حركة التنقل الى تردي الازمة الانسانية، لتزيد بذلك من صعوبة المضي قدماً في تلبية احتياجات الاقتصاد الانمائية، وينوه التقرير الى ما سيترتب عن هذه الازمة من تفاقم الاحتياجات الطارئة التي ستظل قائمة حتى بعد عودة الاستقرار. ربط جهود الاغاثة بالتنمية بينما يعتبر حجم المعونة أحد أهم العناصر الداعمة لعملية اعادة البناء، فان حسن انفاق وإدارة المعونة يلعبان دوراً أكثر أهمية في هذا المجال. فهناك حاجة ماسة لوضع آليات تنسيق فاعلة بين الجهات المانحة وكذلك بين مؤسسات السلطة الفلسطينية بما يضمن ربط المعونة بميزانية السلطة وأولوياتها الانمائية. كما يجب تركيز الجهود على تعزيز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على مجابهة الظروف الصعبة الناجمة عن الازمة وذلك من خلال التوفيق بين الجهود الرامية الى تلبية متطلبات اعادة التأهيل والاعمار واحتياجات التنمية الاستراتيجية. وفي هذا الاطار، يدعو التقرير الى ان تسعى جهود اعادة التأهيل الى تعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود في مواجهة الازمة، خصوصا من خلال البرامج الطارئة لخلق فرص عمل. كما يشدد على ضرورة تنسيق جهود الاعمار مع سياسات التنمية الاستراتيجية من خلال معالجة العوامل الجذرية المسببة للضعف الاقتصادي وابطال مفعول الآليات السلبية الناجمة عن هذه العوامل. وبالنظر الى التأثير الاقتصادي للنزاع الراهن على التجارة الخارجية، هناك ضرورة ملحة لاستعادة قدرة الاقتصاد التصديرية واستعادة الروابط المالية والتجارية مع الأسواق التقليدية، الى جانب تطوير خطوط انتاج جديدة ومساعدة الصناعات على النفاذ الى أسواق تصدير جديدة. وتنوه الأونكتاد الى ان تدهور معدلات التبادل التجاري للمنتجات الفلسطينية، المعتمدة على الاستخدام الكثيف لليد العاملة، قد جعل من الضرورة بمكان اعادة النظر في وتيرة عملية التحرير الاقتصادي والتجاري، ويستدعي ذلك اللجوء الى «سياسة صناعة ديناميكية»، بما في ذلك اعتماد تدابير حماية مؤقتة استناداً على تقييم شامل للإمكانات التصديرية والاحتياجات الانمائية للقطاعات المختلفة. وفي اطار جهودها الرامية لمساعدة السلطة الفلسطينية على مجابهة المستجدات الطارئة، فقد قامت امانة الأونكتاد بتكثيف المساعدات التقنية في مجال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وذلك في سياق برنامج أمبريتيك Empretec، حيث تم انشاء مركز للتدريب ودعم القدرات ضمن المؤسسة المصرفية الفلسطينية، المؤسسة المضيفة، والتي تولت مسئولية تشغيل البرنامج ودمجه في اطار شبكة الامبريتيك الاقليمية والعالمية. ومن جهتها، تعكف الامانة حالياً على إعداد دراسة شاملة حول قطاع المشاريع الفلسطينية الصغيرة والمتوسطة بالتعاون مع «الجهاز المركزي الفلسطيني للاحصاء». كما واصلت الأونكتاد تنفيذ مشاريع المساعدة التقنية الهادفة الى بناء المؤسسات الفلسطينية في مجال ادارة الجمارك ـ من برنامج النظام الآلي لتجهيز البيانات الجمركية ASYCUDA ـ وإدارة الدين العام ضمن برنامج DMFAS بالتعاون مع وزارة المالية التابعة للسلطة الفلسطينية، وفي هذه الاثناء، تتشاور الأونكتاد مع السلطة الفلسطينية حول امكانيات الشروع في تقديم مساعدات تقنية محددة في مجال الأمن الغذائي والتجارة السلعية، وتسير التجارة وخدمات النقل، وترويج التجارة الخارجية، والسياسات التجارية الاقليمية ومتعددة الاطراف، وتشجيع الاستثمار. كتب مصطفى عبدالعظيم: