بالرغم من انه يبدو ان البلدان ككل قد اصبحت تشارك مشاركة نشطة ودينامية في التجارة العالمية على مدى العقدين الماضيين، فإن القاء نظرة اكثر تفحصا يدل على قدر كبير من التنوع في طرائق مشاركة هذه البلدان في التقسيم الدولي للعمل. فلم يستطع العديد من البلدان التحول عن السلع الاولية التي تشهد اسواقها ركودا او انخفاضا نسبيين، الا ان التجارة في عدة منتجات من السلع الاولية ما برحت تنمو بنفس سرعة نمو التجارة في بعض المنتجات المصنعة، وقد شهدت البلدان التي نجحت في دخول هذه القطاعات توسعا كبيرا في صادراتها ودخلها. كما ان معظم البلدان النامية التي استطاعت التحول عن السلع الاولية نحو المنتجات المصنعة قد فعلت ذلك عن طريق التركيز على المنتجات القائمة على الاستخدام الكثيف للموارد ولليد العاملة، وهي منتجات تفتقر عموما الى الدينامية في الاسواق العالمية. وشهد عدد من البلدان النامية حدوث زيادة سريعة في صادراتها من المنتجات القائمة على الاستخدام الكثيف للمهارات والتكنولوجيا والتي سجلت توسعا سريعا في التجارة العالمية على مدى العقدين الماضيين، الا ان مشاركة البلدان النامية في انتاج هذه المنتجات تقتصر، عدا عن بعض الاستثناءات البارزة، على العمليات الكثيفة الاستخدام لليد العاملة والتي تندرج ضمن نشاط التجميع ولا تنطوي الا على قدر ضئيل من القيمة المضافة، وبالتالي فإن حصة بعض هذه البلدان في الدخل الصناعي العالمي قد انخفضت فعليا، اما الزيادات في القيمة المضافة التصنيعية، في حالة بعض البلدان الاخرى، فقد تخلفت الى حد بعيد عن حصصها المسجلة في تجارة المصنوعات العالمية، واخيرا شهد عدد قليل من البلدان حدوث زيادات حادة في حصصها من القيمة المضافة للصناعة العالمية تعادل او تتجاوز الزيادات في حصصها من تجارة المصنوعات العالمية، وتشتمل هذه المجموعة من البلدان على بعض الاقتصادات الحديثة التصنيع في شرق اسيا التي كانت قد حققت بالفعل تقدما كبيرا في عملية التصنيع قبل التحول الذي حدث مؤخرا نحو التصدير في العالم النامي، ولا يندرج ضمن هذه المجموعة اي بلد من البلدان التي قامت بعملية تحرير سريع للتجارة والاستثمار على مدى العقدين الماضيين. ويؤكد تقرير الأونكتاد حول التجارة والتنمية 2002 ان معظم البلدان النامية لاتزال تصدر منتجات قائمة على الاستخدام الكثيف للموارد واليد العاملة، معتمدة اعتمادا فعليا على الموردين الذين يؤمنون لها اليد العاملة الرخيصة الاجور والمتدنية المهارات لكي تكون قادرة على المنافسة، وباستثناء المجموعة الاخيرة من المنتجات، لايبدو ان هذه البلدان قد استطاعت اقامة علاقة دينامية بين الصادرات ونمو الدخل تمكنها من ان تسد بسرعة الفجوة بين دخلها ودخل البلدان الصناعية، وبالرغم من انه يبدو ان هذه البلدان كمجموعة قد اصبحت اطرافا فاعلة رئيسية في الاسواق العالمية للمنتجات الدينامية فإن صادراتها لاتزال تشكل ما نسبته 10% فقط من الصادرات العالمية من المنتجات التي تشتمل على درجة عالية من انشطة البحث والتطوير وتتسم بالتعقد التكنولوجي و/أو وفورات الحجم. ويوضح التقرير ان فهم المنطق الذي يقوم عليه نظام تحقق فيه بلدان نامية كثيرة توسعا قويا في تجارتها الخارجية دون ان تكافأ بزيادة مماثلة في دخلها هو امر يتطلب تفكيرا مليا، وثمة خطوة اولى تتمثل في التحول عن اسلوب التجريب العرضي الذي يصنف المنتجات المصنعة المتداولة على اساس قيمتها الاسمية فالبلدان النامية المشاركة في قطاعات التكنولوجيا المتطورة لا تشارك عموما في تلك الاجزاء القائمة على الاستخدام الكثيف للمهارات والتكنولوجيا ضمن عمليات الانتاج الاجمالية، وبالتالي فإن مساهمة هذه البلدان في القيمة المضافة تتحدد على اساس تكلفة عامل الانتاج الاقل ندرة والاكثر ضعفا، اي اليد العاملة غير الماهرة، بينما يجني المالكون الاجانب لعوامل الانتاج النادرة ولكن القدرة على الحركة على المستوى الدولي، مثل رأس المال والادارة والدراية الفنية، ثمار هذه العوامل، ولذلك فإن الذي يصدر هو العمل نفسه وليس ناتج العمل، والواقع انه حتى في تلك البلدان، مثل الصين وماليزيا، التي حققت درجة عالية من النجاح في زيادة حصصها في صادرات المصنوعات العالمية والقيمة المضافة التصنيعية من خلال مشاركتها في سلاسل الانتاج الدولية، تشكل الارباح المحققة من الاستثمار الاجنبي المباشر جزءا هاما من القيمة المضافة المحلية. ويشير التقرير انه من الواضح ان المشاركة في تلك الاجزاء القائمة على الاستخدام الكثيف لليد العاملة ضمن شبكات الانتاج الدولية يمكن ان تعود بفوائد كبيرة على البلدان التي هي في المراحل الاولى من عملية التصنيع والتي يتوفر لديها فائض كبير من اليد العاملة، كما يمكن لهذه المشاركة ان تمكن هذه البلدان من زيادة العمالة ودخل الفرد حتى عندما تكون القيمة المضافة المحققة متدنية، يضاف الى ذلك ان تزايد استخدام اليد العاملة المنخفضة المهارات في الانشطة المرتبطة بشبكات الانتاج الدولية سواء تم تنظيمها من قبل شركات عبر وطنية كبيرة تنتج مجموعة موحدة من السلع في عدة مواقع، او من خلال مجموعات من الشركات الاصغر التي توجد مواقعها في بلدان مختلفة وترتبط ببعضها البعض عن طريق التعاقد من الباطن على المستوى الدولي، قد ادى بالتأكيد الى توسيع نطاق المجموعة المحتملة من القطاعات التي يمكن فيها البدء بعملية التصنيع واكتساب التقنيات والمهارات التنطيمية الاساسية التي لا غنى عنها لتحقيق نمو اوسع قاعدة، الا ان هذا لا يشكل قفزة نحو نمط جديد من النمو الصناعي السريع والمطرد. وذكر التقرير ان هذه الشبكات تتيح للشركات عبر الوطنية قدرا اكبر بكثير من المرونة والتحكم في اختيار مواقع استثماراتها يضاف الى ذلك ان الاصول الانتاجية لهذه الشركات، مثل الدراية الفنية وقدرات التصميم والتكنولوجيا، يمكن ان تنحصر على نحو اكثر احكاما داخل الشركات نفسها، وذلك بسبب الحواجز التي تعترض الدخول والتي تنشأ عن ارتفاع تكاليف ادارة وتنسيق مثل هذه الوحدات المعقدة، ويمكن لطابع «الرزمة» المتكاملة الذي يتسم به الاستثمار الاجنبي المباشر ان يشكل، في ظل هذه الظروف السبب في التوزيع غير المتوازن الى حد بعيد للمكاسب الناشئة اكثر توازنا مثلما حدث في حالة الرعيل الاول من اقتصادات شرق اسيا، غير ان تكرار النجاح الذي حققته تلك البلدان يصبح اكثر صعوبة بكثير عندما يتسم هذا الاستثمار بدرجة عالية من الحركة، فمزايا الموقع تكسب وتفقد بسهولة نتيجة لحدوث تغيرات طفيفة في التكاليف او ظهور مواقع بديلة، مما يفضى الى خطر نشوء اقتصادات محصورة عندما تكون هناك باستمرار درجة عالية من الاعتماد على المدخلات المستوردة مثل رأس المال والسلع الوسيطة، وهذه المشاكل يمكن ان تكون خطيرة بصفة خاصة في حالة البلدان المتوسطة الدخل التي حققت نجاحا في المراحل الاولى من عملية التصنيع ولكنها تحتاج الان الى الارتقاء السريع بمستواها التصنيعي والى تحقيق نمو في الانتاجية من اجل المضي قدما على طريق التنمية. المنافسة وخطأ التعميم ان ما يمكن لبلد ما ان يحققه من خلال مشاركته في النظام التجاري، بما في ذلك عن طريق القيمة المضافة، يتوقف على جملة امور منها العرض العالمي للسلع المنتجة والمصدرة بالنسبة للطلب عليها، وما برحت الاتجاهات غير المواتية في كلا الجانبين، وهي اتجاهات تؤدي الى تراجع في معدلات التبادل التجاري للسلع الاساسية، تشكل منذ امد بعيد مصدر قلق للمسئولين عن رسم السياسات العامة في البلدان النامية، وقد اعتبر الاعتماد على صادرات المصنوعات من اجل زيادة النمو خلال هذه المشكلة. ونتيجة لتزايد المشاركة في التجارة العالمية في السنوات الاخيرة من قبل عدة بلدان منخفضة الدخل وذات كثافة سكانية عالية، اصبحت اليد العاملة المنخفضة المهارات تشكل نسبة عالية تصل الى 70% من قوة العمل المستخدمة في القطاعات التي تشارك في التجارة العالمية، الا انه لايزال هناك قدر كبير من فائض العمل في هذه البلدان، كما ان العديد من البلدان الكبيرة لم تندمج بعد اندماجا كاملا في النظام التجاري الدولي، وبالتالي فإن توجه البلدان النامية في الوقت نفسه نحو التصدير في مجال المصنوعات القائمة على الاستخدام الكثيف لليد العاملة، او تزايد المنافسة فيما بين هذه البلدان لاجتذاب الاستثمار الاجنبي المباشر باعتبارها مواقع مناسبة للعمليات الكثيفة الاستخدام لليد العاملة في سياق الانشطة التي تكون لولا ذلك عالية التقنية والتي تنظم في اطار شبكات الانتاج الدولية، هو امر يمكن ان يزيد من حدة مشكلة الوقوع في خطأ التعميم، مما يخل بالتطلعات الانمائية للاقتصادات ذات التوجه الخارجي ويسبب توترات بنيوية خطيرة في النظام التجاري، والمثال النموذجي لمخاطر الانتاج المفرط لمنتجات موحدة يتم انتاجها على نطاق واسع، وتعتمد اعتمادا شديدا على الاستيراد، يتجسد في قطاع الالكترونيات حيث تبدو اسعار صادرات البلدان النامية اكثر تقلبا كما يبدو انها سجلت انخفاضا اكثر حدة بعد عام 1995 مقارنة بنفس المنتجات التي يتم تداولها فيما بين البلدان المتقدمة. كما ان هناك علامات أعم تدل على ان اسعار المصنوعات المصدرة من البلدان النامية ما برحت تضعف مقارنة بصادرات البلدان الصناعية في السنوات الاخيرة، صحيح ان تلك البلدان النامية التي نفذت برنامجا تصديريا ملفتا للنظر بالاستناد الى قطاع صناعي دينامي، مثل جمهورية كوريا، قد تمتعت ايضا بمعدلات تبادل تجاري مواتية مع غيرها من البلدان النامية، وبخاصة تلك التي تصدر مصنوعات بسيطة بالاضافة الى ان اسعار عدد من المصنوعات الهامة للبلدان النامية تبدو ايضا متقلبة على نحو متزايد، فإن هناك اسبابا اخرى تدعو الى القلق، فتصميم السياسات ذات الوجهة التصديرية، ينبغي ان يأخذ في الاعتبار تبعا لذلك، احتمال حدوث عرض مفرط في الاسواق فيما يتصل بصادرات البلدان النامية من المنتجات المصنعة القائمة على الاستخدام الكثيف لليد العاملة. وبالنظر الى الحواجز الهامة التي تعترض الدخول في خطوط انتاج قائمة على كثافة المهارات والتكنولوجيا والتي تشتمل على درجة عالية من انشطة البحث والتطوير، بالاضافة الى ارتفاع التكاليف التي ينطوي عليها تنظيم سلاسل الانتاج، فإن هذه الاسواق تخضع للهيمنة الاحتكارية من قبل المنتجين في بلدان الشمال الذين يتنافسون عادة على اساس جودة المنتجات وتصميمها وتسويقها وعلاماتها التجارية وتمايزها وليس على اساس اسعارها، كما ان المنتجات النهائية الاقل كثافة في استخدام التكنولوجيا، مثل الآلات او معدات النقل، التي تتطلب تمويل استثمارات محددة وكبيرة جدا، تندرج ايضا ضمن تلك المنتجات التي تتسم بأعلى نسب التركيز للحصص في اسواق الصادرات. وعلى النقيض من ذلك، فإن اسواق السلع القائمة على الاستخدام الكثيف لليد العاملة قد اظهرت مستوى اعلى بكثير من القدرة التنافسية، وبخاصة في العقد الماضي، ولاتزال هذه الاسواق تتيح فرصا للجيل الجديد من الاقتصادات المصنعة، ولكن ضعف النمو وارتفاع معدل البطالة في الاقتصادات الصناعية المتقدمة قد أديا الى ابطاء عملية اغلاق صناعاتها الآيلة الى الزوال يضاف الى ذلك ان معظم البلدان النامية المتوسطة الدخل تواصل ايضا انتاج المصنوعات القائمة على الاستخدام الكثيف لليد العاملة لان منتجي هذه المصنوعات يجدون صعوبة في الارتقاء بالمستوى التكنولوجي وفي التنويع، كما ان ضغوط المنافسة تزداد حدة نتيجة للطريقة التي تستوعب بها اسواق العمل في البلدان النامية الفائض الاضافي من السلع القائمة على الاستخدام الكثيف لليد العاملة من خلال تطبيق اجور مرنة، مما يسمح للشركات بأن تتنافس على اساس الاسعار دون اضعاف الربحية، وبذلك تصبح المنافسة فيما بين الشركات بما في ذلك الشركات الدولية، في البلدان النامية منافسة فيما بين اليد العاملة التي توجد مواقعها في بلدان شتى. ومع تزايد عدد البلدان النامية التي اخذت تتحول نحو استراتيجيات ذات وجهة تصديرية، بما في ذلك بعض البلدان التي تتوفر فيها مجمعات كبيرة جدا لليد العاملة غير الماهرة، يبدو ان البلدان المتوسطة الدخل في اميركا اللاتينية وفي جنوب شرق اسيا هي الاكثر عرضة للتأثر بهذه الديناميات وبصفة خاصة، يبدو ان تزايد المنافسة في الاسعار فيما يخص منتجات قطاع الالكترونيات قد ادى على نحو متزايد الى جعل المصدرين التقليدين في البلدان النامية معرضين لمواجهة موردين اكثر قدرة على المنافسة في البلدان التي تنخفض فيها التكاليف وفي غياب التحول السريع نحو انتاج مصنوعات قائمة على درجة عالية من المهارات من اجل تمكين المصدرين من البلدان النامية من التنافس مع البلدان الصناعية الاكثر تقدما، فإن هؤلاء المصدرين قد يخضعون لضغوط نتيجة لانحصارهم بين الطرفين الاعلى والاسفل في اسواق المصنوعات. كتب مصطفى عبدالعظيم: