خلفت تصريحات محافظ البنك المركزي المصري الدكتور محمود أبوالعيون، حالة من الغموض في أوساط المال ولغطا شديدا بين دوائر الاعمال الاقتصادية والخاصة والعامة، بعد أن ذكر أن مايقرب من 500 مليون دولار من أصل 1.5 مليار دولار قيمة السندات المصرية الدولارية المطروحة في بورصات لندن وفرانكفورت ونيويورك صارت بين أيدي مؤسسات مالية مصرية بالداخل. مما يعني ضمنيا تحولها الى سندات خزانة وليست دولارية للإكتتاب فيها خارج البلاد. بداية اعترف محافظ البنك المركزي ان البنك يدير هذه السندات الدولارية نيابة عن وزارة المالية المصرية، والتي كانت قد طرحت في يوليو 2001 على دفعتين في أجلين قصير ومتوسط الأجل تراوحت عوائدها بين 6.2% خلال 5 أعوام الى 8.75% خلال 10 سنوات حسب أمد تلك السندات الدولارية المصرية تنفيذا لقرار مجلس الشعب المصري «البرلمان» طرح مابين 5 إلى 10 مليارات سندات دولارية مصرية في غضون 5 أعوام مقبلة عبر وزارة المالية. وفند أبوالعيون مزاعم وجود تباين في الآراء بين البنك المركزي المصري، ووزارة المالية من جانب اخر حول توظيف هذه المبالغ مؤكدا ان هناك اتفاقا كاملا بين الجانبين على ادارة هذه السندات. الا انه ألمح الى ان انخفاض أسعار الفائدة العالمية عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 فى الولايات المتحدة الأميركية، مما أدى الى زيادة نفقات ادارة هذه السندات. منبها ان البنك المركزي يعمل جاهدا على الادارة الحكيمة لهذه السندات مما يقلل أي خسارة محتملة في هذا المجال. واعتبر أبوالعيون انه من الظواهر المطمئنة ان مايقرب من 500 مليون دولار من حصيلة هذه السندات الدولارية «الثلث» اصبحت بين أيدي مؤسسات مصرية بالداخل وبالتالي لا تمثل عبئا خارجيا على الاقتصاد المصري أو ميزان المدفوعات. موضحا ان حملة السندات الدولارية المصرية من مؤسسات مالية عالمية، وصناديق الاستثمار، والتأمينات الدولية حصلوا على عائد الستة شهور الأولى نهاية يناير الماضي 2001 قيمتها 63.5 مليون دولار في صورة كوبونات مستحقة على السندات الدولارية المصرية المتداولة في الأسواق العالمية في موعدها. معلوم ان حجم الدين الخارجي المصري بلغ مطلع يوليو الماضي 2002 نحو 28.7 مليار دولار بزيادة قدرها 2.2 مليار دولار، شاملة قيمة السندات الدولارية المصرية وقدرها 1.5 مليار دولار، وتشمل أيضا تغيرات أسعار صرف العملات الأصلية المكونة للمديونية شاملة «اليورو» مقابل «الدولار» المقومة به المديونية الخارجية لمصر. وتعكس تلك الأرقام الخاصة بمؤشرات الدين الخارجي استمرار التحسن في هيكل المديونية الخارجية لمصر حيث بلغت الديون الخارجية متوسطة وطويلة الأجل نسبة 93% من اجمالي هذا الدين. علاوة على أن أغلب تلك الديون رسمية، وان نسبة أرصدة الديون غير الرسمية تمثل أقل من 2% من اجمالي الدين الخارجي. وتلك الديون 19.7 مليار دولار من اجمالي الدين الخارجي متوسط وطويل الأجل تمثل 75% منها ديونا لنادي باريس وهي ديون مجدولة السداد على أكثر من 25 عاما مقبلة دون عناء، كذلك فإن ديون القطاع الخاص متوسطة، وطويلة الأجل وغير المضمونة لا تزيد على 542 مليون دولار لا تشكل سوى نسبة 1.9% من اجمالي ديون مصر الخارجية. علما بأن الديون قصيرة الأجل بما فيها ودائع غير المقيمين لدى الجهاز المصرفي المصري قد بلغت 2.15 مليار دولار بما يعادل 7.5% من اجمالي ديون مصر الخارجية. ويفسر الدكتور محسن خضيري الخبير المصرفي والمالي بالبنك الأهلي المصري بعضا من الجدل واللغط حول تلك التصريحات اذ ان المعروف ان هناك فارقاً بين سندات الخزانة الحكومية المصدرة بالعملة الوطنية للاكتتاب للمقيمين في داخل البلاد أيا كانت جنسياتهم أفراد أو مؤسسات وبين السندات الدولارية المصرية التي مفترض فيها انها لجذب عملات صعبة للدولة من المؤسسات والأفراد المقيمين خارج البلاد. أما ان تلجأ المؤسسات المالية المصرية الى شراء نحو ثلث قيمة السندات الدولارية المصرية يعني ان هناك تحولا من قبل المستثمرين الأجانب والمقيمين بالخارج تجاه الاكتتاب والتعامل في السندات الدولارية المصرية. ويضيف خضيري أن أحد المبررات الرسمية لطرح هذه السندات الدولارية ارتبط بايجاد مؤشر سعري للسندات المصرية بفتح الباب امام الشركات المصرية للجوء للأسواق العالمية للحصول على التمويل بتكلفة أقل ممايمكن ان يحصلوا عليها في غياب صدور هذا المؤشر السعري الذي يأخذ في الاعتبار هامش المخاطرة للاستثمار في مصر، غير ان الشركات المصرية لم تقم بأي اصدار للسندات في السوق العالمية بعد مرور عام على صدور السندات الدولارية المصرية. ويتفق مع ماسبق ويضيف عمرو القاضي رئيس ادارة المخاطر بالمجموعة المالية «هيرميس» ان الحكومة قامت بدور ما في التسهيل امام الشركات المصرية للحصول على تمويل ولكن يبقى للقطاع الخاص ان يتحرك ويدخل السوق العالمية. الا انه يعود ويشير الى عدة عوامل جعلت الشركات المصرية تحجم عن القيام بإصدار سندات دولية في الفترة الماضية، في مقدمتها التخوف من تغير سعر الصرف بالاضافة الى ظروف الركود في الأسواق المحلية والتي أدت الى وجود طاقة فائضة في معظم الشركات، وبالتالي لم تسع للاقتراض لاقامة توسعات جديدة علاوة على الظروف غير المواتية على المستوى السياسي أو الاقتصادي بعد أحداث سبتمبر 2001 والتي لم تكن في مصلحة الأسواق الناشئة بصفة عامة. يذكر ان بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة الدكتور عبدالشكور شعلان ممثل المجموعة العربية في مجلس ادارة الصندوق، والتي زارت القاهرة يوليو الماضي، نصحت الحكومة سرعة توظيف هذه السندات في مجموعات التي سبق ان أكدتها وزارة المالية في مشروعات تدر عائدا «بالدولار» بحيث لا يمثل هذا الدين عبئا على الميزانية العامة خاصة مع انخفاض قيمة الجنية امام الدولار بنسبة 34%، أو سرعة رد قيمة تلك السندات الدولارية بدلا من اكتنازها في البنك المركزي دون توظيف وسداد عوائد نصف سنوية عليها. ويرى القاضي ان السندات الدولارية كانت قد لاقت اقبالا كبيرا من جانب المستثمرين عند الاكتتاب العام بها حيث كانت هذه السندات مطلبا لمدة طويلة من جانب المستثمرين في الأسواق العالمية نظرا لمتانة المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري، والثقة في قدرته على سداد الديون.. الا ان الحكومة لم تعلن بعد عن أوجه الاستخدام لهذه النوعية من السندات طيلة عام مضى. فيما اعترف حسين شكري رئيس مؤسسة «أتش سي» للأوراق المالية، وهي ممثل مؤسسة بنك مورجان ستانلي في مصر والتي أشرفت مع مؤسسة «ميريل لينش» على إصدار وترويج السندات، أن أداء السندات الدولية العام الأول مضت طيبة إلا أن عددا من المؤسسات المالية الأجنبية قامت بالتخارج والتخلص من السندات المصرية الدولارية من محافظها الاستثمارية خاصة بعد قيام مؤسستي فيش أيبكا، ستاندرد آنديورز بتخفيض درجة التقويم للإقتصاد المصري في مايو وأغسطس الماضيين من درجة الجدارة الإئتمانية، حيث أن قواعد الإستثمار لبعض هذه المؤسسات لا تسمح لها بالإستثمار في أوراق مالية دون هذه الدرجة الإئتمانية. إلا أن شكري يشيد بالسندات المصرية الدولارية ويصفها بأنها مصدر جذب للمؤسسات المحلية حيث أن إرتفاع العائد على السندات الدولارية مثل جاذبية كبيرة للمؤسسات المصرية لإستثمار أرصدتها الدولارية بها للإستفادة من فروق أسعار الفائدة مع الأوراق المالية الأخرى بالدولار المتاحة في الأسواق، حيث تحصل على عائد لا يتعدى 27% من خلال الليبور «سعر الفائدة بين البنوك في لندن» بينما تتضاعف على السندات المصرية. ويتدخل مساعد المدير العام لسوق المال والأوراق المالية في بنك مصر ـ إيران للتنمية كمال محجوب، موضحا أن التغير الذي حدث في تراجع عائد الإستثمار في السندات الدولارية المصرية نتيجة انخفاض سعر الفائدة العالمية حتى تاريخ الإستحقاق، يستفيد أو يخسر منه المستثمر في السندات بإرتفاع أو إنخفاض العائد بينما لا تتأثر به الحكومة المصرية حسب قوله، والتي قامت بسداد 63.8 مليون دولار عن عائد 6 شهور الأولى منذ يوليو 2001 مع ثبات العائد عليها، إلا أن المضاربين على السندات هم الخاسرون خاصة أن المتعاملين في السوق من المؤسسات المالية تستحوذ على أغلب هذه السندات ودخلت المؤسسات في المنطقة العربية لشرائها بقوة خاصة بالنسبة للسندات ذات الخمس سنوات بعدما أصاب مدخرات العرب في أميركا من خسائر وكونها عرضة للمصادرة والحراسة بزعم أنها وراء الإرهاب. أما حول إمكانية إعادة جذب الإهتمام المستثمرين بين الاجانب للإستثمار في السندات الدولارية المصرية ثانية، يرى كمال أن ذلك يتطلب أولا إعادة الإستقرار لسوق العملات الأجنبية، وتوحيد سعر العملة.. مع القضاء على السعر الآخر خارج السوق الرسمية.. وكذلك الإسراع مرة أخرى في تنفيذ برنامج الخصخصة علاوة على السرعة في إتخاذ القرارات الاقتصادية والإستجابة لتغيرات السوق بشكل أوسع لعودة ثقة الأجانب في الإستثمار بالسوق المصرية والأسواق الناشئة. ويحذر مساعد المدير العام لسوق المال والأوراق المالية ببنك مصر ـ إيران للتنمية من مغبة تقليل درجة مخاطر إئتمان المؤسسات المالية الدولية على تعويم برنامج الخصخصة خاصة أن الحكومة تستعد لطرح بين 15% إلى 20% من أسهم شركات الكهرباء، التي يصل تقييمها السوقي المبدئي لتلك النسبة بين 2 إلى 4 مليارات جنيه، للإكتتاب العام في البورصة وإتحاد العاملين المساهمين في هذه الشركات بعد عزوف المستثمرين الأجانب والعرب عن الدخول للبورصة المصرية، مما يستلزم إتخاذ سياسات اقتصادية ترويجية للسوق لإخراجه من حالة الركود والكساد