معروف ان قطاع النفط الخام لايزال المساهم الاكبر في الناتج المحلي الاجمالي مقارنة بالقطاعات الاقتصادية الاخرى في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ما يدل على ان استراتيجية تنويع مصادر الدخل لم تتمكن حتى الآن من تغيير هذا الاتجاه، ويتميز اقتصاد الامارات بخصائص رئيسة عدة تجعله مختلفا عن معظم اقتصادات الدول النامية، ويأتي في مقدمة هذه الخصائص، اتباع نظام الاقتصاد الحر والاعتماد على النفط والاعتماد على القوة العاملة الوافدة وضيق السوق المحلية والموقع الجغرافي. أعد الدكتور محمد سعد عميرة الخبير الاقتصادي في وزارة الاقتصاد والتجارة دراسة اقتصادية حول تنويع مصادر الدخل، نشرت في العدد الاخير من مجلة الاعمال في دبي التي تصدر عن غرفة دبي، أوضح فيها انه اختلافا مع معظم الاقتصادات النامية، فقد تبنت الامارات منذ نشأتها نظام الاقتصاد الحر الذي يعتمد على نظام السوق، حيث تحدد فيه قوى الطلب والعرض المعطيات الاقتصادية الاساسية والتي تتمثل في الاسعار والاستثمار في القطاعات الاقتصادية والانتاجية والخدمية، والتجارة الخارجية والداخلية من دون أي تدخل يذكر من جانب الحكومة، وبعبارة اخرى، فقد تم تبني سياسة اقتصادية منفتحة تعتمد على حرية الاستثمار والتجارة في جميع المجالات، ويكون للقطاع الخاص دور الريادة في الاقتصاد الوطني حيث اقتصر دور الحكومة على رسم السياسات الاقتصادية الكلية التي تعكس الاستراتيجية العامة للاقتصاد الحر. ويمتاز اقتصاد الامارات ومماثله لباقي الدول النفطية بالاعتماد الكبير على الريع النفطي، حيث يشكل النفط ومشتقاته العنصر الرئيس في ايرادات الدولة اللازمة لتغطية الانفاق العام، الجاري والانمائي، المتزايد منذ منتصف السبعينيات. ولاشك في ان الايرادات النفطية قد مكنت الدولة من الانفاق المباشر على تنفيذ المشروعات الانمائية، الانتاجية والخدمية، ومشروعات البنية التحتية: الطرق، الموانيء، المطارات، الاتصالات، المستشفيات، المدارس..الخ، اضافة إلى انفاقها الجاري على الرواتب والاجور والمشتريات من السوق المحلية وتقديم الدعم والتحويلات من دون مقابل في مختلف المجالات، وبالتالي تفعيل انشطة القطاع الخاص في جميع القطاعات الاقتصادية الامر الذي يؤدي إلى رفع معدلات النمو القطاعي والكلي. ويمتاز اقتصاد الامارات ايضا بالاعتماد الكبير على العمالة الوافدة، لعدم توافر القوى العاملة المواطنة لتنفيذ المشروعات الانمائية، الانتاجية والخدمية، والتي هدفت إلى ضمان استمرار عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة التي تنفذها الدولة منذ انشائها، وعلى الرغم من ايجابيات استخدام العمالة الوافدة المتأتية من خلال اسهاماتها الفعالة في التطور الاقتصادي والاجتماعي والحضاري الذي تحقق خلال فترة وجيزة وخلقها سوقا لتنشيط مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني، فان الاعتماد على هذه العمالة بحد ذاته يعد مؤشرا سلبيا، حيث اخذت تتزايد بشكل ملحوظ إلى درجة أصبح الاستغناء عنها صعبا جدا من الناحية الاقتصادية لعدم توافر العمالة المواطنة البديلة عنها ولتنامي اعتماد الاقتصاد الوطني عليها. كما تمتاز الامارات بصغر حجم سوقها المحلي الذي يمثله عدد السكان والبالغ حوالي ثلاثة ملايين نسمة، بمن فيهم السكان الوافدون، الامر الذي يحد من مدى تطور قطاعاتها الاقتصادية، فان اعتماد الاقتصاد الوطني على سوق محلية ضيقة لا يتيح توسيع المشروعات الانتاجية والخدمية بشكل كبير، حيث لا ينمو الطلب المحلي الا في اطار هذا السوق، وللتغلب على هذه السلبية، لا مجال امام الانتاج الوطني إلا التوجه نحو التصدير للاسواق الخارجية لتوسيع نطاق سوقه المحدودة. وكذلك تمتاز الامارات بموقعها الجغرافي الذي يمكنها من ايجاد علاقات اقتصادية متميزة مع مختلف الدول الخليجية والعربية والاسيوية المحيطة ما يؤهلها لخدمة اسواق هذه الدول بسرعة وبتكلفة قليلة نسبيا، وطبيعي ان ذلك يساعد في نمو الصادرات الوطنية، الانتاجية والخدمية، الامر الذي ينعكس ايجابيا على معدلات النمو الاقتصادية الكلية والقطاعية. أثر كبير لقد كان للنفط الاثر الكبير في هذا الاداء نتيجة لاسهاماته العالية في الناتج المحلي الاجمالي والتي كانت 66.5% في العام 1975، على الرغم من انخفاضها إلى حوالي 44% العام 1985، ولكن لا يمكننا اغفال تطور باقي القطاعات الاقتصادية غير النفطية ايضا التي كانت في ازدهار مستمر، حيث ارتفع الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي من 13.2 مليار درهم في العام 1975 إلى 57.2 مليار درهم في العام 1985، أي بمعدل نمو سنوي مقداره 33.1%، وكان التطور ملحوظا في قطاعات الكهرباء والماء، الصناعة التحويلية، الزراعة، البنوك والتمويل، الانشاءات، العقارات، الخدمات الحكومية، والنقل، ونتيجة لمعدلات النمو الملحوظة التي تحققت، ارتفع الاستهلاك الكلي: العام والخاص من 9.5 مليارات درهم في العام 1975 إلى 47.8 مليار درهم في العام 1985، أي بمعدل نمو 40.1% سنويا، حيث شكل الانفاق الخاص نسبة 59% من الاستهلاك الكلي، وبذلك يكون معدل استهلاك الفرد قد تطور من 17 الف درهم في العام 1975 إلى 35 الف درهم في العام 1985، أي بمعدل نمو سنوي مقداره 10.5%، وكذلك تطور اجمالي التكوين الرأسمالي الثابت العام والخاص من 12 مليار درهم إلى 24.4 مليار درهم في الفترة عينها، حيث شكل الاستثمار الخاص ما نسبته 69% من الاستثمار الكلي. مرحلة الانحسار اما في مرحلة انحسار اسعار النفط خلال فترة 1985 حتى الآن، تشير المعلومات المتوافرة إلى ان معدلات النمو الاقتصادي التي تحققت كانت اقل نسبيا من تلك التي تحققت خلال المرحلة السابقة، وكان ذلك نتيجة لانخفاض ايرادات النفط بسبب تقلبات الاسعار في الاسواق العالمية، أزمة الخليج وآثارها، اضافة إلى الانتهاء من مشروعات البنية التحتية الاساسية والتي تطلبت استثمارات ضخمة في المرحلة الاولى مقارنة بالمشروعات الانمائية ذات الاستثمار الاقل في المرحلة الثانية. ويدل على هذه التطورات ارتفاع الناتج المحلي الاجمالي من 101.9 مليار درهم في العام 1985 ليصل إلى 241.9 مليار درهم في العام 2000، أي بمعدل نمو سنوي بمقدار 9.1%، وفي الوقت عينه، تطور الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي من 57.2 مليار درهم في العام 1985 إلى 160 مليار درهم في العام 2000، أي بمعدل نمو سنوي مقداره 11.9%، اضافة إلى ذلك، فقد شهدت هذه الفترة تطورات هيكلية في الاقتصاد الوطني اهمها ما يلي: ـ تراجعت مساهمة قطاع النفط في الناتج المحلي الاجمالي بشكل ملحوظ لتنخفض من 43.8% العام 1985 الى 33.9 % في العام 2000، الامر الذي يعكس تنامي مساهمة القطاعات غير النفطية نتيجة لتبني استراتيجية تنويع مصادر الدخل في محاولة لتقليل الاعتماد الكبير على النفط كمصدر احادي للدخل. شهدت جميع القطاعات الاقتصادية غير النفطية تطورا ملحوظا بالارقام النسبية والمطلقة الامر الذي ادى ارتفاع اسهاماتها في الناتج المحلي الاجمالي من 56.2 % في العام 1985 لتصل الى 66.1 % في العام 20000. بقيت اسهامات قطاع الكهرباء والغاز والماء في الناتج المحلي الاجمالي ثابتة تقريبا مقارنة مع تزايد اسهام قطاعات الصناعة التحويلية التشييد والبناء، التجارة والخدمات الاخرى خلال الفترة 1985 ـ 2000 . بقيت اسهامات قطاع الكهرباء والغاز والماء في الناتج المحلي الاجمالي ثابتة تقريبا مقارنة مع تزايد اسهام قطاعات الصناعة التحويلية، التشييد والبناء التجارة والخدمات الاخرى خلال الفترة من 1985 ـ 2000 غير انه كان من المفروض ان تتنامى مساهمة قطاعي الصناعة التحويلية والكهرباء والماء بشكل اكبر تماشيا مع سياسة تنويع مصادر الدخل ليصبح القطاع الصناعي قطاعا رائدا في الاقتصاد الوطني الامر الذي يدل على عدم استطاعة السياسة الصناعية تحقيق اهدافها كما يجب. ولكن على الرغم من هذه التغيرات الهيكلية مازال قطاع النفط المساهم الاكبر في الناتج المحلي الاجمالي مقارنة بباقي القطاعات الاقتصادية مايدل على ان استراتيجية تنويع مصادر الدخل لم تتمكن حتى الان من تغيير هذه الحقيقة، الامر الذي يتطلب استمرار وتكثيف الجهود في هذا الاتجاه. ارتفاع الاستهلاك وعلى الرغم من تباطؤ معدلات النمو في الفترة 1985 ـ 2000 مقارنة بالفترة 1975 ـ 1985 الا ان الاستهلاك الكلي العام والخاص قد ارتفع من 47.8 مليار درهم في العام 1985 ليصل الى 144.1 مليار درهم في العام 2000 ، اي بمعدل نمو 13.2% سنويا، وشكل الاستهلاك الخاص ما نسبته 73% من الاستهلاك الكلي، وبذلك يكون معدل استهلاك الفرد قد تطور من 35 الف درهم في العام 1985 ليصل الى 46.4 الف درهم في العام 2000 اي بمعدل نمو سنوي مقداره 2.2 سنويا. كما وارتفع اجمالي التكوين الرأسمالي الثابت العام والخاص من 24.4 مليار درهم في العام 1985 الى 57.3 مليار درهم في العام 2000 حيث شكل الاستثمار الخاص حوالي 24.4 % من الاستثمار الكلي. وفي هذا المجال تجدر الملاحظة الى ان مساهمة مختلف الامارات في الناتج المحلي الاجمالي للدولة تتفاوت من امارة الى اخرى نتيجة لتباين الموارد الطبيعية والاقتصادية المتوافرة في كل منها فتأتي ابوظبي في المرتبة الاولى، حيث تسهم بحوالي 60.3 % من الناتج المحلي الاجمالي تليها دبي 24.8%، الشارقة 8.8 %، رأس الخيمة 2.4% عجمان 1.7% ، الفجيرة 1.4% ، وام القيوين 0.6%. التجارة الخارجية من جانبه، يعد قطاع التجارة الخارجية من اهم القطاعات الاقتصادية في الدولة، حيث يعتمد عليه الاقتصاد الوطني في المبادلات الدولية مع باقي دول العالم في التصدير والاستيراد ، فعائدات التصدير هي المصدر الاساسي للعملات الصعبة التي تؤمن القدرة الشرائية لاستيراد المتطلبات من الخدمات والسلع الانمائية والوسيطة والاستهلاكية الضرورية لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة. وفي ضوء الاعتماد الكبير على النفط في الاقتصاد الوطني ، فإن صادرات النفط تشكل معظم الصادرات السلعية في الدولة، وعلى الرغم من تزايد قيمة عائدات تصدير النفط من 26.8 مليار درهم في العام 1975 الى 70.1 مليار درهم في العام 2000 فإن نسبة مساهمتها في عائدات التصدير الكلية كانت في انخفاض مستمر منذ منتصف السبعينيات حيث انخفضت من 94% العام 1975 الى 63% العام 1986 والى 44% في العام 2000، ويعود ذلك الى التغيرات الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد الوطني في الدرجة الاولى، فالتطورات الاقتصادية المحلية النابعة من سياسة تنويع مصادر الدخل مكنت القطاعات الاقتصادية غير النفطية من تنمية صادراتها باستمرار، حيث زادت نسبتها في الصادرات الكلية من 4% في العام 1986 لتصل الى 20.7% العام 2000 وكذلك ادت الى زيادة انشطة اعادة التصدير وبالتالي تطور مساهمتها في الصادرات السلعية من 5.6 % العام 1975 الى 20% العام 1986 والى 29.5 % في العام 2000. وعلى الرغم من هذه التطورات تبقى عائدات تصدير النفط هي المساهم الرئيسي في تغطية قائمة المستوردات التي تتزايد باستمرار تبعا للتقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي تشهده الدولة، فقد تمكنت صادرات النفط اضافة الى الصادرات غير النفطية واعادة التصدير من تحقيق فائض مستمر في الميزان التجاري للدولة بلغ اعلى مستوى له في العام 2000، حيث وصل الى 41.7 مليار درهم، وان تفاوت هذا الفائض من سنة الى اخرى بسبب التقلبات في وأسعار النفط وبالتالي عدم استقرار حصيلة عائدات النفط حسب الدراسة، فإن باقي بنود ميزان المدفوعات الذي يظهر معاملات الدولة مع العالم الخارجي من استيراد وتصدير سلع وخدمات وتحويلات من دون مقابل وحركة رؤوس اموال، تتأثر بصورة مباشرة بعائدات التصدير وفي مقدمتها النفط، حيث تتم تغطية العجز في ميزان الخدمات والتحويلات من دون مقابل من الفائض في الميزان التجاري. المدفوعات وحقق ميزان الخدمات فائضا في السنوات 1986، 1990، 1994، 2000، وعلى العكس من ذلك، كان صافي التحويلات من دون مقابل، التي تشكل معظمها المساعدات والمنح، في عجز مستمر بلغ اعلى مدى له في العام 1990، حيث وصل الى 18.9 مليار درهم نتيجة لازمة الخليج، ثم عاد للانخفاض الى 16.3 مليار درهم في العام 2000. وعلى الرغم من ذلك، فقد حقق الحساب الجاري في ميزان المدفوعات الذي هو حصيلة الميزان التجاري وميزان الخدمات وصافي التحويلات من دون مقابل فائضا مستمرا منذ منتصف السبعينيات بلغت اعلى قيمة له في العام 2000 ، لتصل الى 33.7 مليار درهم. اما فيما يتعلق بحساب رأس المال في ميزان المدفوعات والذي يعكس التحولات الرأسمالية الى خارج الدولة والتي تتكون من القروض الرسمية والاستثمارات الرأسمالية في الخارج والمؤسسات الحكومية وصافي السهو والخطأ، فيتضح بأنه كان في عجز مستمر، وبعبارة اخرى كان هناك خروج مستمر لرؤوس الاموال بلغت اعلى قيمة له في العام 2000، حيث وصلت الى 23.3 مليار درهم، وتغطي رؤوس الاموال المصدرة الى الخارج عادة من فائض الحساب الجاري، وعلى الرغم من ذلك، فقد حقق الميزان الاجمالي لميزان المدفوعات فائضا مستمرا تفاوت من سنة الى اخرى حيث بلغت اعلى قيمة له في العام 2000 لتصل الى 10.4 مليارات درهم وكانت اقل قيمة له في العام 1990 حيث انخفضت الى 0.2 مليار درهم فقط نتيجة لارتفاع قيمة التحويلات من دون مقابل ورؤوس الاموال المصدرة للخارج