تمثل العولمة وبغض النظر عن كونها ظاهرة أو نظام، الزيادة في درجة الارتباط المتبادل بين المجتمعات في العالم من خلال تسهيل وتسريع عمليات انتقال السلع ورؤوس الاموال، وتقنيات الانتاج والأشخاص والمعلومات وذلك عن طريق التجارة الخارجية والاستثمار الاجنبي المباشر والذي لعبت فيه الدور الرئيسي الشركات العالمية متعددة الجنسيات. وتتجسد العولمة حاليا كظاهرة في مجال الاقتصاد والثقافة والسياسة حيث يعتبر البعض بان الولايات المتحدة هي المروج الرئيسي لها من خلال هذه المجالات كونها استعانت في مجال الاقتصاد ببعض المؤسسات الدولية كمنظمة التجارة الدولية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وفي مجالات الديمقراطية وحقوق الانسان وحرية الفرد والحريات العامة قامت بعقد ورعاية العديد من المؤتمرات الدولية. وفي الوقت نفسه تحاول وعبر قنوات الاتصال المختلفة التي تمكنها من البث على مدار الساعة اختراق ثقافات الشعوب بالبرامج التي تستهوي الشباب وتحبب اليهم نمط الحياة في المجتمعات الغربية كالمبالغة في الاستهلاك واللهو والنزعة الفردية والعلمانية حتى أصبحت هذه الشريحة من المجتمع تعيش روح التمرد على الواقع بكل ما فيه من قيم وعادات. وتحمل ظاهرة العولمة في طياتها العديد من التناقضات والتي يرجع جزء منها الى التناقضات داخل المجتمع الرأسمالي باعتباره المحرك والمشجع لهذه الظاهرة. ومن الامثلة على هذه التناقضات التناقض بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وبين العمال ومالكي وسائل الانتاج اضافة الى التناقض القائم بين المراكز الرأسمالية نفسها والتناقضات التي تنشأ من البطالة الناتجة عن التطور في تقنيات الانتاج. ان التأثير الفعال على الاقتصاد العالمي وتوجيه سياسات المنظمات الدولية ذات التأثير المباشر مازال محصورا في السنوات الأخيرة بيد القوى الاقتصادية الرئيسية في العالم وأهمها الولايات المتحدة بسبب انشغال اليابان بمشاكل كسادها الاقتصادي واهتمام أوروبا بقضايا الوحدة الأوروبية. اما الدول النامية فهي كالعادة لا تؤثر في السياسات الاقتصادية الدولية وإنما هي تركب المسيرة في محاولة تنفيذ تلك السياسات الاقتصادية. إن اعادة توزيع وتكامل الانتاج عبر الحدود الوطنية عزز من تدفقات رأس المال خصوصا الاستثمارات الاجنبية المباشرة والتي غالبا ما ترتبط باستراتيجيات الانتاج العالمية للشركات متعددة الجنيسات المبنية على ايجاد قواعد انتاجية أرخص لأغراض التصدير والى مناطق انتاج لاغراض السوق المحلي. وقد ساعد في ذلك التقدم التكنولوجي الذي قلص من تكاليف النقل والاتصالات والتحويلات المالية الى جانب تسهيل القيود التجارية. ويكمن أساس الخطورة التي تهدد مستقبل العولمة الاقتصادية الحالية في فقدان التماثل في تأثير العولمة على الدول. فالنظام متعدد الأطراف الذي يقود الى توسيع التجارة والاستثمار يمكن تهديده اذا ما لجأت بعض أطراف القوى الاقتصادية العالمية الى اتخاذ قرارات منفردة أو اذا ما أضطرت بعض الدول النامية الى رفض ومقاومة قرارات العولمة لشعورها بأنها أجبرت على تحقيق انفتاح اقتصادي سابق لأوانه. ويكمن مصدر الخطورة ايضا في تنامي قوة الشركات الكبيرة غير الوطنية وازدياد مقاومتها للرقابة على مجمل انشطتها على المستوى الوطني وفي ظل غياب آليات فعالة متعددة الاطراف لتقوم بهذا الدور على المستوى العالمي قد يقود الى مصدر خطر يهدد السلام العالمي وليس فقط تهديد النظام الاقتصادي العالمي. ان ذلك يشير الى ان العولمة بوضعها الحالي تحمل العديد من مقومات التناقض والتي قد تكون السبب في تراجعها. فالدول النامية لابد وان تنتبه الى تأثير هذا التناقض والانتقائية على مصالحها مما قد يدفع الى قيامها بمقاومة هذه الظاهرة باعتبار ان هذه الدول تواجه بعدد من الضوابط والعراقيل التي تضعها الدول المتقدمة امام انتقال حركة العمالة اليها وبالمقابل تشجع انتقال العمالة الماهرة والمدربة تدريبا عاليا للعمل لديها والتي هي أعدت أصلا للاستفادة من خبراتها في خدمة أهداف هذه الدول. اضافة الى ذلك فان العولمة تعتبر في الاساس نقيضا للدولة القومية وتغلب عليها الصفة الاقتصادية ولذلك فهي تعمل على تحويل الانسان من المفاهيم السياسية والأيدلوجية الى مفاهيم اقتصادية بحتة قائمة على نظام السوق والربح المادي بحسب خطط وبرامج معلنة وغير معلنة تقوم بتنفيذها مؤسسات متخصصة ويتم من خلالها نشر مباديء العولمة المختلفة من خلال شبكات المعلومات المعقدة والتي يزداد تطورها باستمرار حيث تعتبر هذه المعلومات من أقوى الأدوات المالية والاقتصادية والسياسية التي تساعد على سرعة انتشار العولمة وتطورها. لقد فتح باب التقدم التكنولوجي وزيادة قدرة عوامل الانتاج على الانتقال واتفاقات التجارة الاقليمية والدولية الباب لامكانية تحقيق زيادة كبيرة في الانتاجية وخلق الثروة. وكان المستفيد الأول من ذلك ولحد الان هو الدول المتقدمة بينما مازال المجتمع الدولي يواجه تحديا كبيرا يتمثل في البحث عن طريق لادماج الدول النامية في الاقتصاد العالمي حيث يواجه العديد من هذه الدول خطر البقاء خارج الاطار وبالتالي المزيد من التهميش في مجالات التجارة العالمية والاستثمار وأسواق رأس المال. اذن يجب ان تتحمل الدول المتقدمة المسئولية أو على الاقل جزءا مهما من المسئولية في مساعدة الدول النامية والدول الأقل نموا للاستفادة من عملية تحرير التجارة العالمية وفرص العولمة هذا الى جانب المسئولية التي تتحملها الدول النامية نفسها. ولكي تستطيع الدول النامية ان تشارك بشكل كامل وفعال في التجارة العالمية عليها العمل على بناء طاقتها في مجالات الانتاج والاستثمار وتحسين المناخ العام والثقة بالاقتصاد المحلي وضمان الوصول الى الأسواق الخارجية وهذا يعني بالنسبة للعديد من الدول النامية وبشكل خاص الدول الأقل نموا تحسين وتوسيع البنى التحتية التي تمكنها من توصيل سلعها بكفاءة الى الأسواق العالمية. ان ذلك يتطلب تنويع السلع والأسواق في العديد من الدول النامية مما يتطلب زيادة في معدلات الاستثمار وتطوير الموارد البشرية والطاقات الفنية وتطوير البنى التحتية لرفع الانتاج والكفاءة الى مستويات أقل في مجالات النوعية والكلفة ومتطلبات التسليم في الاسواق العالمية. وعلى هذا الاساس فان الدول النامية لا تستطيع ان تكسب أية فوائد من العولمة ما لم تعمل على تحقيق تنمية سريعة ومتواصلة لكي تلبي متطلبات الظروف التي ستكون سائدة في حرية التجارة العالمية والعولمة. ان ذلك يتطلب من هذه الدول العمل على خلق المناخ الملائم للقطاع الخاص حتى يأخذ دوره في التنمية ولتحقيق ذلك فان على الدولة ان تضمن ممارسة الأسواق المحلية لنشاطها بكفاءة عالية وتضمن لها سهولة الوصول الى الأسواق العالمية وخلق أفضل الفرص الممكنة لزيادة العمل التنافسي لهذه المشاريع بالاضافة الى تبني سياسات اقتصادية كلية تهدف الى تشجيع الادخار المحلي واستقطاب الادخارات الاجنبية والتكنولوجيا والمعرفة وتحريك الطاقات لتحقيق التنمية المستدامة. وفي كل هذه الاحوال تعتبر المساعدات الفنية والمالية التي تقدمها الدول المتقدمة مهمة في مجال مساعدة الدول النامية لتحقيق هذا الهدف. اضافة الى ما جاء أعلاه فان العديد من دول العالم النامية تعاني من مشكلة ارتفاع مستويات خدمات الدين نتيجة كونها مثقلة بحجم كبير من الديون الخارجية والتي تعتبر في الحقيقة من أهم معوقات التنمية فيها. لذلك يبقى من الضروري على هذه الدول تبني اجراءات من شأنها مساعدتها على تخفيض حجم هذه الديون لما لذلك الاجراء من تأثيرات ايجابية على تطلعات التنمية فيها وتسهيل اندماجها بالاقتصاد العالمي وعلى الأخص الاجراءات المتخذة في خلق الاجواء الملائمة للاستثمار على ان يصاحب ذلك سياسات اقتصادية كلية سليمة واصلاحات هيكلية. ولا تنحصر تحديات العولمة والاندماج في الاقتصاد العالمي التي تواجه الدول النامية فقط في تطبيق الاصلاحات الاقتصادية وتحديد فرص التجارة التي أوجدتها منظمة التجارة العالمية وتبني السياسات التي تساعد في الحصول على أقصى الفوائد من هذه الفرص ولكنه يشمل ايضا اكتشاف الطرق والوسائل التي تساعد هذه الدول على توسيع هذه الفرص وذلك من خلال توسيع تجمعات خاصة بها ضمن منظمة التجارة العالمية ولجانها الفنية لكي تدافع عن مصالحها وتؤثر في قرارات هذه الجهات. تستطيع الدول النامية العمل على الاستفادة من الفرص التي تقدمها العولمة من أجل استهداف تحقيق مستويات معينة من التنمية لذلك تبرز حاجة هذه الدول الى اتخاذ الاجراءات الكفيلة لضمان اندماج اقتصادي دائم ومتوازن مع السوق العالمي ولكن واقع الحال يبين بأن العديد من هذه الدول تفتقر بالأساس الى مقومات التهيؤ لمثل هذه الترتيبات وظلت على أرض الواقع الفعلي تعتمد على سياسات الاكتفاء الذاتي والمحافظة على سعر صرف ثبت المبالغة فيه وسياسة تعويض أو إحلال للاستيرادات مما أدى في واقع الحال الى تحقيق اندماج غير متوازن مع السوق العالمي. وفي المقابل ومن اجل تحقيق اندماج متوازن مع السوق العالمي فان ذلك يتطلب نموا عاليا في الصادرات ولالتزام ثابت باستمرارية هذا النمو مستقبلا ويمكن تحقيق ذلك من خلال الجمع بين سياسات داخلية وخارجية متكاملة تشجع الاستثمارات الانتاجية طويلة الأمد ممولة بمدخرات يتم استقطابها تبعا لتوقعات بعوائد عالية نتيجة تزايد الكفاءة وذلك نتيجة تطبيق سياسات الاصلاح التي تعمل على تشجيع الصادرات. ان نجاح برامج اصلاح التجارة الخارجية يظل محدودا ما لم يتم التخلص من كل المعوقات الداخلية ذات التأثير السلبي في الاداء الاقتصادي حيث اكدت التجارب على اهمية المحافظة على تخفيض حقيقي لسعر العملة من أجل انجاح الاصلاح في الدول التي لديها عملة مبالغ في قيمتها بينما أكدت تجارب أخرى فشل مشاريع اصلاح التجارة الخارجية في الدول التي ألغيت فيها القيود على الاستيراد في نفس الوقت الذي كانت هذه الدول تعاني من نقص في العملة الصعبة والقيود الصارمة المفروضة عليها. ان فشل بعض الدول في محاولات الاندماج في الاقتصاد العالمي جاء نتيجة كون هذه الدول قامت بتطبيق سياسات تسعى لزيادة حجم الصادرات ولكنها عملت على ابقاء سعر صرف حقيقي مبالغ فيه مما دفع للتأثير على مقدار الطلب على الصادرات وبالتالي خروج هذه الدول من السوق العالمي. هذا الى جانب التأثير على جانب العرض لانه يحول الموارد من قطاع السلع القابلة للتجارة (الصادرات) الى السلع غير القابلة للتجارة بسبب ارتفاع اسعار الاخيرة. في نفس الوقت يؤدي ارتفاع سعر الصرف الحقيقي الى تقليص الاستثمار في القطاعات الموجهة للتصدير. ان الفشل في زيادة الانتاجية ورفع درجة قوة التنافس للصادرات في نظام مفتوح تنتج عنه مشاكل وصعوبات في ميزان المدفوعات تدفع الى تقليص النشاط الاقتصادي وتخفيض معدلات النمو. وبشكل عام فان تحقيق اندماج متوازن في الاقتصاد العالمي لا يتحقق الا من خلال ضمان نمو حقيقي في الصادرات ولا يتحقق الا بمجموعة من السياسات الاقتصادية الداخلية والخارجية التي تشجع الاستثمار المنتج طويل الامد مدعوما بالمدخرات التي يتم استقطابها في ظل توقع معدلات عالية من العوائد تتحقق من كفاءة الاداء الاقتصادي التي يخلقها الاصلاح.