لقد انفض اجتماع الزعماء في قمة الأرض بعد تبني قرارات اعتبرها البعض تاريخية وذلك رغم ما اتسمت به من طابع بروتوكولي، لا يعدو أن يكون إلا مادة للاستهلاك الاعلامي من كلمات ومصافحات وتصريحات لا تسمن ولا وتغني من جوع ولا تتبنى أي سياسات أو حلول حقيقية للمشكلات الاقتصادية والبيئية التي تعاني منها ليس «الأرض» فحسب بل الأرض والجبال والسحاب أيضا، حيث يعتقد بعض المراقبين ان ما تم الوعد به في القمة للدول الفقيرة والأكثر فقرا كالدول الافريقية جنوبي الصحراء مثلا كان أقل من القليل ورغم قلته كان أيضا مقترنا بالعديد من الشروط الصعبة والمرهقة للدول المستفيدة. لعدة سنوات فاق النمو السكاني السنوي النمو الاقتصادي لأغلب الدول الافريقية الأمر الذي أدى الى زيادة عدد الأفارقة الذين يعيشون تحت خط الفقر بما يزيد على الثمانين مليون نسمة ويتوقع البنك الدولي من خلال دراسة حديثة له أن ينضم أكثر من 116 مليون افريقي الى نادي الفقراء في العالم خلال العشرة أعوام المقبلة فقط كما تتوقع الدراسة ان يكون أكثر من 70% من فقراء افريقيا من النساء مما يجعل الأمر أكثر سوءا من وجهة نظر الخبراء الاقتصاديين وناشطي حقوق الإنسان على حد سواء. وترجع الدراسة ارتفاع عدد الفقراء وتفشي ظاهرة الفقر في هذه القارة الغنية بالموارد الطبيعية إلى أسباب عدة منها قصور كفاءة الحكومات وارتفاع نسبة الدين العام وعدم مقدرة السلع والمنتجات الافريقية دخول الاسواق الغربية وكذلك الفساد الحكومي المستشري وهروب رؤوس الأموال والنقود الافريقية الى الخارج واخيرا تفشي الامراض مثل مرض نقص المناعة (الايدز) والنزاعات المسلحة والحروب الأهلية. خلال اجتماعهم الأخير في يوليو الماضي قرر زعماء الدول الصناعية الكبرى المعروفة بمجموعة الثماني الكبار أن يكون التركيز منصبا في هذا المجال على تطوير قطاعي التعليم والصحة اضافة الى محاولة اقرار السلام والأمن وذلك لتحقيق نسب نمو اقتصادي مقبولة في افريقيا، ومن جانبهم فقد اكد الزعماء الافارقة في قمة جوهانسبيرج الاخيرة والتي تم تسميتها بـ «قمة الارض» للتنمية الاقتصادية المستدامة على ضرورة فتح أسواق الدول الغنية في الشمال للسلع الافريقية، ولكن ما فات الجانبين ان يذكروه في هذا المقام في اعتقادي هو الدور الذي يلعبه البون الواسع في معدلات الدخول أي بين معدل دخل الفرد الافريقي ومعدلات دخول الاوروبيين والاميركان في اذكاء وتكريس ظاهرة الفقر المتفشية في القارة السوداء. وفي هذا الجانب تعتقد الغالبية العظمى من خبراء التنمية الاقتصادية ان تركيز السياسات التنموية الدولية يجب أن يكون في المقام الأول على انهاء الفقر وليس على تضييق الفارق الكبير في معدلات الدخل بين الدول الغنية والفقيرة كما تعتقد هذه الطائفة من الخبراء الاقتصاديين ان دعم السياسات التي تحقق معدلات نمو عالية خاصة في الدول الفقيرة والأكثر فقرا هو الحل الوحيد الممكن والمتاح في الفترة الحالية على الأقل للقضاء على ظاهرة الفقر العالمي ومن جانبي أعتقد ان هذا الادعاء مسألة فيها نظر. لا شك ان محاولات تضييق الفجوة في معدلات الدخول في حد ذاته لا تعتبر بديلا عن السياسات التي تدعم معدلات النمو الاقتصادي في الدول الفقيرة إذ ان محاولة القضاء على ظاهرة التوزيع غير العادل في الدخول في أي دولة من الدول لن تحل مشكلة الفقر بل على العكس من ذلك فقد تعمق هذه المحاولة في بعض الاحيان من ظاهرة الفقر وتجعلها اكثر انتشارا فعلى سبيل المثال لنفترض ان دولة من الدول الفقيرة لا يتعدى متوسط دخل الفرد فيها دولارا أميركيا واحد يوميا وهو المعدل الذي تم الاتفاق عليه على المستوى الدولي لتحديد ما يعرف بخط الفقر تعاني من مشكلة التباين الشاسع في معدلات الدخول فيها، ولنفترض مرة اخرى ان بفضل معجزة ما تم القضاء بين ليلة وضحاها على ظاهرة التباين في الدخول مع بقاء متوسط الدخل فيها على حاله وهو دولار واحد في اليوم معنى ذلك ان مشكلة الفقر لم تحل وكل الذي حصل هو انه قد تم توزيع الفقر بشكل عادل بين أفراد المجتمع، ولكن بالرغم من ذلك أي بالرغم من كون مسألة دعم عملية النمو الاقتصادي عاملا مهما للقضاء على ظاهرة الفقر الا ان ذلك يبقى غير كافٍ. غالبا ما يتجاهل خبراء التنمية حقيقة ان التباين الكبير في معدلات الدخول تجعل عملية القضاء على أسوأ أشكال الفقر عملية صعبة جدا وذلك لعدة أسباب منها: أولا: ان نسب التباين العالية في معدلات الدخول من الممكن ان تؤدي الى تباطؤ معدلات النمو المحلية وذلك بسبب تعطيل القوى الانتاجية التي يمثلها الفقراء غير العاملين، وقد أثبتت الدراسات والبحوث التي أجريت في هذا المجال ان الامم التي لا تعاني من مشكلة تباين معدلات الدخول عادة ما تحقق معدلات نمو اقتصادي أعلى من تلك التي تعاني من مثل هذه المشكلة كما ان دورات النمو الاقتصادي فيها أكثر استقرارا، حيث انه خلال الثلاثين عاما المنصرمة تمكنت اقتصاديات جنوب شرق آسيا من تحقيق معدلات نمو تزيد بثلاثة أضعاف عن معدلات النمو في دول أميركا اللاتينية التي تعاني من مشكلة تباين معدلات الدخول المحلية، ولكن وبالرغم من ذلك يجب علينا أن نعترف بأن مشكلة التوزيع غير العادل في معدلات الدخل لا تفسر وحدها التباين في نسب النمو الاقتصادي بين الدول المختلفة ولكنها بالطبع تشكل جزءا كبيرا من التفسير. ثانيا: ان التباين في معدلات الدخل قد يؤثر سلبا على النتائج النهائية للسياسات الداعمة للنمو والتي يتوخى منها في المحصلة خفض نسبة الفقر على المستوى المحلي وذلك حتى لو نما دخل الطبقة الأكثر فقرا في المجتمع بنفس معدل النمو العام، ففي البرازيل على سبيل المثال يحصل أفقر5% من السكان على 2.5 فقط من الناتج القومي الاجمالي في حين يحصل أفقر 5% من السكان في اندونيسيا على ما يزيد على 10% من الناتج القومي الاجمالي واذا افترضنا ان اقتصادي البرازيل واندونيسيا حققا نفس معدل النمو فان معدل دخل أفقر 20% من الاندونيسيين سيتضاعف أربع مرات أكثر من زيادة دخل أفقر 20% من البرازيليين وهو القول بأن توزيع الدخل الاكثر عدلا يجعل النمو الاقتصادي أكثر فائدة للطبقة الأفقر في أي مجتمع. ثالثا: ان التوزيع غير العادل للدخل القومي في الدول النامية عادة ما يكون مصحوبا بزيادة في نسبة الجرائم وأعمال العنف وعندما يكون توزيع الدخل على أساس طبقي أو طائفي فإنه غالبا ما يؤدي الى النزاعات المسلحة كما هو الحال في افريقيا مثلا، وقد قدرت دراسة للبنك الدولي ان الحروب الاهلية في افريقيا تؤدي الى خسارة ما يعادل 2% من النمو في الناتج القومي الاجمالي سنويا هذا بالطبع عدا عن خسارة آلاف الارواح البشرية والتي لا تقدر الواحدة منها بأي ثمن مهما كان عاليا. إن السبب الرئيسي في اعتقادي لعدم اعطاء هذه الظاهرة الخطيرة (ظاهرة التباين الواسع في معدلات الدخل بين الفقراء والاغنياء على المستويين المحلي والدولي) سواء من قبل الخبراء الاقتصاديين أو أصحاب القرار من السياسيين يرجع الى اعتقاد الغالبية منهم الى ان ذلك من آثار العولمة الاقتصادية التي لا يمكن تجنبها أو حتى تقليل صداها على الفئات المتأثرة بها، في حين يعتقد القليل من الاقتصاديين ان ازدياد الهوة بين الاغنياء والفقراء ستؤدي في النهاية الى نتائج وخيمة كما يعتقد عدد اقل من الخبراء ان هذه الظاهرة يمكن تجنب آثارها المدمرة أو على الاقل تخفيف حدتها على الدول الفقيرة وعلى الطبقة الأفقر في هذه الدول. ولكن التاريخ الحديث لمعظم الدول الصناعية يثبت ان هذا الاعتقاد غير دقيق (أي ان التباين في معدلات الدخل لا يمكن تجنبه في ظل العولمة)، حيث انه وبالرغم من ان العولمة قد تؤدي الى زيادة الهوة بين الفقراء والاغنياء فان السياسات الحكومية قد تساعد على تجنب هذه التأثيرات السيئة لها، فمن عام 1977 حتى عام 1997 ازدادت الفجوة بين الفقراء والاغنياء في كل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ونيوزيلندا ولم يطرأ أي تغير عليها في كندا في حين ان الفجوة ضاقت في فرنسا، وفي كل هذه الدول التابعة لمنظمة التعاون والتنمية التي تضم معظم الدول المتقدمة التي تعرضت لنفس قوى العولمة الاقتصادية كانت النتائج فيها متباينة، من وجهة نظري فان السياسات الحكومية هي التي سمحت للفجوة في الازدياد في الولايات المتحدة وبريطانيا ونيوزيلندا وهي التي أوقفت اتساع الفجوة في كل من كندا وفرنسا، ونفس الحكم ينطبق ايضا على الدول النامية أي ان السياسات الحكومية يمكن ان تساعد في تقليل تأثير العولمة على ظاهرة التباين في معدلات الدخل فيها، حيث ان الفرق الواضح لتأثير العولمة في كل من دول جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية يرجع الى السياسات الحكومية المتبعة في كل دولة من تلك الدول وليس الى قوى السوق العالمية كما هو متصور من قبل الكثير من المراقبين. وفي المحصلة اعتقد بأن الرسالة التي أحاول ايصالها من خلال هذه السطور قد وضحت الآن وهي ان العوامل السياسية والفرق الكبير وغير العادل في توزيع الثروات سواء على المستوى المحلي بين افراد المجتمع الواحد أو على المستوى الدولي بين الدول المختلفة النامية منها والمتقدمة ليست من تأثيرات العولمة الاقتصادية التي يمكن تجنبها أو تقليل آثارها بل على العكس من ذلك تماما كما ان أي محاولة لتضييق الهوة بين فقراء العالم وأغنيائه ستؤدي بالضرورة الى زيادة الفائدة من النمو الاقتصادي وخاصة للفقراء الذين يعيشون في الدول الفقيرة أي افقر الفقراء والتي يجب ان تكون الهدف الاساسي والبند الاول على جدول أعمال أي قمة للارض في المستقبل