لقد تناولنا في الحلقتين الماضيتين دوافع الفرد للاقتراض من المصارف التجارية في ظل مجتمع تتفاقم فيه النزعة الاستهلاكية ثم تناولنا السياسة الاقراضية للمصارف، التي تعزز من تلك النزعة الاستهلاكية، وأشرنا إلى معدلات الاقراض التي تسير في الاتجاه التصاعدي حتى أضحت القروض الشخصية تشكل ظاهرة ذات معالم واضحة لها تأثيراتها على الوضع الاجتماعي والاقتصادي. وحينما نتناول الطرف الآخر أي جهة الاقراض، فإننا نجد ان المصارف التجارية تسعى إلى تحقيق أهداف معينة ولها أسبابها ودوافعها ولقد كانت البيئة التجارية والاقتصادية والاستهلاكية قد شجعت المصارف التجارية في تحقيق أهدافها هذه والتي غالبا ما كانت على حساب الفرد والاسرة والمجتمع، وبما فيهم المجتمع الاقتصادي. دوافع المصارف للاقراض الشخصي إذا كانت المصارف التجارية في الامارات قد قامت بتوسيع قروضها الاستهلاكية واغراق شريحة معينة من العملاء في بحر من الديون فإنها في الوقت ذاته قد قدمت قروضا وتسهيلات مصرفية لشريحة أخرى قد استفادت من هذه القروض في بناء مساكن لأسرها، أو شراء احتياجات اساسية لهم ولأسرهم، ولكن في الوقت ذاته تبقى هناك دوافع وأسباب تجعل المصارف أكثر توسعا في سياستها الاقراضية لتشمل مختلف شرائح المجتمع بما فيها أولئك الذين يقترضون بقصد الاستهلاك البذخي أو الرغبة في التميز الاجتماعي. وهنا نحدد هذه الدوافع والأسباب فيما يلي: 1 ـ العددية الضخمة في المصارف التجارية الذي وصل عددها إلى 46 مصرفا في نهاية ديسمبر 2001 منها 20 مصرفا وطنيا ثم التوسع في فروع هذه المصارف ليصل عددها في نهاية الفترة إلى 433 فرعا ومكتب صرف منها 324 فرعا ومصرفا وطنيا وهذا التوسع مقابل عدد سكان الامارات يعتبر كبيرا خاصة وان غالبية هؤلاء السكان وهم من العمالة الوافدة لا يتعاملون مع هذه المصارف إلا من خلال التحويلات الشهرية على الرغم من ان محلات الصرافة تقوم بهذه العمليات. ومن الطبيعي أن يترتب على وجود هذه العددية الكبيرة تنافسا حادا وغير طبيعي على العملاء عامة والعملاء الراغبين في الاقتراض أكثر من العملاء المودعين، وهذا التنافس الحاد قد فرض على المصارف العاملة في الدولة ومن خلال اغراءات التسهيلات والفوائد ومزايا القروض التي تعلنها من خلال الصحافة ووسائل الاعلام الاخرى قد فرض عليها التوسع في حجم القروض الشخصية لضمان استمرارية عملائها واقتناص المزيد منهم، ففيما يرفض مصرف ما عن تقديم تسهيلات ما فان هناك مصارف على استعداد تام لتقديم هذا التسهيل وهكذا تصبح المصارف شريكة في احداث مشكلة اجتماعية وأمنية واقتصادية وربما أخلاقية. 2 ـ إن منافسة الحكومة الاتحادية، وكذلك الحكومات المحلية للقطاع الخاص عامة والقطاع المصرفي خاصة في منح تسهيلات مالية لأصحاب المشاريع أو تمويل مشاريع الأفراد مباشرة أو قيامها بتمويل مشاريعها مباشرة دون اللجوء للمصارف قد قلل من فرص الاقتراض لدى المصارف في الدولة وقلص من قنوات الاستثمار لدى هذه المصارف الأمر الذي دفع هذه المصارف إلى التوسع في القروض والتسهيلات الشخصية ولا سيما تلك القروض بقصد الاستهلاك. 3 ـ غياب استراتيجية التنمية الاقتصادية في الدولة وعدم تحديد دور للقطاع الخاص بما يحتويه من مصارف وعدم قيام الدولة بمسوحات عن الفرص الاستثمارية قد دفع هذه المصارف أكثر نحو تقديم قروض شخصية بقصد الاستهلاك خاصة لذوي الدخول الثابتة وذلك لرغبتها في تدوير رؤوس أموالها واستثمار ودائعها والسيولة الضخمة لديها خاصة عندما تنخفض الفائدة على الودائع في الأسواق العالمية، وقد وجدت هذه المصارف ضالتها في توسيع قروضها لذوي الدخول الثابتة والمتكررة (رواتب وأجور) لموظفي الدولة خاصة ولموظفي القطاع الخاص عامة وذلك دون توظيف هذه السيولة في دعم مشاريع التنمية وتدويرها في النشاط الاقتصادي وتمويل مشاريع استثمارية غير معروفة حتى لو كان في ذلك تجاوزا للمعايير والاعتبارات الاجتماعية ويعزى ذلك لغياب التنوع في المشاريع. 4 ـ نظرا لكون المصارف التجارية مؤسسات ربحية فإنها ومن خلال توسع اقراضها الشخصي وخاصة بقصد الاستهلاك تسعى إلى تحقيق أهدافها حتى لو كان ذلك على حساب الفرد والاسرة والمجتمع منها: أ ـ تحقيق أرباح قياسية لتعزيز وضعها التنافسي في الساحة المصرفية ورفع قيمة أسهمها في السوق المالية وربما يصل عائد بعض القروض الشخصية لأكثر من 15%. ب ـ تحقيق نمو اقتصادي للبنك حتى لو كان ذلك على حساب الفرد والمجتمع. وعلى الرغم من امكانية المصارف العاملة في الدولة من تحقيق هذين الهدفين دون الاضطرار الى التسبب في وجود مضاعفات وانعكاسات خطيرة على الفرد والاسرة والمجتمع فان هذه المصارف وفي ظل احتدام المنافسة والتسابق على اقتناص العملاء لا تتوانى من استخدام كل أساليب الجذب حتى لو اشتملت على أساليب التحايل المرفوضة قانونيا في سبيل تحقيق هدفيها!! 5 ـ لما كان معظم المدراء والمسئولين التنفيذيين والمدراء في المصارف التجارية العاملة في الامارات هم من الوافدين فإنهم وفي اطار سعيهم لتحقيق نمو قياسي في أرباح المصارف أو الفروع التي يديرونها فإنهم لا يترددون في توسيع قروضهم الشخصية على الرغم من معرفة هؤلاء المدراء في كثير من الأحيان بتداعيات وتأثيرات هذا التوسع غير المدروس على الفرد والمجتمع، فهناك الكثير من هؤلاء المدراء لا يعنيهم هذا الأمر ويسيرون في تحقيق أهداف البنك وذلك من منطلق شخصي بحت وهو اما تثبيت أوضاعهم الوظيفية وتعزيز وجودهم في البنك والحصول على منصب أعلى أو بهدف الحصول على نسبة من الأرباح التي يحققها للبنك (بونص) حتى ولو كان ذلك على حساب المجتمع، وإذا ما تعرض البنك لأي مشكلة فانه لا يتردد في ترك هذا البنك والانتقال إلى بنك آخر أو حتى العودة إلى موطنه الأصلي بعد تحقيق أهدافه الذاتية وأهداف البنك قبل أن يغادر مكتبه وبعد أن يكون قد ترك مشاكل حقيقية للفرد والمجتمع الاماراتي!! 6 ـ إن العائد المتحقق من القروض الشخصية الاستهلاكية يفوق كثيرا تلك العوائد الربحية المتحققة من القروض التجارية والعقارية والتسهيلات المصرفية الأخرى، خاصة وان سعر الفائدة على القروض الشخصية أكبر من سعر الفائدة على القروض التجارية والعقارية التي عادة ما يخضع سعر الفائدة فيها للمفاصلة ويضطر البنك في كثير من الأحيان للتنازل بغية التمسك بالمقترض لتوظيف أمواله حتى لو كانت التكلفة محدودة. 7 ـ تتسم القروض الشخصية ولا سيما الاستهلاكية بأنها ذات استمرارية وديمومة وعلى مدار العام فضلا عن كونها تقدم لشريحة كبيرة من الناس وغالبية المدينين تدفعهم الظروف في كثير من الأحيان إلى تجديد قروضهم لأكثر من مرة. الآثار السلبية للقروض الشخصية إن وجود مصارف تجارية في أي دولة يعد أحد مظاهر التطور الاقتصادي والتجاري والحضاري لمجتمع تلك الدولة لكونها تشكل حاجة ضرورية في المجتمع الاقتصادي وفي توفير السيولة اللازمة للمشاريع التنموية، ولكونها وعاء استثماريا ووسيطا ماليا بين أولئك الذين يملكون مالا يرغبون في الاستفادة لدى هذه المصارف، وأولئك الذين يحتاجون لسيولة لتنفيذ مشاريعهم التجارية والاستثمارية وكذلك تلبية الاحتياجات الاستهلاكية التي يرغبون فيها وبالتالي من الطبيعي أن يلجأ الافراد لهذه المصارف (الوسيط) لتحقيق رغباتهم وأهدافهم وترجمة أحلامهم أيضا، ولكن حينما تأخذ القروض الشخصية لأغراض استهلاكية بعدا توسعيا دون دراسة لأوضاع وقدرة المقترضين وتشكل بالتالي معضلة حقيقية للفرد وبالتالي لأسرته، ثم للمجتمع ومؤسساته تتحول هذه القروض إلى خطر حقيقي يتطلب من الجهات المعنية التدخل المباشر لمعالجته والحد من تفاقمه كي لا يحصد الفرد والاسرة والمجتمع وهنا نتطرق إلى آثار وتداعيات ظاهرة القروض الشخصية على الفرد والأسرة والمجتمع. أثر القروض الشخصية على صعيد الفرد 1 ـ إن تجاوز الفرد للحد المعقول من القروض الشخصية من منطلق الرغبة في تحقيق رغباته الاستهلاكية وبالتالي عدم قدرته على السداد يعرضه لمساءلة قانونية وربما يصل به الأمر إلى السجن ويترتب على ذلك فقدانه لمصداقيته وحريته وكرامته في المجتمع. 2 ـ إن القروض الشخصية فيما اذا تجاوزت الحدود المعقولة، تعرض الفرد للقيام بتجاوزات قانونية في عمله كقبوله لرشوة ما أو يقوم بسرقة المال العام أو الخاص وهنا تتم معاقبته وسجنه وفقدانه لوظيفته فضلا عن حكم المجتمع عليه بأنه لص فيصبح منبوذا في المجتمع. 3 ـ تعتبر القروض الشخصية كما قيل «هم بالليل وذل بالنهار» حيث تشكل ضغطا نفسيا شديدا على الفرد وبالتالي الأسرة ويخالج الفرد شعور بالقلق والتوعر والرغبة في الانزواء وتدفعه للكذب والنفاق من أجل تحسين صورته أمام الغير أو استجداء الغير من أجل الحصول على مساعدة مالية ولعل هذه الحالة النفسية تنعكس مباشرة على قدراته الصحية والرغبة في الانتاجية. 4 ـ تعتبر القروض الشخصية أحد العوامل الأساسية في حدوث أمراض اجتماعية خطيرة للفرد كالانحرافات ولا سيما لدى الشباب، والادمان على الكحول والمخدرات بغية الرغبة في تغييب الذات أو تناسي وضعه النفسي بسبب الآثار التي خلفتها تلك القروض. 5 ـ إن تعرض المدين لعدم القدرة على سداد قروضه بعد أن أصبح مدمنا لها وبالتالي تخلفه عن سداد الاقساط الشهرية تتسبب في تراكم الفوائد المحتسبة على الدين وفي هذا الحال قد تدفعه الظروف إلى بيع مسكنه أو سيارته أو ممتلكاته الخاصة أو ممتلكات أسرته بسعر قليل ليتمكن من سداد قرضه أو بعض الاقساط المتأخرة كي يتجنب السجن الذي يعني خسارته لوظيفته ولأسرته أيضا