يثير المشروع الذي طرحه وزير المال فؤاد السنيورة قبل أيام لموازنة العام 2003 في لبنان موجة «تقليدية» من ردود الفعل السياسية والاقتصادية والمالية والشعبية، بين مؤيد لمضمونه، أو معارض، أو متحفظ يطالب بتغيير من هنا، أو بتعديل من هناك. لكن السنيورة يؤكد لـ «البيان» ان الموازنة الجديدة المقترحة هي أفضل ما انجز في لبنان على هذا الصعيد منذ مطلع الاستقلال الوطني عام 1943 حتى الان، وانها: «محطة مفصلية تاريخية، وفرصة ذهبية، وهي أشبه ما تكون بمضادات حيوية للواقع»، كما يقول مضيفا انه: «من الطبيعي ان تتعرض لقدر كبير من الانتقادات، لكن نأمل ان تبقى في اطار موضوعي». ويسجل وزير المال في اجوبته على التساؤلات التالية المطروحة حول الموازنة الجديدة خاصة، والوضع المالي والاقتصادي العام في البلاد بصورة شاملة، بعض المواقف الاساسية ومنها قوله: ـ الادارة في القطاع العام بحاجة الى اصلاح، لكن هذا لا يتحقق بانقلاب أو بثورة. ـ صحيح اننا انصفنا موظفي القطاع العام، لكن انفقنا عليهم من خزينة الدولة. ـ أية ضريبة حاليا على الودائع خطأ مميتا. ـ لدينا أربع طرق لمعالجة الازمة الاقتصادية ـ المالية من عناوينها: انفاق مخفوض، واردات اضافية، تعزيز دور القطاع الخاص، وترشيد حجم القطاع العام. ـ هناك مشروع لخفض راتب النائب الشهري من 12 مليون ليرة، والوزير من 8 ملايين. ـ خطأي الوحيد في الحكم انني لم أكن قاسيا بالشكل الكافي. يبدأ الوزير السنيورة كلامه بالقول: «من الضروري ان نفكر معا بصوت عال لاسيما اذا كان موضوع الساعة هو مشروع موازنة عام 2003 الذي هو في غاية الأهيمة، ويشهد نقاشات حامية وباردة في ان معا، خصوصا في بلد مثل لبنان حيث الاراء كثيرة ومتعددة لما تمثله الديمقراطية فيه من مساحة كبيرة، وأهمية الموازنة تأتي من أهمية دور الدولة المتزايد في الاقتصاد الوطني، ولذلك فان الموازنة تلعب دورا هاما على هذا الصعيد ويجب بالتالي ان تحظى بالاهتمام والحوار». عن أهمية مشروع موازنة العام المقبل، خاصة لجهة النواحي التي تتميز بها عن ميزانيات الاعوام السابقة يقول: «لعل أهميته الاساسية تكمن في ان هذا المشروع الجديد يشكل من الناحية العملية حركة مفصلية في تاريخ لبنان الاقتصادي الحديث، وهي من الطبيعي ان تكون مفصلية في هذه المرحلة بالذات وتأتي على مسارات عدة جرى طرحها منذ سنوات عدة، ولكن لم يكن هناك استعداد لدى المجتمع اللبناني لتقبل السير على هذه المسارات. والان أصبح الامر متاحا أكثر من الماضي بنتيجة التطورات التي حصلت حيث باتت الاغلبية مقتنعة بضرورة حصول التغيير، والقيام بخطوات لمعالجة المشاكل الاقتصادية والمالية والاجتماعية». لماذا كبر الدين العام؟ ـ ما هي أبرز المشاكل التي تتطلب معالجة نوعية تصل الى حد التغيير، وكيف يمكن قراءتها حسب الاولوية؟ ـ يجيب وزير المال: «الواقع انه تظهر امامنا مشكلات كثيرة منها، موضوع العجز في الموازنة الذي يعود الى العام 1975، وتراكم الحرب ونتائجها المدمرة، وكذلك من جراء عملية الخروج من هذه الحرب وتكلفة هذه العملية من الناحية المالية، فالانفاق الذي حصل لم يقتصر فقط على اعادة بناء البنية التحتية بما يسمى الانفاق الاستثماري بل تعداه بكثير وكان الأكثر على الروابت والاجور والانفاق الاجتماعي والصحي. وهذا كان ضروريا وبالتالي كان حجم الدولة يزداد في الاقتصاد على حساب دور القطاع الخاص. ومع كل هذه السنوات التي تلت الحرب كان لبنان يسجل مزيدا من العجز والموازنة انعكس زيادة مضطردة في حجم الدين العام. ولكن بنظرة شمولية وواضحة نجد ان ثمة مسارات لا غنى عنها على الاطلاق لمعالجة هذه المعضلات القابلة للحل وهي: ـ تخفيض الانفاق. ـ زيادة الواردات. ـ زيادة أهمية دور القطاع الخاص في العملية الاقتصادية. ـ ترشيد حجم القطاع العام، وتخفيضه، زيادة انتاجية الاقتصاد وقدرته التنافسية. الى جانب أمور مهمة كعملية التخصيص والتسنيد وحساب الدين التي صدرت بقوانين. فهذه الاجراءات تسمح بمعالجة المشكلات المالية الاقتصادية، المطروحة، لاسيما اذا نظرنا الى حجم الرواتب والاجور والمعاشات التقاعدية التي تشكل 3400 مليار ليرة من حجم الموازنة وكذلك كلفة الدين البالغة 4000 مليار ليرة والباقي 1000 مليار ليرة للانفاق الاستثماري وباقي أبواب الانفاق الاجتماعي والصحي. وكانت نفقات التقاعد وتعويضات الصرف تتصاعد بشكل كبير منذ العام 92 من 133 مليار ليرة الى 1000 مليار عام 2003. كذلك فان التمركز في خدمة الدين العام حصل بسبب ارتفاع الفوائد ومن تصاعد العجز في الموازنة وكذلك الزيادة في حجم الدين العام. ونعلم تماما ان الفائدة ترتبط بكلفة المال والمخاطر وهي نسبة متفاوتة بين بلد وآخر. تخفيض تدريجي للفوائد ـ لكن المطلوب دائما على مستوى الاستراتيجيات المالية والاقتصادية للدول تخفيض هذه الفوائد. لكن هذا لم يحصل في لبنان، لماذا؟ ـ يوضح السنيورة ذلك بقوله: «خفض الفوائد هو مطلبنا جميعا، وذلك لا يمكن ان يتحقق الا بتغيير الاوضاع الاقتصادية، وقلب الاجواء السائدة الى اجواء مؤاتية وليس عن طريق العصا وبقرارات يأخذها وزير المالية أو الحكومة أو أي كان، بل عن عوامل ناجمة عن السوق، وعندما يتغير التصنيف الائتماني للبنان من قبل مؤسسات التصنيف الدولية والمؤسسات المالية والمودعين عندها تنخفض معدلات الفائدة. الى جانب ذلك، نحن نسعى في موضوع الفائدة لدى الاصدقاء والاشقاء للحصول على معونة لتمويل جزء من الدين العام بمعدلات أقل، الامر الذي سينعكس على معدلات الفائدة هبوطا ما يترك ايجابيا على حركة الاقتصاد ككل. وبالتالي ينبغي علينا ان نأخذ بكل هذه الاجراءات كسلة واحدة عبر مسارات منها انية، ومنها في المدى المتوسط المنظور، لنضع المالية العامة على المسار الصحيح لزيادة الانتاج والانتاجية والقدرة التنافسية للاقتصاد». ـ لماذا لم تطرح مثل تلك الاجراءات التي يتضمنها مشروع الموازنة الجديدة قبل الان؟ ـ يرد الوزير السنيورة: «ان كل ما له علاقة بخفض الانفاق كان قد طرح في الماضي لكن لم يكن هناك استعداد لدى الشعب اللبناني عبر ممثليه لهذه الاجراءات وكذلك فيما يتعلق بزيادة واردات الخزينة. فموضوع زيادة رواتب الاجور في القطاع العام شهد نقاشات على مدى أربع سنوات وكلفته تتعدى 500 مليار ليرة سنويا، من دون الاستطاعة بتدبير التمويل اللازم لها، وكنا نتحدث دائما على ان كل نفقة اضافية يجب ان تقترن بتمويل، وكان هناك رفض لأي عملية تمويل لهذا الموضوع. فقد انصف العاملون في القطاع العام وهذا ضروري، ولكن وضع العبء على الخزينة وتراكم هذا العبء بنتيجة هذا الانفاق. ومن جهة اخرى، كنا نتحدث عن انه اذا اردنا ان نحمل الشعب اللبناني هذا العبء يجب ان نقدم له خدمات اضافية ونوعية، ولكن هذا لن يحدث اذا لم تتم الموافقة على زيادة ساعات العمل الذي ورد كمادة اصلاحية في مشروع سلسلة الراتب والرواتب، ووجدت الطريق عبر اللجان النيابية لكنها اوقفت في الهيئة العامة للمجلس النيابي، وعام 1999 وبدلا من ان نخطو خطوة اضافية لتلافي المشاكل اضرب المعلمون بهدف زيادة رواتبهم ورضخت الحكومة امام مطالبهم وتم اعطاؤهم بدلا ماليا، الان هم يطالبون بدمجه بالراتب ويكلف 60 مليار ليرة، وهناك موضوع ساعات التناقص للاساتذة انه كلما زاد الاستاذ خبرة وسنوات في التعليم تتناقص ساعات عمله من دون ان يتناقص راتبه. خفض رواتب النواب والوزراء ـ لماذا تبرز قلة ثقة المواطن بالدولة بشكل اكثر حدة كلما طرحت عليه مشروعا ماليا؟ اليس من حقه ان يسأل اين تذهب الاموال وكيف؟ وهل هو على حق في مطالبته بوجوب تحقيق اصلاح اداري شامل؟ - يجيب وزير المال بقوله: ان موضوع الاصلاح الاداري شكل مطلبا في لبنان على مدى تاريخه، فاسباب فقدان الثقة بين المواطن والدولة تعود إلى حقبات تاريخية من ايام الحكم العثماني، ومن ثم الاستعمار الفرنسي حيث كان الرفض السمة السائدة للسلطة المستبدة، وصار موضوع الاصلاح هاجسا ولكن تركيبة لبنان السياسية والاجتماعية ومكوناته الثقافية تجعله عصيا على فكرة الاصلاح، فالعملية هي عملية مسار عقلي يجب ان تتبلور ضمن مفاهيم الحداثة والعصرية وفكرة القبول. ومن هنا فان موضوع الكفاءة لم يأخذ حيزا اساسيا في الادارة نتيجة للواقع السياسي ونأخذ مثلا مراكز الفئة الاولى التي توزع طائفيا بغض النظر عن الامكانات والكفاءات، فعملية تجنيب التدخلات السياسية تحتاج إلى مسار مرتبط بالوعي والادارة في الاصلاح. لاشك انني اهتم كوزير للمال بعشرين الف موظف في القطاع العام، لكن اهتمامي الاكبر يبقى بثلاثة ملايين ونصف مليون لبناني، فالهم هو ارضاء هؤلاء، فلا يمكن ان نتوقع انقلابات في الادارة أو ثورة، فالقضية كما ذكرت قضية مسار لتحقيق عملية الاصلاح مع التذكير ان هناك انجازات تحصل. لقد تلقيت كتابا من اعضاء بعثة صندوق النقد الدولي يشيدا بالتقدم الممتاز الذي حصل في ضريبة القيمة المضافة وتحديث الجمارك، واعتبر ان لبنان نموذجا في الشرق الاوسط يحتذى به، فمن جهتنا هناك انجازات على مستوى تحسين الاداء والخدمة للمواطنين اعلنا عن اكتمال اعمال المكننة في الدوائر العقارية في المتن بعد بيروت، وبعد اسبوعين ينتهي العمل في دوائر بعبدا وبعد شهرين في صيدا، هذه الامور توفر الكثير من المعاناة «والذل» على المواطنين. وفي هذا المجال يهمني ان الفت الى ان راتب النائب هو 12 مليون ليرة مع التعويضات والوزير 8 ملايين ليرة والنائب يستمر بتقاضي راتبه خلال التقاعد اما الوزير فلا يتقاضى اي تعويض او راتب، ولفت الى ان هناك مشروعاً لتخفيض معاشات النواب والوزراء. ولكن هذا ليس وارداً في الموازنة لأنه لا يحق لي او للسلطة التنفيذية التدخل في معاشات النواب كونهم سلطة تشريعية، وهناك مبدأ الفصل بين السلطات، ولكن هناك اقتراحاً موجهاً للوزراء بتخفيض رواتب المستشارين من 30 الى 50% وهناك مشروع قانون يتم التداول به لتخفيض التعويضات في الانفاق العسكري. هناك من يسألني اني اخطأت خلال السنوات الماضية في الحكم، فاجيب ان خطأي يتمثل بأنني لم اكن قاسياً بما فيه الكفاية مع كل الفقراء لجهة الانفاق والواردات». الدين ليس سرقة وهنا يرد الوزير السنيورة على نقطة اساسية تتعلق بالاصلاحات المنشودة واعمال الرقابة وما شابه، فيرد على سؤال حول مدى صحة ما هو شائع من ان الديون المتراكمة على الدولة تعني ان سرقات قد حصلت للمال العام في التلايمات والصفقات والمشاريع، وما شابه، فيقول: «للأسف ان لدينا في لبنان، بسبب بعض الشواهد والحالات ميلاً نحو الظن ان الدين ناتج عن السرقة وهذا غير صحيح. وكذلك لدينا ميل ان الضرائب لا يدفعها الا اصحاب الدخل المحدود وهذا غير صحيح ايضاً. واعطي مثلاً: «خلافاً لمعظم دول العالم، فالمتقاعد عندنا لا يدفع اية ضريبة على معاشه. وعن موضوع توزيع الاعباء نرى ان الايرادات الضريبية تشكل 77% من مجمل واردات الخزينة موزعة كضرائب على الدخل والراتب على الاستهلاك والجمارك وضرائب الدخل على الرواتب والاجور التي هي فوق المليون ليرة. وغالبية مدخول ضريبة الدخل تأتي على الشركات والرقم سيزداد بنتيجة فرضها بطريقة افضل ولدينا مجالات كبيرة حتى يكون التهرب منها اقل. اما الضرائب غير المباشرة وفي موازاة الاعتقاد السائد ان الضرائب المباشرة عادلة وغير المباشرة غير عادلة، اخذنا بعين الاعتبار خلال تطبيق الضريبة المضافة طريقة توزيع المداخيل لدى اللبنانيين بالنظر الى سلة السلع والاستهلاك بحسب مرتباتهم الاستهلاكية، فنرى ان السلع التي يستهلكها صاحب الدخل المحدود لا تشملها الضريبة المضافة وهي حوالي 80% من السلع. بينما التي يستهلكها اصحاب الدخل المرتفع تشكل 20% والباقي خاضعة للضريبة المضافة، اما الضريبة على الميكانيك فهي طفيفة جداً وتأتي من ضمن ضريبة استعمال الطريق وهي تتفاوت بين السيارة القديمة والجديدة». ضريبة الفوائد خطأ ـ لماذا لا تتم فرض ضريبة على الفائدة في مشروع الموازنة الجديدة؟ ـ يجيب السنيورة: أنا وزير للمالية ولست مشرعاً، وهذا من اختصاص مجلس النواب فيما يتعلق بالتشريع، ولكني اقول انه من الخطأ الكبير ادخال الضريبة على الفوائد الان لأنه سيولد انطباعاً يؤثر سلباً في هذه المرحلة وكأن الدولة ستضع يدها على ودائع الناس. فإذا كان باستطاعتي فرض نصف بالمئة ضريبة على الودائع افرضها على الفوائد ومخططي هو ان موضوع الضريبة على الفوائد يجب ان يأتي في سياق مناخ اقتصادي ومنظور مستقبلي مرتاح حتى يشعر المواطن او المودع ان هذا الامر هو من ضمن الاجراءات العادية وليس من ضمن الاجراءات الاستثنائية او كرسالة، فعندما زاد التشنج في البلاد والكلام حول تخفيض العملة والتضخم شهدت الاشهر الاولى من العام نمواً بحدود الصفر، لأن الودائع هربت بسبب المخاطر، لذلك من الخطأ المميت فرض ضريبة على الودائع الان، وليبقى الهم هو كيف اخفض الفائدة، وهذا يأتي من ضمن مناخات مؤاتية، ويبقى ان مخططي الضريبي واضح فعام 2002 هناك تطبيق افضل لضريبة الدخل على الاجور والرواتب وادخال الضريبة على الدخل الموحد في لبنان عام 2004. فالوزير السابق جورج قرم استطاع ان يخفض الفائدة لكنه لم يستطع على مدى 18 شهراً الاستمرار في التخفيض، لأنه لم يكن باستطاعته، وانا مكانه لن استطيع ذلك ايضاً، فهناك حاجة دائمة لتمويل الاقتصاد ولظروف مستقرة للنظر بموضوع الفائدة والذي يعود للسوق وحده تحديد عملية تخفيضها. ـ ورداً على سؤال حول الجانب الانفاقي الاستثماري في موازنة العام الجديد يجيب بقوله: «إن تخفيض الانفاق الاستثماري في الموازنة سيعوض عنه بما هو مدور والقروض الميسرة لآماد طويلة وبفوائد مخفضة وهي لمشاريع في كل المناطق اللبنانية، وزيادة الواردات المقترحة ادت الى كسر هالة الشك واليأس في البلد، اذن العملية ليست مراهنات بل الامور مرتبطة بقوانين حقيقية مثل التخصصية، اضافة الى مؤتمر باريس 2 وانعكاسه على مستوى الفوائد، ونحن لم نقل يوماً ان حل مشاكلنا يكمن في باريس ولا بأي عاصمة اخرى، فالحل عندنا في لبنان علينا ان ننجز الـ 90% من العمل ويبقى 10% على الاتصالات مع الاصدقاء والاشقاء، وليس شيراك وحده هو الذي اشاد بما تقوم به الحكومة فالبنك الدولي ذكر ان لدينا وضعا صعباً وما تعملونه قابل للتحقيق، وهذا الكلام قاله فريق البنك الدولي للرئيس اميل لحود وللرئيس رفيق الحريري. الموازنة قدمتها الى الناس، ولعلها اكثر الموازنات التي اقتنعت بها وهي بمثابة المضادات الحيوية، ستتعرض لبعض الانتقادات وهذا طبيعي، وهي مبنية على فوائد متكاملة، لا يمكن ازالة اي واحد منها. انها فرصة ذهبية فلنستفد منها».