يحدق مصرفي سعودي امام مكتبه في الجدار الخالي الذي كانت من قبل تزينه صورة ملتقطة من طائرة لبرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك. لم يكن نزع الصورة سوى محاولة متواضعة للتعامل مع التوترات في العلاقات الاميركية العربية التي ادت الى تراجع التجارة والسياحة وبرامج تبادل البعثات التعليمية في اعقاب هجمات 11 سبتمبر الماضي على نيويورك وواشنطن. ويقول مصرفيون ومحللون ان الخوف من ان يتحول اي مستثمر عربي لكبش فداء في اطار الحملة الاميركية لملاحقة «اموال الارهاب» قد يقوض ما كان يراه من جاذبية خاصة كانت تتمتع بها الاصول الاميركية من قبل. وقال مصرفي اميركي مخضرم مشيرا الى الاثرياء المصريين والسعوديين وغيرهم في مختلف ارجاء المنطقة «هناك تنام للكراهية وافتقار للثقة من الجانبين اذا لم يعالج قد يتحول الى كارثة في المرحلة التالية»، لكنه اضاف «حتى وانت تقول ذلك لا تملك سوى التساؤل عن اين يمكن ان يجد العرب ما يحصلون عليه الان». وبدأت تتردد في مجالس الادارات والمكاتب نبرة الاحباط ذاتها التي عبر عنها متظاهرون تدفقوا على شوارع العواصم العربية احتجاجا على السياسات الاميركية التي يعتبروها منحازة لاسرائيل ومعادية للعرب. والتباعد المنتشر على مستوى الانسان العادي هو ما يقلق بعض المسئولين الاكثر تعمقا في المنطقة. ويقول الامير عبد الله بن فيصل بن تركي ال سعود رئيس الهيئة العامة للاستثمار في السعودية «آمل ان تنتهي فترة الطواريء التي تخرج الناس عن رشدهم ويعود التعقل ليسود.. الوضع يكون بالغ الصعوبة في اوقات الازمات». ويقول الخبراء انه رغم تداعيات هجمات سبتمبر الا ان حقائق اسس الاعمال جعلت العديد بالفعل يفكرون بتعقل في العلاقات الاميركية. وقال احمد نظير مدير عام بنك البحرين الدولي وهو بنك للمعاملات الخارجية تتداول اسهمه في بورصات البحرين والكويت وعمان «لا اعرف من الذي يقود الاخر.. هجمات 11 سبتمبر ام الاقتصاد الاميركي». واضاف «هناك كذلك سلوكيات كثيرة دفعت اليها عوامل اقتصادية»، مشيرا الى ان البنك بدأ يشعر بوطأة تباطؤ الاقتصاد الاميركي الذي بدا في النصف الاول من عام 2001. وقال نظير انه قبل 11 سبتمبر علقت خطط جمع الاموال في الوقت الذي بدا فيه التباطؤ الاقتصادي يتفاقم في الولايات المتحدة واصبح من الاصعب في ذلك الوقت اجتذاب المستثمرين من المنطقة لضخ اموال اضافية في الولايات المتحدة. ويقول مصرفيون لم تحدث تحركات جماعية ضخمة بعد من جانب مستثمرين سعوديين او خليجيين كبار للخروج من السوق الاميركية لكنهم اكدوا وجود درجة عالية من القلق تسود بين عملائهم بشأن شعور يتعلق بتنامي العداء الاميركي للشرق الاوسط. فتجميد الحسابات التي يعتقد ان لها صلة بانشطة ارهابية خلال الاسابيع التي اعقبت الهجمات اثار فزع مجتمع الاعمال العربي. ويقول المصرفيون ان القلق على خصوصية وامان الممتلكات العربية في الولايات المتحدة تزايد بعد ان رفعت اسر ضحايا 11 سبتمبر دعاوى تعويضات بلغت قيمتها 100 تريليون دولار الشهر الماضي زاعمين ان افرادا من الاسرة الحاكمة السعودية وبنوك وجمعيات خيرية اسلامية وحكومة السودان مولت الارهاب. لكنهم يصرون على ان المخاوف لم تطغ حتى الآن على الوعي بالمصلحة اذ يركز المستثمرون العرب بدرجة اكبر على تحركات اسعار الاسهم وعائدات السندات واسعار العقارات مما يركزون على اي مشاغل اخرى. ولم تتمكن بعض الاسواق المتعطشة لاجتذاب الاموال العربية والغربية مثل البورصة المصرية في اجتذاب تدفقات اموال جديدة في الاشهر الماضية. ويقول اياد ملص المسئول عن ادارة الاصول في شركة هيرميس للسمسرة «يتعين ان نذكر ما يحدث في اسواق المال العالمية كذلك. الكثيرون يسحبون اموالهم من السوق الاميركية لكنهم لن يوجهونها لمنطقة عالية المخاطر مثل الشرق الاوسط». وقال مصرفي عربي آخر مقيم في البحرين «على مستوى الانفعالات لدى الناس مشاعر مناهضة للولايات المتحدة لكن عندما يتعلق الامر بالمال والاعمال تلقى المشاعر من النافذة... لا ارى الناس تعطي ظهورها للولايات المتحدة بشكل متزايد ولا تترك اسواق المنطقة وترحل». ولا تشير معلومات عن انماط الاستثمار وتحركات الاموال من العالم العربي والتي يتردد انها تبلغ عشرات المليارات من الدولارات الى الولايات المتحدة التي كانت تعتبر السوق المفضلة الى اي هروب لرؤوس الاموال. ولا تعكس البيانات الرسمية عن الاصول العربية في بنوك في الخارج سوى نسبة بسيطة من اجمالي الاستثمارات الخاصة والحكومية ولا تصدر الولايات المتحدة سوى بيانات منقوصة عن الملاك الاجانب للاصول الاميركية. ويقدر المصرفيون حجم الثروات العربية في الخارج باكثر من تريليون دولار. وليس هناك تقديرات واضحة لاحجام ثروات حكومات ومؤسسات المنطقة في الخارج. وتشير احدث تقديرات لاستثمارات حكومة الكويت في الخارج الى اكثر من 76 مليار دولار وهو اقل بكثير من 300 مليار دولار يقدر انها قيمة استثمارات الامارات العربية المتحدة في الخارج، وتراجعت السياحة وتبادل الطلاب مع الولايات المتحدة منذ 11 سبتمبر. وغير المصرفي نفسه الذي يخشى اثر الصورة التي كانت معلقة على جدار مكتبه على العملاء عادات سفره منذ سبتمبر الماضي فلم يعد يذهب الى الولايات المتحدة لا للعمل ولا للسياحة. وقال «انا فقط لا ارغب في التعرض لموقف يرفضون فيه منحي تأشيرة دخول لاي سبب في هذه الظروف»، واصبح يتعين على اي ذكر سعودي يزيد عمره على 12 عاما ان يجري مقابلة شخصية مع القنصل الاميركي ويتعرض لتحقيق في ماضيه في اطار اجراءات جديدة مطولة للحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة. ويقول دبلوماسيون غربيون في القاهرة والرياض ان الوف من طلبات التأشيرات من بينها طلبات مقدمة من مواطنين لهم علاقات اعمال قوية مع الولايات المتحدة مازالت تنتظر النظر فيها. وتقول عبير خاطر مستشارة الطلاب في هيئة اميديست للمنح الدراسية المسئولة عن تقديم منح السلام الدراسية في القاهرة ان نصف المصريين الذين يدرسون في جامعات اميركية وعددهم 2200 مصري لم يحصلوا بعد على اذن بالعودة لدراستهم مما اضاع عليهم فصولا دراسية وخسرهم قيمة اجارات السكن هناك. وأضافت «المحزن ان الكثيرين منهم يرغبون فعلا في العودة الى الولايات المتحدة لكنهم واسرهم اصبحوا يخشون العودة». وتعطي احدث البيانات عن قيمة التبادل التجاري منذ 11 سبتمبر اشارات متباينة فتظهر ارتفاعا اجماليا في الصادرات الاميركية بنسبة 24% وانخفاضا في الواردات بنسبة 12% في نهاية مايو الماضي. رويترز