عندما وقف المحللون الماليون يشاهدون طائرتين ترتطمان ببرجي مركز التجارة العالمي وتدمرهما يوم 11 سبتمبر الماضي توقع الكثيرون ان تدفع الهجمات الاقتصاد العالمي، الى كساد كبير. لكن ضخ الاموال في اسواق المال بعد الهجمات وتخفيض البنوك المركزية لاسعار الفائدة الى ادنى مستوياتها منذ عقود ساعد الاقتصادات الرئيسية في العالم على تجنب تباطؤ طويل الامد. واقترب الاقتصاد الاميركي العملاق بالفعل من الكساد ومازال القلق مستمراً. لكن ذلك يتعلق باسباب اخرى منها انهيار شركة انرون النفطية العملاقة وفضائح محاسبية اخرى اكثر مما تتعلق باحداث 11 سبتمبر المأساوية. ويتذكر ايان بليندرليث المدير التنفيذ الذي تقاعد حديثا عن العمل في بنك انجلترا المركزي والذي كان مسئولا وقت احتدام الازمة حجم عدم التيقن الذي واجهته البنوك المركزية في اعقاب الهجمات. وقال لرويترز «كانت بالتأكيد صدمة اقتصادية كبيرة كما كانت مأساة ضخمة على المستوى الشخصي. لم يكن احد يعلم حجم الدمار الذي ستسببه. كانت هناك مخاطر ان تتخذ البنوك المركزية اجراءات مبالغ فيها او اقل من المطلوب». وتابع ان الصدمة جاءت من التعطل الفوري للحركة في المطارات واسواق المال الاميركية في الايام الاولى ومن الاثر طويل الامد على صناعات مثل التأمين والسياحة والطيران ثم الاثر على ثقة المستثمرين بشكل اكثر عمومية. ولجأ المجلس الاحتياطي الاتحادي الاميركي الذي كان قد بدا بالفعل في تخفيض الفائدة للتغلب على تباطؤ اقتصادي نجم عن انفجار فقاعة اسهم التكنولوجيا الحديثة وارتفاع اسعار النفط الى خفض سعر الفائدة الرئيسي 175 نقطة اساس ليصل الى 1.75%. وكانت اسواق المال كذلك على شفى الهاوية لكنها ابتعدت عن الخطر فهبطت في باديء الامر ثم استعادت قوتها. وقال بلندرليث «الاسواق نجت منها بسلاسة ملحوظة. حدث تغيير لتوجهات الاموال لكن تم الغلب على ذلك بسرعة». وقالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقرير حديث «الاثار الاقتصادية المباشرة يبدو انها اختفت. الثقة واسعار الاسهم عادت للارتفاع بسرعة وبيانات الاستهلاك والاداء ابدت مقاومة اكبر من المتوقعة في باديء الامر فيما يرجع الى رد فعل حاسم من صناع القرار والقطاع الخاص». ولا يعني ذلك انه لم يكن هناك اثار اقتصادية لهجمات 11 سبتمبر. فقد تضررت على سبيل المثال صناعة السياحة والطيران بشدة بسبب تراجع السفر بعد الهجمات وهذا الاثر لم ينته بعد. وتعرض قطاع التأمين لاقوى صفعة في تاريخه بخسائر قدرت بما بين 30 و60 مليار دولار. مما دفع اقساط التأمين للارتفاع في العديد من المجالات مثل التأمين على الشركات وجعل بعض المباني لا يمكن التأمين عليها ضد الهجمات الارهابية. كما ادت الصدمة التي احدثتها اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر الماضي الى اضعاف النشاط السياحي في العالم، الا ان منظمة السياحة العالمية تتوقع انطلاقة جديدة ابتداء من مطلع العام المقبل. وقال امين عام المنظمة فرانشيسكو فرانجيالي «ان هذه الصدمة رغم خطورتها سيكون بالامكان استيعابها مع الزمن، وسنتمكن من العودة قريبا الى نسبة النمو السنوية البالغة 4%. ولا تزال هذه المنظمة متمسكة بالقول ان الحركة السياحية العالمية بحلول العام 2020 ستتضاعف ثلاث مرات في العالم ومرتين في اوروبا. وسجل العام 2001 تراجعا في عدد السياح بلغ 0.6% اي خمسة ملايين سائح اقل من العام 2000 الذي كان سجل زيادة ضخمة بلغت 7% اي 45 مليون سائح اضافي. ومباشرة بعد وقوع اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر كانت المناطق التي تضررت اكثر من غيرها هي التالية : آسيا الجنوبية (تراجع 24%) والاميركيتان (تراجع 20%) والشرق الاوسط (تراجع 11%). واذا كان التراجع على المستوى العالمي يبقى بسيطا لمجمل العام 2001 فانه رغم ذلك شكل اشارة لافتة، لانها المرة الاولى منذ عشرين عاما التي لا يسجل فيها القطاع السياحي في العالم تقدما. ويوضح فرانجيالي ان المعلومات الاولية عن العام 2002 لا توحي بانها «جيدة جدا» حتى بالنسبة الى بلدان سياحية اساسية مثل فرنسا واسبانيا واليونان وافريقيا الشمالية. وتابع امين عام منظمة السياحة العالمية ان «العودة الى الوضع الطبيعي يمكن ان تسجل خلال الفصل الثالث او الرابع من العام الجاري ما لم يحصل تدهور للاجواء العامة مثل حصول عمليات عسكرية في الشرق الاوسط». ولا تزال شركات السياحة الاوروبية تشكو من انخفاض عدد الحجوزات مقارنة بالعام الماضي الا ان الاشارات الاولى من شركة توماس كوك الالمانية (الثالثة في اوروبا) وشركة كلوب مديترانيه الفرنسية (السابعة في اوروبا) تكشف عن تحسن الحجوزات. ـ الوكالات