تبدو لعبة اللوم الاقتصادية في أوج زخمها مع اتهام كل من الرئيس جورج بوش وبيل كلينتون وآلان غرينسبان بالتسبب بالمشكلات الاقتصادية. وعلى الرغم من انه لم تثبت ادانة أي منهم، إلا ان اللعبة ستستمر، وذلك لأن اللاعبين الكبار «السياسيون المتنافسون والصحافة ومدراء برامج الحوار التلفزيونية» لا يمكنهم ان يعترفوا بأن ذلك هو تمرين في الكذب. والمقدمة المنطقية لهذا الافتراض الكاذب هي ان قادتنا يمكنهم ان يسيطروا على الدولارات الاقتصادية ويمنعوا حدوث الاشياء السيئة مثل ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض أسعار الأسهم والمشكلة هي انهم لايستطيعون القيام بذلك. واذا تجاهلت ذلك، فان جميع الاتهامات ستبدو قابلة للتصديق ظاهرياً عندئذ. ودعنا نبدأ بالرئيس بوش. فهو، كما يقول النقاد، يدمر الثقة بالاقتصاد، والتخفيض الضريبي الذي طبقه أتى على فائض الميزانية. ويتهم ايضاً باقامة علاقات وثيقة مع الشركات الكبرى وبأن ادارته كانت غير مبالية بجرائم الشركات، وآخر تلك التهم هي ان مستشاريه الاقتصاديين، وعلى رأسهم وزير الخزانة بول أونيل، هم مغفلون. ان اللغة المنمقة عظيمة ولكن المنطق ليس كذلك. ومهما كانت مساوئه، فان التخفيض الضريبي لم يكن هو السبب في التراجع الاقتصادي. بل انه في الواقع ساعد على كبح الهبوط. كما ان الاجزاء الأولى من التخفيض الضريبي «الهبوط في النسبة الأكثر انخفاضاً الى 10% واعتماد أكبر للأطفال» قد اسعدت الطبقة المتوسطة في المجتمع. ويقول البيت الأبيض انه مع نهاية هذا العام، سيكون التخفيض الضريبي قد انقذ 800 ألف وظيفة، وحتى وان كانت التقديرات عالية، فان اتجاهها صحيح، ففي الاقتصاد الضعيف، ينبغي على الحكومة ان تدير عجزاً في الميزانية. ومع ذلك، فان أسعار الفائدة لم تتأثر فمعدلات الرهن لثلاثين عاماً تراوح الـ 6%، وهو أكثر انخفاضاً لها منذ أواخر الستينيات. أما فيما يتعلق بجرائم الشركات، فان معظم الانتهاكات بدأت قبل انتخاب بوش. فكيف يمكن ان يلام على ذلك؟ صحيح ان شركة أونيل وشركاه لم تعط فكرة صحيحة عن وضعها. ولكن هل يستشير الأشخاص وزير الخزانة قبل شراء سيارة أو منزل؟ من الواضح أنهم لايقومون بذلك، ويبقى الاقبال على شراء السيارات والمنازل قوياً. حسناً، دعنا نلقي باللائمة على كلينتون هنا أيضاً، تبدو القضية الظاهرية قوية، أولاً، هناك التوقيت. فقد بلغ سوق الاسهم ذروته في عهد كلينتون، وبالتحديد في مارس من عام 2000. والأسوأ من ذلك هو ان الاحصائيات الحكومية المنقحة الأحدث «والتي نشرت في يوليو الماضي» تظهر أن الناتج المحلي الاجمالي للاقتصاد انخفض خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2001. ان الأمر يحتاج الى تحيز حزبي كبير لكي يعتقد المرء ان انتخاب بوش هو الذي سبب انكماشاً في الاقتصاد. وكان بوش ونائبه ديك تشيني قد قالا في حينه ان الاقتصاد قد يكون في حالة انكماش. والاحصائيات الجديدة تثبت انهما كانا على حق. الأمر الثاني هو تبجح كلينتون، فاللغة الخطابية المبالغ في تنميقها زادت من تضخم فقاعة سوق الأسهم، ولم يدافع أحد عن الاقتصاد أكثر مما فعل كلينتون. والأشخاص الذين وصفوا على نحو صائب المنتدى الاقتصادي الأخير للبيت الأبيض بأنه اثارة دعائية يمكنهم ان يتذكروا مؤتمر كلينتون المشابه حول الاقتصاد الجديد في ابريل عام 2000، وقال في ذلك المؤتمر ان البلاد تمر بـ «تحول اقتصادي بعمق التحول الذي أحدثته الثورة الصناعية»، وهو تبسيط مثير يتخطى اختراع السيارة والطائرة والتلفزيون التي تقزم آثارها التحولية تقنيات المعلومات الجديدة. ولكن كلينتون لا يمكن ان يلام على الأزمة الاقتصادية إلا اذا كان هو المتسبب في الطفرة السابقة، وهو لم يكن كذلك، فقد اعتمدت الطفرة على دعامتين هما معدلات التضخم المنخفضة والاستثمار العالي في نشاط الاعمال، وبخاصة في مجال أجهزة الكمبيوتر وأجهزة الاتصالات، ولنفترض ان بوب دول كان هو الفائز في انتخابات عام 1996، هل كان التضخم سيكون أعلى؟ هذا أمر مشكوك فيه، وهل كان الاستثمار سيكون أقل؟ أمر مشكوك فيه أيضاً. ان الشخص الموجود في البيت الأبيض بالكاد يؤثر على القوى الرئيسية المحركة للاقتصاد. كما ان ثرثرة كلينتون لا تؤثر ايضاً، وذلك لان التأثير يأتي من مصادر اخرى عديدة من بينها الصحافة ومحللو الأسهم والقادة العديدون للاقتصاد الجديد. غير ان أياً من هذا لا يعني ان الرؤساء لا علاقة لهم بالاقتصاد، فالرئيس السابق رونالد ريجان عين غرينسبان رئيساً لمجلس إدارة البنك الاحتياطي الفيدرالي واعاد بيل كلينتون تعيينه، وساعدت قيادة غرينسبان على كبح التضخم وتستطيع الحكومة من خلال القوانين والضرائب والانفاق، ان تساعد أو تلحق الضرر بالاقتصاد وبادراك متأخر، فان الاخطاء في رفع القيود عن صناعة الاتصالات قد ساهمت في دورة الازدهار والازمة للصناعة، الأولى أدت الى الافراط في الاستثمار والثانية الى الانهيار. ولكن مالا يستطيع الرؤساء والحكومات فعله هو توجيه الاقتصاد الى طريق للازدهار خال من المشكلات، فالمهمة كبيرة، والضغوط على الاقتصاد كثيرة والأدوات الحكومية (الضرائب وبرامج الانفاق وأسعار الفائدة والقيود) قليلة جداً. ويفترض الانتقاد المتنامي لغرينسبان انه قادر هو والبنك الاحتياطي الفيدرالي على انجاز هذا العمل العجيب. لقد ارتكب غرينسبان اخطاء فهو ايضاً أفرط في الاشادة بالاقتصاد الجديد، وفي بداية عام 1999، قد يكون البنك الاحتياطي الفيدرالي قد ابقى على أسعار الفائدة منخفضة مما أسهم في المضاربة بالأسهم. ولكن البنك كان يحاول في حينه ان يمنع حدوث انكماش اقتصادي ينشأ عن الازمة المالية الاسيوية والعجز الروسي عن سداد الديون. وأدى نجاح تلك السياسة الى تعزيز الاسطورة المتنامية التي تقول ان البنك الاحتياطي الفيدرالي يملك قوة مطلقة. وهذه الاسطورة ساهمت أكثر في أسعار الفائدة المنخفضة في تغذية السلوك المتعلق بالمضاربة. وفي الحقيقة لا أحد يلام والكل يلام في الوقت نفسه على حدوث الفتور الاقتصادي الحالي، واذا ما بدأت طفرة في المضاربة، فانه لايمكن وقفها بصورة لبقة، والأسعار التي ارتفعت بصورة غير واقعية يجب ان تنهار، ويجب ان يكون هناك ضحايا وكل من ساهم في هذه العملية يتحمل المسئولية، وهو رأي لا يحظى بالشعبية، وعوضاً عن ذلك فان لعبة اللوم ستستمر لان اللاعبين يستمتعون بها، وهناك جمهور متحمس ولا تجد أي شخص يهتم بمعرفة الحقيقة القاسية