تعتبر تجربة مجلس التعاون لدول الخليج العربية من أنجح تجارب التعاون الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وهو ما يسمى في مصطلح التجارة الدولية بالترتيبات الإقليمية وذلك بالرغم من الملاحظات الكثيرة التي يبديها البعض على هذه التجربة، ومن خلال نظرة تحليلية لمسيرة المجلس من الناحية التاريخية يمكن القول بأن هذه التجربة قد مرت بثلاث مراحل: المرحلة الأولى التي امتدت من عام 1981 وحتى منتصف عام 1990 والتي كان التركيز فيها منصباً بالدرجة الأولى على الجوانب السياسية مثال ذلك مسألة توحيد الرؤى السياسية لدول المجلس تجاه المتغيرات والتحديات على الساحتين الإقليمية والدولية كالثورة الإيرانية والحرب الأفغانية وسوق النفط الذي كان يعاني من مرحلة ركود وعدم استقرار وقد أدى ذلك إلى إبطاء وربما عرقلة زخم التعاون الاقتصادي بين دول المجلس. المرحلة الثانية التي امتدت من عام 1990 إثر غزو العراق لدولة عضو في المجلس والتي كان فيها التركيز في مجمله منصباُ على مسألتين أساسيتين هما أولاً تحرير الكويت وثانياً ضمان الأمن والاستقرار للمنطقة وذلك من خلال اتفاقيات أمنية إقليمية كإعلان دمشق ودولية كالاتفاقيات التي وقعتها دول المجلس مع الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وفرنسا، وقد اتسمت هذه المرحلة كسابقتها بغياب جوانب التعاون الاقتصادي عن مداولات المجلس. المرحلة الثالثة والتي كانت فيها الجهود منصبة على التعاون في المجالات الاقتصادية المختلفة للوصول بدول المجلس وشعوبها إلى مرحلة متقدمة من الرخاء والتطور الاقتصادي عن طريق وضع سياسات اقتصادية تنموية موحدة يقوم في الأساس على تحرير التجارة البينية وتنمية الموارد البشرية ومن ثم تنمية القطاعات الاقتصادية غير النفطية وتقليل الاعتماد على مبيعات النفط كمورد أساسي والوصول في النهاية إلى التكامل ومن ثم الاندماج الاقتصادي الكامل. من المعلوم أن الدول لابد من أن تمر في مراحل مختلفة في سبيل الاندماج الاقتصادي مع غيرها من الدول ذلك أن التكامل أو الاندماج الاقتصادي عادة ما يمر بمراحل وأطوار مختلفة قبل الوصول إلى الصورة النهائية كما هو الحال على سبيل المثال مع دول الاتحاد الأوروبي التي احتاجت إلى ما يزيد على الأربعين عاماً لتحقيق الوحدة الاقتصادية فيما بينها، وعادة ما تبدأ هذه العملية بإنشاء ما يعرف بمنطقة التجارة الحرة التي تقوم فيها الدول الراغبة في التعاون الاقتصادي فيما بينها بتحرير التجارة البينية وتوحيد سياساتها التجارية عن طريق إزالة جميع العوائق سواء الجمركية أو القانونية التي غالباً تحد من انسياب السلع والخدمات فيما بينها، وفي مرحلة تالية تقوم الدول بتوحيد التعريفة الجمركية على السلع والخدمات القادمة من خارج منطقة التجارة الحرة وذلك لإنشاء ما يعرف اصطلاحا بالاتحاد الجمركي، إذ يتم في هذه الحالة تحصيل التعريفة الجمركية على السلعة الأجنبية مرة واحد فقط عند أول معبر في أي دولة من الدول الأعضاء وتذهب العوائد الجمركية على هذه السلع الأجنبية إلى صندوق مشترك ويتم فيما بعد توزيع هذه العوائد على الدول الأعضاء حسب الحصص المتفق عليها مسبقاً، وفي مرحلة متقدمة يتم تحرير القطاعات الأخرى كقطاع الاستثمار والعمالة ويتم في هذه المرحلة إزالة العوائق أمام تحرك رؤوس الأموال المحلية والعمالة الوطنية وذلك عن طريق توحيد القوانين المنظمة لها ومعاملة المستثمرين والأيدي العاملة من أي دولة من الدول الأعضاء نفس معاملة المستثمرين والعمالة الوطنية. وفي المراحل النهائية تقوم الدول بتوحيد سياساتها المالية والنقدية وذلك عن طريق إنشاء ما يعرف بالوحدة النقدية أو الاتحاد النقدي والذي يتم فيه إقرار عملة واحدة وسياسة نقدية موحدة يتم رسمها وتطبيقها من قبل مصرف مركزي واحد وذلك لإزالة آخر العوائق أمام التجارة بين الدول الأعضاء ألا وهو تذبذب أسعار صرف عملات الدول الأعضاء مقابل بعضها البعض وخاصة إذا كانت هذه العملات من العملات الحرة التي يحدد العرض والطلب عليها وكذلك الموازين التجارية للدول التي تتبعها أسعار صرفها كما هو الحال مع أغلب العملات الأوروبية والذي يعتبر أحد العوائق الحقيقية التي تحد من ازدهار التجارة البينية لأعضاء الاتحاد الأوروبي والتي من أجل التغلب عليها تم التسريع في إنشاء ما يعرف بمنطقة اليورو من خلال اتفاقية ماسترخ التي أعطت الإذن لإطلاق العملة الأوروبية الموحدة. وتطبيقاً على مجلس التعاون الخليجي فإنه من غير المنصف في رأيي تقييم هذه التجربة في هذه المرحلة التي أعتقد أنها مبكرة إذ أن الجوانب أو المسائل الاقتصادية لم تجد لها حيزاً يذكر على جداول أعمال القمم الخليجية خلال مسيرة مجلس التعاون الخليجي التي امتدت لأكثر من عشرين إلا في الأعوام السبعة الأخيرة وذلك على سبيل التقريب، ولكن هذا لا يجب أن يمنعنا وغيرنا من تقييم ما تم إنجازه حتى الآن وتحديد ما تم التجاوز عنه وكان من الممكن إنجازه وأخيراً ما يمكن إنجازه في المرحلة المقبلة. فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية فمما لا شك فيه أن ما تحقق حتى الآن يعتبر كحد أدنى مقبولاُ وخاصة إذا ما أخذنا في الحسبان المدة الوجيزة التي استغرقتها تلك الإنجازات والظروف التاريخية التي مرت بها الدول الخليجية والظروف السياسية الغير مستقرة التي يمر فيها المجلس والمنطقة عموماً، فبالرغم من هذه الظروف تمكنت دول المجلس من تحقيق العديد من الخطوات على طريق التكامل الاقتصادي الخليجي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر السماح لمواطني المجلس بممارسة مختلف النشاطات الاقتصادية والأعمال التجارية وبدون أي قيود في أي دولة من أعضاء المجلس وكذلك السماح لهم بحق تملك العقار هذا إضافة إلى قطع شوط كبير في عملية إنشاء الاتحاد الجمركي الخليجي الذي سيعزز التجارة البينية بين الدول الأعضاء هذا من جانب ومن جانب آخر التجارة الخارجية مع الشركاء التجاريين الرئيسيين لدول المجلس كالولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي واليابان مما سيزيد في المحصلة من حصة المجلس في التجارة الدولية وسيدعم معدلات النمو الاقتصادي لدوله. ولكن يمكن القول وبالرغم مما تحقق حتى الآن أن المجلس قد تجاوز عن العديد من المسائل المهمة والضرورية لتحقيق الوحدة الاقتصادية بين أعضائه مثال ذلك عدم التركيز على دعم عملية التخصص بين الدول الأعضاء، بمعنى أن المجلس لم يضع السياسات الكفيلة بقيام كل دولة من الدول الأعضاء بالتخصص في قطاع محدد من القطاعات الاقتصادية وذلك حسب ما تتميز به من أفضلية نسبية عن باقي الدول الأعضاء على سبيل المثال تخصص المملكة العربية السعودية في القطاع الصناعي لما تملكه من وفرة نسبية في الأيدي العاملة الوطنية وبنية صناعية واسعة ومتطورة نسبياً قياساً بباقي الدول الخليجية وتخصص دولة الإمارات في القطاع الخدمي لما تتميز به من كفاءه نسبية في قطاع الخدمات وخاصة مجال الاتصالات والتأمين والخدمات المصرفية وكذلك تخصص سلطنة عمان في القطاع الزراعي لما تملكه هذه الدولة من أراض زراعية صالحة وطقس ملائم ووفرة نسبية في المياه الجوفية وذلك لدعم التجارة البينية الخليجية إذ إنه من المعلوم للجميع أن الهياكل الاقتصادية لدول الخليج تتشابه إلى حد بعيد من حيث درجة الكفاءة والتخصص وما تنتجه من سلع وخدمات الأمر الذي يجعل التبادل التجاري فيما بينها غير ذي جدوى. أما فيما يتعلق بما يمكن إنجازه في المرحلة المقبلة ودون أدنى عائق خاصة إذا ما توافرت الرغبة السياسية الجادة في تحقيقه فأن إنشاء منطقة عملة خليجية موحدة على غرار منطقة اليورو الأوروبية يمكن أن يتم دون أن يواجه صعوبات كبيرة حيث إني أعتقد أن مسألة إنشاء الاتحاد النقدي قد أخذت أكثر من أبعادها الحقيقية وذلك لسببين: أولهما أن الوحدة النقدية الخليجية الموحدة لن يكون لها في اعتقادي أي إضافة حقيقية في عملية دعم التجارة البينية الخليجية وذلك لان أسعار صرف العملات الخليجية مقابل بعضها البعض ثابت لا يتغير وذلك بفضل ارتباط هذه العملات بالدولار الأمريكي هذا من جانب ومن جانب آخر كون الاقتصادات الخليجية من الاقتصادات (المدولرة) إذا صح التعبير أي التي تعتمد على الدولار في تعاملاتها الخارجية إذ أن أحد الصادرات الرئيسية لدول الخليج ألا وهو النفط يتم تحديد أسعاره وتحصيل إيرادات بيعه بالدولار الأمريكي في معظم الدول الخليجية فيما عدا دولة الكويت التي ـ حسب علمي ـ ربطت مبيعات نفطها بسلة عملات منها إضافة إلى الدولار الأميركي الين الياباني وبعض العملات الأوروبية السابقة، كما أن واردات الدول الخليجية يتم سداد أثمانها بالدولار الأميركي أيضاً مما يجعله الوسيط الحقيقي في التعاملات التجارية الخليجية سواء الخارجية أو البينية وليس العملات الوطنية الخليجية مما يجعل قرار توحيد العملة الخليجية قرارا ذا مدلول سياسي بالدرجة الأولى ليس له أي مردود اقتصادي حقيقي. أما السبب الثاني فإنه يرجع إلى أن عملية توحيد العملات الخليجية لا تحتاج إلى الكثير من الجهد والوقت كما هو الحال مع العملات الأوروبية الحرة التي تحتاج عملية توحيدها إلى وضع مثبت موحد في البداية ومن ثم وضع معايير موحدة تسبق عملية إطلاق العملة الموحدة كي لا تؤثر أسعار صرف إحداها سلباً على أسعار صرف الأخرى في مقابل الدولار الأمريكي مثلا وخاصة إذا كانت الأولى لا تتمتع بثبات سعري مقبول من هذه المعايير مثلاً معدلات التضخم وأسعار الفائدة، وتأسيساً على ذلك فإن توحيد العملات الخليجية التي تتميز عن العملات الأوروبية بثبات أسعار الصرف مقابل بعضها البعض لا يحتاج إلى نفس الإجراءات المعقدة كما لا تحتاج إلى نفس الوقت الذي يتطلبه توحيد العملات الأوروبية والذي لم يتجاوز بضع سنوات، وما أود أن أقوله في هذا المقام أن توحيد العملات الخليجية بالرغم من انعدام الضرورة والمبرر الاقتصادي له يمكن أن يتم خلال أشهر وليس سنوات كما هو مقرر له. ولكن وبالرغم مما قيل في هذه السطور يجب علينا ألا نبخس مجلس التعاون الخليجي حقه وألا نقلل من شأن ما حققه حتى الآن إذ تعتبر هذه التجربة من أنجح تجارب الوحدة الاقتصادية على المستويين العربي والإقليمي وأن المجلس رغم أن الكثيرين راهنوا أنه ولد ليموت شأنه في ذلك شأن ما سبقه وعاصره من تجارب اقتصادية وحدوية أثبت أنه ولد ليبقى بل ليكبر ويحقق آمال وطموحات دوله وشعوبه وإن ما كتب في هذه السطور ليس إلا من باب النقد الذاتي والرغبة المشروعة في تحقيق ما هو أفضل إذ أن الطموحات والتطلعات دائماً ما تفوق الواقع وهي ما تجعل أقواما أفضل حالا من آخرين وأمما متقدمة على أخرى