تناولنا في الحلقة الأولى سمات المجتمع الاستهلاكي في الامارات، ثم حددنا الاسباب والدوافع الفردية التي تدعو الأفراد إلى الاقتراض الشخصي ليسجل الاقتراض بين المصارف التجارية، معدلات قياسية وتصاعدية الأمر الذي ينذر بمشكلة اقتصادية حقيقية إذا ما استمرت هذه المصارف في توسعها الائتماني للأفراد خاصة اذا كانت هذه القروض تذهب للاستهلاك، فضلا عن تداعيات ومشاكل هذه القروض على الفرد نفسه وعلى مجتمعه. وهنا نتناول السياسة الاقراضية للمصارف لنحدد سماتها ونزعتها نحو الاقراض الشخصي مشيرين الى تجاوز هذه المصارف لتعليمات صاحب السمو رئيس الدولة التي وصف هذه القروض بالآفة، كما تجاوزت هذه المصارف للمعايير الدولية للاقراض، فضلا لتعليمات المصرف المركزي في حجم القروض، حيث اتخذت هذه القروض اشكالا مختلفة ولكنها تشكل تجاوزا للسقف الذي حدده المصرف المركزي والذي جاء بناء على توجيهات سامية من قبل رئيس الدولة. السياسة الاقراضية للمصارف التجارية اذا كانت المصارف التجارية في مختلف دول العالم وخاصة المتقدمة منها تقوم بدور تنموي من خلال توجيه ائتمانها المصرفي تجاه تمويل المشاريع التنموية والاقتصادية والاستثمارية في اطار سياسة الدولة واستراتيجيتها وذلك اضافة الى تقديمها القروض الشخصية للافراد فان الامر في الامارات يختلف الى حد ما. اذ يتركز الائتمان المصرفي في هيئة قروض شخصية أو ودائع لدى مصارف خارج الدولة. ويعزي ذلك الى اسباب عديدة منها ما يتعلق بدور الدولة وتخطيطها الاقتصادي ومنها ما يتعلق بسياسة المصارف واهدافها في المجتمع الاماراتي، ففي ظل غياب استراتيجية التنمية في الامارات وغياب المسوحات عن الفرص الاستثمارية وفي ظل تزايد النزعة الاستهلاكية في المجتمع فقد وجدت المصارف التجارية التي هي في حقيقتها وسيط مالي بين المودع الذي يبحث عن فائدة على وديعته ومقترض يدفع فائدة على قروضه التي يحصل عليها من هذه المصارف وجدت هذه المصارف ان تحقيقها للعائد الجيد لرؤوس أموالها أو ودائع الآخرين لديها يمكن ان يتم من خلال التوسع في الاقراض للافراد المتعطشين دوما للاقتراض وفي ظل التنافس الشديد فيما بين المصارف العاملة في الامارات على المقترضين أكثر من المودعين فان هذه المصارف قد تجاوزت في كثير من الاحيان للضوابط الاخلاقية والمهنية في العمل المصرفي، وتجاوزت في كثير من الاحيان للتشريعات والقوانين ولتعليمات السلطة المصرفية، ولم تراع أوضاعها المصرفية والاقتصادية لا سيما عند اقرارها لسياستها الائتمانية ومن هذا: 1 ـ عدم التزامها بالقواعد والمعايير الدولية والمعروفة (depit sow) والتي تعني القدرة على خدمة الدين أي توافق نسبة وحجم القروض مع الدخل الفردي حيث تكون هذه المصارف ملزمة بدراسة وضع العميل وقدرته المالية قبل منحه القرض المطلوب فالقاعدة هنا هي (عدم تعريض العميل المقترض لأوضاع مالية سيئة) وقد أدى تجاوز هذه المصارف لهذه القاعدة والتوسع بمنح قروض شخصية دون دراسة لأوضاع العميل الى تفاقم مشكلة مديونية الافراد وتزايد اعداد المسجونين في الدولة أو المعرضين لذلك. 2 ـ تجاوز تعليمات صاحب السمو رئيس الدولة والصادرة في شهر يونيو عام 2001 حينما وجه سموه بوضع ضوابط للقروض الشخصية بعد ان تفاقمت معدلاته وتضمنت هذه التعليمات عدم قبول أي دعوى على المقترضين من قبل الشرطة أو المحاكم وعدم تنفيذ أي أحكام تصدر ضد المديونين إذا ثبتوا حصولهم على القروض من المصارف بدون تقديم ضمانات أكيدة بأنهم يملكون القدرة المالية على تسديدها. على الرغم من أهمية هذه التعليمات فان المصارف وفي اطار المنافسة على اغراق المواطنين في الديون لم تلتزم بهذه التوجيهات وظلت مستمرة في منح القروض دون دراسة لأوضاع المقترضين ومدى قدرتهم على السداد، كما لم تلتزم هذه المصارف بعدم تجاوز نسبة السداد الشهرية والمحددة بثلث الراتب فهناك مصارف تخصم من راتب الموظف الى أكثر من الثلثين الامر الذي يعرض العميل واسرته لضغوط عائلية شديدة وربما تخلق مشاكل وخيمة للفرد واسرته ومجتمعه ايضا لا سيما حينما يصبح عدد كبير من افراد المجتمع مسجونين خلف القضبان ومحرومين من ممارسة حريتهم وحياتهم أو يعانون من قضايا قانونية ومطلوبين للعدالة، أو معرضين لها. 3 ـ لقد سجل بعض المصارف التجارية العاملة في الامارات وفي ظل المنافسة المحتدمة فيما بينها تجاوزا واضحا لتعليمات المصرف المركزي في شأن تنظيم القروض الشخصية وتحديد السقف الاعلى للاقراض بمبلغ 250 ألف درهم مع ضرورة دراسة وضع المقترض وكذلك نسبة الاقساط الشهرية من الراتب فقد تنافست فيما بينها على اقتناص العملاء ومنحهم قروضا تتجاوز الحد المسموح به من قبل المصرف المركزي وذلك من خلال ما يلي: 1 ـ قروض شخصية يصل حدها الاقصى الى 250 ألف درهم حسب تعليمات المصرف المركزي. 2 ـ قرض شخصي في هيئة تسهيلات تجارية في ظاهرها ولكنها شخصية استهلاكية في حقيقتها وذلك بموجب رخصة تجارية صورية. 3 ـ بطاقات ائتمانية ربما يصل الحد الاعلى المسموح بسحبه أو استخدامه الى خمسين ألف درهم. 4 ـ السحب على المكشوف حيث يسمح البنك لعملائه بالسحب على رصيدهم الخالي!! 5 ـ تقبل بعض المصارف فتح حسابات لمن هم دون السن القانونية ومنحهم تسهيلات وقروض لا يستطيعون سدادها فيعرضون أولياء أمورهم للمساءلة القانونية. وتسعى هذه المصارف من أساليبها هذه التي تشكل تجاوزا واضحا لتوجيهات رئيس الدولة ولتعليمات المصرف المركزي ولضوابط المهنة المصرفية الى ربط العميل بديون طويلة المدى كي لا يستطيع الانفكاك منها والانتقال الى بنك آخر، بل انها تتجاوز كل تلك الاساليب حينما تقوم بتوثيقه جيدا بها من خلال ربطه بكفالات مصرفية لتؤكد التزامه بها وعدم التفكير بالتخلص من هذا البنك وحينما يفكر بعض العملاء بالانسحاب من هذا البنك لأي سبب فان هناك مصارف أخرى تبدي استعدادها التام لسداد الديون وكافة الالتزامات التي على هذا (البعض) مقابل نقل حساباتها اليه وذلك في اطار التنافس المحموم فيما بين المصارف والذي يتجاوز هذا التنافس ايضا بين المصارف الى التنافس فيما بين فروع البنك الواحد وذلك من منطلق تعزيز الوجود لادارة الفرع!! وتجدر الاشارة هنا الى ان بعض هذه المصارف تغالي كثيرا في الرسوم والفوائد والعمولات المحتسبة على القروض ومختلف أشكال التسهيلات التي تمنحها لعملائها مستغلة السياسة الاقتصادية والنقدية التي تعتمد سياسة السوق الحر، وبالتالي فان العملاء حينما يقترضون من المصارف أو ينتقلون من بنك لآخر بقصد المزيد من القروض يكونون غير مدركين لعبء هذه الرسوم والفوائد خاصة وان غالبية الذين يتقدمون للحصول على قروض وتسهيلات يوقعون على عقود يقدمها مسئول القروض في البنك دون ان يمعنوا الاطلاع عليها أو قراءتها لمعرفة تلك الفوائد والرسوم أو شروط البنك. وفي ظل سياسة اغراق البنوك لعملائها فان شريحة من هؤلاء المدمنين على القروض يقومون بتجديد قروضهم ربما كل شهرين ويجدون ترحيبا من قبل هذه المصارف لذا فانه من الطبيعي ان تمتد فترة مديونية هذه الشريحة لفترة تتجاوز الفترة المحددة (ست سنوات) لتمتد الى عشر سنوات وربما الى أكثر وهكذا يصبح هؤلاء المدينون رهينة للمصارف لعمر كامل!! ونتيجة للسياسة الاقراضية هذه التي تتبعها المصارف التجارية تجاه عملائها فانه من الطبيعي ان تتفاقم مشكلة الديون وتتزايد اعداد المدينين وبالتالي اعداد الذين يتعرضون لقضايا قانونية أو أعداد المسجونين في قضايا الديون والشيكات المرتجعة وخاصة شريحة الشباب ففي دراسة محلية أعدتها احدى الدوائر المحلية بالدولة ونشرتها صحيفة «البيان» في عددها رقم (7864) الصادر في 29 ديسمبر 2001 أشارت هذه الدراسة الى ان «القروض والسلفيات والسحب على المكشوف تمثل النسبة العظمى من اجمالي الائتمان الممنوح من قبل المصارف العاملة في الامارات، حيث تصل هذه النسبة الى حوالي 91.8% في بعض السنوات، كما أشارت هذه الدراسة الى تطور اجمالي الائتمان الذي ترجعه الى القروض والسلفيات والسحب على المكشوف نظرا لان باقي مكونات الائتمان تمثل نسبة ضئيلة في الاجمالي» ومن ناحية اخرى تؤكد المؤشرات الى ان هناك 65%-70% من الموظفين العاملين في الدولة مدينون، ومعظم هؤلاء المدينين يحتاجون سنوات طويلة ليتمكنوا من سداد القروض المصرفية المترتبة عليهم وربما هناك نصف هؤلاء عاجزون تماما عن السداد. على الرغم من ان بعض المصارف التجارية العاملة في الامارات تقوم بالتأمين على قروضها الشخصية للافراد لدى شركات تأمين عالمية الا انها تشترط على عملائها تقديم شيكات شخصية موقعة على بياض لتصبح فيما بعد سيفا مسلطا على رقاب هؤلاء المدينين وتستخدمها في الزامهم بسداد هذه الديون رغم اعسارهم وعدم قدرتهم على السداد وتستند في هذا على المادة (401 عقوبات) من قانون الجنايات فيما تستمر هذه المصارف في اغراق المواطنين والمقيمين على السواء في قروضهم باستخدامها لأساليب الدعاية والاغراءات العديدة. وفي الوقت الذي يجد بعض المدينين انفسهم مضطرين للخضوع والاذعان لشروط مجحفة وقاسية وظالمة تضعها المصارف الدائنة للوصول الى تسوية غير متكافئة مع المدينين دون أية اعتبارات اجتماعية أو انسانية، يؤكد المسئولون على المؤسسات العقابية في الدولة على ان 70% من المسجونين لأسباب تتعلق بقضايا مالية وقد تمت محاكمتهم وسجنهم استنادا الى المادة (401). من ناحية أخرى فانه وعلى الرغم من ان القوانين المدنية في مختلف دول العالم ومنها الامارات تحد من قيام المصارف التجارية بمنح قروض وتسهيلات للقصر الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18-20 عاما الا انه وفي ظل هذا التنافس المحتدم بين المصارف فانها لا تتوانى عن منح قروض لشريحة من أولئك القصر مستغلة استشراء النزعة الاستهلاكية في المجتمع والرغبة الاكيدة لدى هذه الشريحة في تقليد الغير ومحاكاتهم واندفاعهم في الحصول على سيولة ينفقونها على نواح استهلاكية كالسيارات والاسفار والملابس والهواتف وغيرها من وسائل الاستهلاك الترفيهي غير عابئة بما يترتب على ذلك من توريط لهم ولأسرهم ومنهم أولياء أمورهم الذين يجدون أنفسهم في مواجهة صريحة أمام القانون لان هذه المصارف قد منحت أبناءهم قروضا لم يتمكنوا من سدادها سواء تم ذلك بمعرفة أولياء الأمور أو عدمه. في ظل غياب الرقابة الدقيقة على السياسة الائتمانية للمصارف التجارية العاملة في الدولة وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المصارف فان سوق التسهيلات المصرفية تشهد توسعا كبيرا في منح لقروض شخصية يفوق حجمها قدرات المقترضين لا سيما الشباب منهم حيث تعلن بعض المصارف وفي اطار تسويقها للقروض عن منح قروض يصل حجمها الى 25 ضعفا للراتب الذي يتسلمه الموظف وبالتالي تتجاوز هذه المصارف في بعض الاحيان للحد الاقصى المسموح منحه للعملاء، ثم ان هذه المنافسة تأخذ شكلا آخر حينما تعلن هذه المصارف عن استعدادها لشراء قروض قديمة مقابل نقل الموظف لحسابه/ لحساباته الشخصية الى البنك الجديد مستغلة رغبة بعض المدينين الذين يعانون من ضائقة مالية ويتعرضون لورطة حقيقية بالخروج منها ومعالجتها حينها ينتقلون بحساباتهم الى البنك الجديد وفق شروط وتعاقدات تكون مجحفة في بعض الاحيان وقاسية