أكد البنك الدولي ان الخمسين سنة المقبلة يمكن ان تشهد ارتفاعا بأربعة أضعاف في حجم الاقتصاد العالمي وانخفاضات مهمة في الفقر، شريطة ان تقوم الحكومات بالعمل الان من اجل تجنب المخاطر المتنامية من الاضرار البالغة على البيئة والاضطراب الاجتماعي العميق. وقال البنك في أحدث تقرير له حول التنمية 2003 انه خلال ما يقرب من 50 سنة من الممكن ان يكون للعالم ناتج محلي اجمالي قدره 140 تريليون دولار أميركي وعدد سكان يصل الى 9 مليارات نسمة ارتفاعا من ستة مليارات نسمة اليوم. وبدون سياسات ومؤسسات أفضل، فان التوترات الاجتماعية والبيئية يمكن ان تعطل تقدم التنمية مما يقود الى مستويات أعلى من الفقر وتدني في نوعية الحياة للجميع. ودعا البنك الدولي الدول وممثلي المجتمع المدني باجتماع القمة الدولي المنعقد حول التنمية المستدامة في جوهانسبرج، الى الوصول الى اتفاق حول الخطوات الممكن اتخاذها الان لضمان ان النمو المخفض للفقر لا يأتي بتكلفة باهظة على حساب اجيال المستقبل. وقال التقرير ان السياسات الخاطئة والإدارة الضعيفة في الحقب الماضية قد ساهمت في الكوارث البيئية، وعدم التكافؤ في الدخل، والاضطراب الاجتماعي في بعض البلدان، وغالبا ما اسفرت عن الحرمان العميق، وأعمال الشغب، أو هروب اللاجئين من المجاعة، أو الحروب الاهلية. وأشار الى ان الكثيرين من الفقراء يعتمدون اليوم على موارد طبيعية ضئيلة من اجل البقاء، وبالمثل، فان الثقة بين الافراد، التي يمكن ان تتضاءل أو تدمر بسبب عدم الاستقرار المدني، هي قيمة اجتماعية لها منافع اقتصادية مهمة، لانها تمكن الناس من ابرام الاتفاقيات وعقد الصفقات التي بدونها لايمكن ان تتحقق هذه الثقة. والسياسات التنمية بحاجة الى التركيز الحاد على حماية الأصول الطبيعية والاجتماعية. وأوضح التقرير الدولي ان هناك حاجة الى تحالفات جديدة على المستويات المحلية والوطنية والعالمية من اجل المعالجة الافضل لهذه المشاكل. ولابد من اقتسام عبء التنمية بشكل أوسع. فالبلدان الغنية ينبغي ان تقوم بالمزيد من الفتح لأسواقها وخفض اشكال الدعم الحكومي الزراعي الذي يضعف من دخول فلاحي العالم الثالث، كما ينبغي عليها زيادة تدفق المساعدات، والادوية، والتكنولوجيات الجديدة الى البلدان النامية، والحكومات في العالم النامي، من جانبها، ينبغي ان تصبح أكثر مسئولية وشفافية، وتؤمن قدرة الفقراء على الحصول على ملكية مضمونة للأراضي وكذلك على الوصول الى التعليم، والعناية الصحية، والخدمات الاساسية الاخرى. ويقول التقرير ان السنوات القليلة المقبلة ستتيح الفرصة لتشكيل نماذج استثمار تمكن من الاستغلال الأكثر كفاءة للموارد الطبيعية، وحماية البيئة، وتحقيق انخفاضات عميقة في الفقر. والبنك يحث قادة العالم على الاستفادة من الروح الكامنة وراء المجريات المهمة الحديثة لتنمية افريقيا، وهي المبادرة التي اتخذها القادة الافارقة، وذلك من اجل تأسيس جهد عالمي لتحقيق التنمية المستدامة. وأضاف التقرير ان البلدان ذات الدخل المنخفض ستحتاج الى النمو بنسبة 3.6% للفرد لتلبية هدف الأمم المتحدة الخاص بالتنمية في هذه الألفية الرامي الى الخفض الى النصف من الفقر مع حلول سنة 2015، ولكن هذا النمو ينبغي ان يتحقق بشكل يحافظ على مستقبلنا، وقال أيان جونسون، نائب رئيس شبكة البنك الدولي للتنمية المستدامة بيئيا واجتماعيا: «سيكون من التهور من جانبنا ان نصل الى أهداف التنمية في هذه الألفية من حلول سنة 2015، ثم نواجه بمدن مختلة وظيفيا، وتضاؤل في امدادات المياه، والمزيد من عدم التكافؤ والنزاع، بل ومساحة أقل من الأرض الصالحة للزراعة». ويؤكد آخر تقرير للتنمية العالمية على ان عبء ضمان التنمية المستدامة ينبغي ان يقتسم محليا، ووطنيا، وعالميا، فالبلدان النامية بحاجة الى تعزيز المشاركة والديمقراطية الحقيقية، والشمولية والشفافية وهي تبني المؤسسات اللازمة لإدارة مواردها. أما البلدان الغنية ينبغي ان تزيد من المساعدة، وخفض ديون البلدان الفقيرة، وفتح أسواقها للدول النامية، المساعدة على نقل التكنولوجيات اللازمة لمنع الأمراض، وزيادة كفاءة الطاقة، وتعزيز الانتاجية الزراعية. كما ينبغي ان تقدم منظمات المجتمع المدني مساهمة عندما تعمل، كصون للمصالح الموزعة وتقدم التحقيق المستقل حول الاداء العام والخاص وغير الحكومي. اما الشركات الخاصة فيجب ان تقدم مساهمة عندما تلتزم بالاستدامة في عملياتها اليومية، وكذلك بخلق الحوافز بالسعي وراء مصالحها في ذات الوقت الذي تدعم فيه الاهداف البيئية والاجتماعية. وقال نيكولاستيرن نائب الرئيس الأول بالبنك الدولي: «العالم ينبغي عليه ان يبادر بمساعدة أفقر شعوبه على إدارة مواردهم بأنفسهم وبناء انتاجيتهم ودخلهم الان، واعطاء الصلاحيات لهذه المجتمعات ومساعدتهم على مواجهة متطلبات الحقب المقبلة. وأضاف: «وبإمكان البلدان الغنية اتخاذ خطوة مثل فتح أسواقها لصادرات العالم النامي، والتخلي عن أشكال الدعم الحكومي الزراعي والعوائق الاخرى على التجارة التي تخفض الاسعار وتحد من فرص السوق بالنسبة لنفس البضائع التي ينتجها الفقراء بشكل تنافسي كأكثر ما يكون». ويقدر التقرير ان عدد سكان العالم سيصل الى تسعة مليارات نسمة مع سنة 2050، ويستقر مع نهاية هذا القرن عند 10 مليارات أو أقل، ومع منتصف القرن، سيعيش ثلثا سكان العالم في المدن، ويصبح الطلب على الطاقة، والمياه، والاسكان، والتعليم هائلاً. ومع ذلك فان هذه الاتجاهات تفتح ايضا نوافذ للفرص، وفقا للتقرير، فمعظم أسهم رأس المال، الشقق، والمتاجر، والمصانع، والطرق، التي سيحتاج اليها السكان الاخذون في النمو في العقود المقبلة ليست موجودة بعد. والمستويات الافضل، والزيادة في الكفاءة وطرق صنع القرار الاكثر شمولية وشفافية يمكن ان تعنى ان رأس المال المساهم الجديد هذا يمكن ان يبنى بالطرق التي تضع اعباء اقل على المجتمع والبيئة. وبالمثل، بينما يتباطأ النمو السكاني، سيترجم النمو الاقتصادي بشكل أيسر الى انخفاض في الفقر وارتفاع في دخل الفرد ـ شريطة ان النمو الاقتصادي والسكاني خلال العقود القليلة المقبلة يكون قد تم التعامل معه بطريقة لا تدمر الموارد الطبيعية التي تدعم النمو او تفسخ القيم الاجتماعية المهمة، مثل الثقة. ويؤكد التقرير ان عالم الـ 140 تريليون دولار اميركي الاتي خلال خمسة عقود لا يمكن بكل بساطة استدامته على النماذج الحالية للانتاج والاستهلاك اما التحول الكبير ابتداء من البلدان الغنية سيكون لازما لضمان ان الفقراء ستكون لهم فرصة المشاركة، وان البيئة لم يتم الحاق الضرر بها بشكل يهدد فرصهم في المستقبل. والتنسيق عالميا والعمل محليا سيكون مهما لضمان ان المكاسب في المؤشرات الاجتماعية التي تحققت في العشرين سنة الماضية لن تنتكس بسبب ضغوط النمو السكاني والتوسع الاقتصادي غير المستدام. وقال جونسون «ان الهدف في القمة الدولية في جوهانسبرج ينبغي ان يكون تأسيس تحالفات عالمية حقيقية، بشركاء من جميع القطاعات يعملون بشكل يتسم بالشفافية والانصاف تجاه ضمان ان مكاسب التنمية لا تستنزف بيئتنا ومواردها، او تهدد بالاضراب الاجتماعي بسبب استثناء الفقراء «في السعي الى توفير حياة افضل للفقراء، ينبغي علينا التخطيط لادارة افضل للموارد العامة المهمة، المياه والطاقة، والصحة، والزراعة، والتنوع البيولوجي». ويرى التقرير ان التحديات رهيبة. فمتوسط الدخل في البلدان الـ 20 الاكثر غنى هو في الواقع 37 ضعفا لذلك الموجود في الـ 20 بلدا الاكثر فقرا، وعالميا، يعيش 1.3 مليار نسمة على ارض فقيرة، مناطق جافة، منحدرات، اراض رطبة، وغابات لايمكنها توفير القوت لهم. والفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة وعدد الناس الذين يعيشون على الاراضي الفقيرة كلاهما تضاعف خلال الـ 40 سنة الماضية. كما ان حوالي نصف الاراضي الرطبة في العالم اختفت في القرن الماضي، واستعمال المياه في المتوقع ان يقفز بواقع 50% خلال الـ 30 سنة المقبلة مع التلوث والتغيرات في المناخ تهدد بالفعل مصادر المياه، خاصة في افريقيا، والشرق الاوسط، وجنوب اسيا. ومع حلول سنة 2025، من المحتمل ان يعيش ثلاثة ارباع سكان العالم بالقرب من 100 كيلومتر من البحر، مما يضع اعباء ضخمة على النظام البيئي الساحلي. ويوضح التقرير انه منذ الخمسينيات تدنت حالة ما يقرب من مليوني هكتار من الاراضي حول العالم وهي تمثل 23% من جميع الاراضي الزراعية، والمراعي، والاحراج، والغابات كما ان الاحراج الاستوائية تختفي بمعدل 5% في كل عقد من الزمن. كما ان اكثر من ثلث التنوع البيئي الارضي يجري اختزاله الى مواطن تمثل في مجموعها بالكاد 1.4% من سطح الارض، و يلاحظ البنك الدولي في اخر تقرير للتنمية العالمية ان قمة الارض في ريو دي جانيرو منذ 10 سنوات مضت قد فعلت الكثير من اجل رفع الوعي بالتغييرات في السياسة الضرورية لتحقيق التنمية المستدامة. ومنذ ذلك الحين اصبحت الحاجة الى المؤسسات المحلية، والوطنية، والدولية الاكثر فعالية، واضحة بشكل متزايد، كما يقول التقرير. ويصنف التقرير الابتكارات الواعدة حول العالم التي تعالج هذه المشاكل. ويوضح ان البلدان الغنية والنامية تبنى على هذه الجهود لتجعل من التنمية المستدامة حقيقة واقعة وتمكن الفقراء من المشاركة في النمو الاقتصادي. في السنوات الـ 50 المقبلة، سيبدأ عدد السكان في الاستقرار وستعيش غالبية الناس في المدن لأول مرة في التاريخ هكذا قال ماراك شاليزي، الكاتب الرئيسي لتقرير WRD2003 وبالتفكير البعد المدى والفعل الآن، نستطيع استغلال نوافذ هذه الفرصة في تحويل التنمية الى طريق اكثر شمولية واستدامة، وتحقيق تخفيضات حادة في الفقر في العقود القادمة. ويشير التقرير الى ان التنمية المستدامة ستتطلب: تحقيق نمو كبير في الدخل والانتاجية في البلدان النامية، وادارة التحولات الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئة نحو عالم مديني في الغالب. والاهتمام بحاجات المئات من الملايين من الناس الذين يعيشون على اراض ضعيفة بيئيا. وايضا جني «العوائد الديمغرافية» الملحوظة في تدني معدلات الاتكالية وتباطؤ النمو السكاني. واخيرا تجنب الضغوطات الاجتماعية والبيئية على المستويين المحلي والعالمي التي من المحتمل ان تظهر في الطريق الى عالم اقتصاد الـ 140 تريليون دولار اميركي. ويؤكد عبر العالم النامي فان قواعد جديدة ومنظمات ومبتكرات مؤسسية اخرى تقود بالفعل الى نتائج بيئية افضل، فالتلوث الجوي يتضاءل في مدينة المكسيك وفي بعض المدن الصينية. وجميع الدول فيما عدا قلة منها ازالت الرصاص من الغازولين. وفي الـ 10 سنوات الماضية، فان نسبة الاشخاص في بلدان الدخل المنخفض والمتوسط ممن يحصلون على العناية الصحية قد صعدت الى 52 بالمئة من 44 بالمئة. فالبلدان على اختلافها مثل الصين، والمغرب، والكاميرون، تقوم بتجريب مقاربات جديدة لهذه المشاكل، غالبا ما تشمل المشاركة المتزايدة للقطاع الخاص والمجتمع المدني في البرازيل، على سبيل المثال، جعلت الحكومة من الممكن للفقراء في بعض المناطق تأمين عقد ملكية منازلهم واراضيهم لكي يشعر حتى اولئك الذين لا يملكون سوى الحد الادنى من المأوى بالثقة في انهم لن يتم طردهم، ومع تأمين الملكية، يمكن حتى للفقراء ان يستثمروا من اجل تحسين بيوتهم او اعمالهم. ويرى التقرير ان الاهم من ذلك هو ان الفقراء ينبغي ان يكون لهم رأي اكبر في العملية التي ستشكل حياتهم في العقود المقبلة، والقرارات يلزم ان يتم اتخاذها بشكل شمولي واستشاري يعترف بوجهات نظر الفقراء بينما يمنحهم ايضا سيطرة اكبر على مقدراتهم. كتب مصطفى عبدالعظيم: