هل جاءت المشاريع العقارية الضخمة التي أعلنت عنها شركة اعمار العقارية ومشروع الجميرا ريزيدنس لتكون بمثابة «طوق النجاة» لقطاع البناء والتشييد للخروج من حالة الهدوء التي يعيشها القطاع منذ فترة؟ وهل تفتح هذه النوعية من المشاريع مجالات وفرص عمل امام المكاتب الهندسية والاستشارية التي تأثرت سلبياً بحالة الركود في قطاع العقارات في الفترة الماضية؟ وهل تقف المشاريع الجديدة وراء ارتفاع اسعار مواد البناء نتيجة لزيادة الطلب عليها؟ اسئلة عديدة تطرح الآن في اوساط المقاولين والمهندسين والعاملين في قطاع البناء والتشييد عقب الاعلان عن المشاريع العقارية الكبيرة في دبي. حسب تقرير وزارة التخطيط فان قطاع البناء والتشييد في الدولة استحوذ خلال عام 2001 على نسبة مساهمة قدرها 7% من الاداء الاقتصادي مقارنة مع 6.6% عام 2000، وهناك توقعات بزيادة هذه النسبة خلال العام الحالي في ضوء الاعلان عن المشروعات الانشائية التي تنوي الدولة تنفيذها اضافة الى المشاريع العقارية العملاقة في امارة دبي خصوصا مشاريع جزيرة النخلة، مشاريع اعمار العقارية، ومشروع الجميرا ريزيدنس الذي تقدر تكلفته وحده بـ 5.2 مليارات درهم. لكن في المقابل هناك من يرى ان القطاع لا يزال رهين حالة الركود في القطاع العقاري التي تسيطر مند عامين أو ثلاثة اعوام وان دخول مشاريع عملاقة كبيرة بحجم مشاريع اعمار والجميرا ريزيدنس من شأنه ان يحرك الوضع كثيرا في قطاع البناء والتشييد واصحاب هذه الرؤية من المقاولين يرون ان القطاع كان يعيش حالة من الهدوء النسبي لأسباب ابرزها قلة المشاريع المطروحة في السوق والتي لا تتناسب مع الاعداد الكثيرة لشركات المقاولات الامر الذي اضطر غالبية الشركات الى القبول بمشاريع بأقل التكلفة تجنبا للخسائر والخروج من السوق، وساهم في زيادة حدة هذا الوضع صدور قرار حكومة أبوظبي بوقف اصدار تراخيص بناء جديدة مما جعل شركات المقاولات ترحل الى دبي والامارات الشمالية بحثا عن عمل. وليس المقاولون وحدهم يعيشون هذا الوضع، فالمهندسون والمكاتب الاستشارية هي الاخرى لا تجد مشاريع للعمل خصوصا وان 100 مكتب استشاري من اجمالي 1200 في الدولة يستحوذون على نصيب الاسد من حجم الاعمال القليلة أصلا. اذن نحن امام «حالة هدوء» تسيطر على قطاع البناء والتشييد منذ عامين على الاقل، وهنا السؤال: هل تأتي المشاريع العقارية الجديدة لتكون طوق النجاح لقطاع البناء والتشييد وما مدى استفادة القطاع بهذه المشاريع التي تقدر تكلفتها بمليارات الدراهم؟ الخروج من حالة «حرق الاسعار» د. احمد سيف بالحصا رئيس جمعية المقاولين يرى ان قطاع المقاولات والبناء والتشييد مقبل على طفرة كبيرة مع دخول مشاريع كبيرة بحجم مشاريع اعمار والجميرا ريزيدنس في دبي خصوصا وان القطاع شهد في العامين او الثلاثة اعوام الماضية حالة من الهدوء النسبي فقد كان حجم الاعمال المسندة الى شركات المقاولات طوال الفترة الماضية اقل بكثير من قدرة القطاع ذاته الامر الذي خلق منافسة قوية بين الشركات على الاسعار، واصبحت الشركات تأخذ المشاريع بأقل من تكلفتها تجنبا للخسارة. ولا شك ان اتخاذ حكومة ابوظبي قرارا بوقف اصدار تراخيص بناء جديدة في بعض النوعيات من العقار خلق ايضا حالة من البطء في انشاء الابراج في امارة ابوظبي لذلك نزحت الشركات الى الامارات الشمالية بحثا عن فرص عمل الامر الذي خلق حالة عرفت «بحرق الاسعار» ولكن كما يقول بالحصا مع دخول مشاريع عقارية كبرى في السوق كتلك التي أعلنته عنها شركة اعمار ومشروع الجميرا ريزيدنس فان قطاع المقاولات في رأيي مقبل على طفرة نمو جديدة من شأنها ان تعيد الوضع في القطاع الى طبيعته في ظل زيادة مساحة المشاريع. ويضيف ان دبي اصبحت تستحوذ اليوم على المشاريع الرئيسية خصوصا في مجال المشاريع التجارية والسكنية وهي المشاريع التي تمثل الحجم الاكبر من الاعمال المتوفرة امام شركات المقاولات حاليا لذلك فان قطاع المقاولات سيكون الرابح الاكبر من وراء هذه المشاريع خصوصا وانه قطاع خدمي يقدم الخدمات للقطاعات الاخرى، واستطاع خلال الثلاثين عاما الماضية من انجاز النهضة العمرانية والحضارية في الدولة. وبالتأكيد كما يقول بالحصا فان المشاريع العقارية الكبيرة التي اعلن عنها في دبي ذات جدوى اقتصادية جيدة بدليل انه جرى حجز كافة الوحدات السكنية والتعاقد عليها في فترة قياسية في ظل الظروف المتغيرة التي تمر بها المنطقة خصوصا دول الخليج التي كانت تمتلك عائدات نفطية أكبر في السابق مما هو عليه الآن. وفي ظل هذه الظروف يصبح الاستثمار داخل دولة الامارات آمن من الاستثمار في الخارج وهنا تأتي الجدوى الاقتصادية الناجحة من المشاريع العقارية الكبرى التي تطرح حاليا في دبي والتي ستحقق عائدا مجزيا كما توفر فرص عمل عديدة لكافة الشركات العاملة في قطاع البناء والتشييد. المبادرات الحكومية.. السبب سألت جمال قاسم سلطان امين سر جمعية المقاولين وصاحب شركة «ساركو» للمقاولات كيف ترى «الطفرة» العقارية الآن في وقت يلمس البعض ركودا في القطاع العقاري؟! يقول: المبادرات الجريئة لحكومة دبي خلقت طلبا متزايدا على دبي، فمنذ فترة تعمل الحكومة جاهدة على نقل اقتصاد الامارة الى مرحلة جديدة من التطور لذلك رأينا العديد من الشركات الاجنبية تحرص على القدوم الى دبي كما ازداد حجم الاستثمارات الخارجية ناهيك عن زيادة عدد السكان وكذلك زيادة عدد السياح الامر الذي يستدعي تلبية احتياجات الطلب المتزايد من السكن بكافة اشكاله سواء للمحال والمكاتب التجارية او السكنية، ولذلك بدأنا نشهد بالفعل زيادة في العرض لمواجهة الطلب المتزايد ايضا عكس الفترة الماضية التي شهدت زيادة في العرض مقابل انخفاض في الطلب وهو ما لمسناه في العامين الماضيين. ومن هنا وكما توقعت منذ عامين فاننا مقبلون على مرحلة طفرة جديدة في قطاع البناء والتشييد مع المشاريع العقارية الكبرى التي تطرحها اعمار ومشروع الجميرا ريزيدنس وقبلها مشروع النخلة ودبي للانترنت والكثير من المشاريع التجارية والسكنية الكبيرة في شارع الشيخ زايد على وجه التحديد. ويضيف جمال ان قطاع المقاولات ينظر الى المشاريع الجديدة على انها مرحلة للخروج من حالة البطء التي عاشها القطاع في الفترة الماضية والتي نتجت عن زيادة كبيرة في المباني اثرت على القطاع العقاري مما ادى الى انخفاض الطلب على الاستثمار في هذا القطاع لكن الوضع بدأ يتغير ليدخل القطاع مرحلة جديدة من مرحلة النمو مع زيادة عدد الشركات التجارية العاملة في السوق، وزيادة عدد السياح. والمؤكد ان المبادرات والسياسات الحكومية التي اتبعتها حكومة دبي هي التي خلقت الطلب المتزايد على السكن والمكاتب التجارية في الامارة الامر الذي سينعكس بالطبع على سوق المقاولات الذي تنتظره فرص عمل عديدة في دبي لدخول المشاريع العقارية الكبرى المطروحة حاليا لذلك اختلف مع الذين يرون ان المشاريع الجديدة سوف تؤثر في القطاع العقاري لسبب هو ان النشاط الاقتصادي عادة يمر بدورات اقتصادية. وفي رأيي ان القطاع العقاري ومعه قطاع البناء والتشييد بدأ بالفعل في دخول دورة الانتعاش لأن لدينا طلبا حقيقيا في السوق في حاجة الى سكن ومكاتب وخلافه لذلك لا اتصور على الاطلاق حدوث تأثيرات سلبية للمشروعات العقارية الجديدة على السوق العقارية. ويؤكد جمال ان المرحلة التي يمر بها القطاع العقاري جاءت انعكاسا لزيادة عدد البنايات السكنية والتجارية مما اوجد خيارات عديدة امام الناس لذلك انخفض الاستثمار العقاري لكنه لم يتوقف على الاطلاق بدليل اننا بالفعل نلمس بنايات وعقارات جديدة وفي نفس الوقت توجد زيادة في الطلب من جراء زيادة في عدد السكان والسياح والشركات الاجنبية القادمة للعمل في دبي. ومع ذلك سوف يدخل القطاع دورة من الهدوء ربما تكون بعد عشر سنوات كنتيجة طبيعية للدورات الاقتصادية بعد ان يكون القطاع قد «تشبع» مرة اخرى بالبنايات لكن سنلحظ وقتها كما عودتنا حكومة دبي مبادرات وسياسات جديدة لانعاش السوق وخلق طلب جديد. قطاع المقاوات.. الاكثر استفادة لكن راشد احمد راشد المدير العام لجمعية المقاولين يعود ليطرح نفس التساؤلات الهامة وهي.. مدى تناسق المشاريع الجديدة مع مجمل الوضع الاقتصادي المحلي والاقليمي؟ مدى تأثر قطاع العقارات بهذه المشاريع الضخمة؟ في البداية يؤكد راشد ان قطاع المقاولات والبناء والتشييد ينتعش مع زيادة عدد المشاريع خصوصا اذا ما كانت مشاريع عملاقة بحجم مشروع الجميرا ريزيدنس الذي تقدر تكلفته بحوالي 5.2 مليارات درهم، كما ان هذه المشاريع تدخل السوق في وقت لدينا فيه فائض في عدد شركات المقاولات في الدولة فهناك 14 الف شركة مقاولات في حين ان المشاريع المطروحة لا تكفي سوى لنصف هذا العدد. لذلك فان بروز مشاريع عقارية ضخمة مثل مشاريع اعمار والجميرا ريزيدنس سوف يزيد من حجم المشاريع المطروحة في السوق الامر الذي يجعل شركات المقاولات تجد حصتها من العمل. وفي الحقيقة نحن في قطاع المقاولات سنكون أكثر المستفيدين من المشاريع الجديدة طالما ستفتح امامنا فرص عمل لكن السؤال: هل تتناغم هذه المشاريع مع حجم السوق؟ يضيف راشد ان المشاريع المطروحة اكبر من طاقة السوق وهناك تجربة في امارة ابوظبي تدلل على ذلك فقد دخلت الامارة في مشاريع عمرانية عديدة وصلت الى مرحلة صدور قرار اميري بوقف منح تراخيص بناء جديدة خصوصا للمباني التجارية العادية باعتبار ان البنايات الموجودة اصبحت تلبي حاجة الطلب الموجود في ضوء وجود فائض من الوحدات السكنية. لكن ربما يكون الامر مختلفا في دبي خصوصا وان هناك توجها نحو المشاريع العملاقة علاوة على زيادة حجم الاستثمارات وهو ما لمسناه منذ عامين لكن في المقابل انخفض عدد المشاريع مما انعكس على الفرص المتاحة امام شركات المقاولات. ويؤكد راشد ان دبي بمشاريعها العملاقة تنتقل الى ما يسمى بالمشاريع النوعية الامر الذي يفرض امرين الاول ان تعيد الجهات الرسمية النظر في نظام التراخيص الممنوحة لشركات المقاولات بحيث توضع معايير معينة لمنح التراخيص ونحن مع الوقف التام للتراخيص الجديدة لوجود اعداد كبيرة من شركات المقاولات تفوق عدد المشاريع الموجودة والامر الثاني يتعلق بأداء شركات المقاولات خصوصا في مرحلة البطء في السوق حيث يتعين عليها الارتقاء بجودة الاداء من كافة النواحي الفنية والادارية لمواجهة المنافسة في السوق. المهندسون الأعلى رواتب حسب احصائيات جمعية المهندسين يوجد في الدولة 1200 مكتب استشاري، نصفها في أبوظبي، وربعها في دبي، والنسبة الباقية في الامارات الأخرى.. كما ان 90% من حجم الأعمال يستحوذ عليه حوالي 100 مكتب فقط في حين لا يبلغ نصيب 1100 مكتب سوى 10% من اجمالي الأعمال الانشائية مما يعني ان قطاع المهندسين يعاني هو الآخر من حالة «ركود». وهنا السؤال الذي وجهته الى المهندس المعماري أحمد حسن الرستماني رئيس شركة التراث للاستشارات الهندسية ورئيس جمعية المهندسين السابق: هل تكون المشاريع العقارية العملاقة التي طرحتها اعمار والجميرا ريزيدنس بمثابة «طوق النجاة» للمهندسين للخروج من حالة الركود في السوق؟ يقول الرستماني ان المشاريع العقارية الجديدة تشكل ثورة في عالم الاستثمار العقاري من حيث الجودة العالية في التنفيذ والفترة القصيرة نسبيا المحددة للانتهاء من أعمال البناء، ولا شك ان هذه المشاريع العملاقة ستفتح مجالات واسعة للعمل للمهندسين خصوصا وان 90% من حجم الاعمال في السوق عادة ما تذهب إلى عدد محدود جدا من المكاتب الاستثمارية لا يتجاوز الـ 100 مكتب في حين لا يصل 1100 مكتب سوى 10% من حجم الأعمال، ولا شك ان وجود مثل هذه المشاريع الضخمة يوفر فرص عمل لهذه الشركات. لكن الرستماني يسلط الضوء على نقطة هامة هي ان المشاريع العقارية الكبيرة أفرزت مشكلة ينفرد بها قطاع المهندسين وهي ارتفاع رواتب المهندسين والفنيين حيث تمتص مثل هذه النوعية من المشاريع خيرة المهندسين في الدولة وفي المنطقة وبالتالي يصبح من الصعب ايجاد المهندس المتميز الأمر الذي خلق منافسة بين المكاتب الاستشارية لدفع رواتب كبيرة للمهندسين حيث كان أعلى راتب يتقاضاه المهندس 12 ألف درهم ارتفع الآن من 25-30 ألف درهم. ويضيف قائلا: نحن كمكاتب هندسية وطنية لا نستطيع دفع مثل هذه الرواتب المرتفعة خصوصا وان الشركات الوطنية التي تمتلك مثل هذه المشاريع العقارية الضخمة عادة ما تفضل اسناد تصاميمها ومشاريعها الى شركات أجنبية دون اعطاء الأولويات للشركات والمكاتب الاستشارية الوطنية على الرغم من توفر الجودة والكفاءة لدى المكاتب الوطنية والتي لا تقل عن مثيلاتها الأجنبية التي عادة ما تعهد بأعمال التنفيذ من الباطن إلى الشركات الوطنية بعد أن يكون قد أسند إليها الأعمال كاملة. وهنا لابد من اعطاء الأولوية للشركات المحلية للمشاركة في تنفيذ مثل هذه المشاريع العقارية الكبيرة خصوصا إذا ما كانت امكانياتها لا تقل بأي حال عن الشركات الأجنبية. ويرى الرستماني ضرورة أن تركز المشاريع الكبيرة الجديدة على الاسكان المتميز دون الدخول في مشاريع الوحدات السكنية العادية تجنبا لاحداث ضرر على القطاع العقاري الذي يتوجه غالبيته للاسكان المتوسط لانه لا معنى لان تدخل المشاريع العملاقة في الاستثمار في وحدات الاستديو والغرفة الواحدة. زيادة الطلب على مواد البناء شهدت أسواق مواد البناء (الاسمنت، الحديد، الخشب) ارتفاعا ملحوظا في الاسعار في الفترة الاخيرة على الرغم من الحديث عن وجود حالة من الهدوء في قطاع البناء والتشييد ويرجع البعض السبب في ذلك الى الطلب المتزايد من المشاريع العقارية الكبيرة خصوصا في دبي على مواد البناء مما تسبب في ارتفاع اسعارها.. وهنا السؤال: هل تتسبب بالفعل المشاريع الجديدة في رفع اسعار مواد البناء نتيجة لزيادة الطلب عليها. سامي زهران مدير التسويق في مجموعة شركات سلطان احمد لوتاه التي تمتلك بعض الشركات العاملة في منتجات الخرسانة يرى ان السوق يشهد حاليا طلبا متزايدا على مواد البناء خصوصا من المشاريع الكبيرة التي بدأت تظهر في دبي ولا شك ان المشاريع الجديدة التي أعلنتها اعمار والجميرا ريزيدنس من شأنها أن تزيد من حالة الطلب. وفي رأيي ان المشاريع العملاقة سوف تشكل «طوق النجاة» لكافة الشركات العاملة في مواد البناء لانها كانت على وشك الدخول في حالة الركود نتيجة لانخفاض حجم الاعمال في قطاع البناء والتشييد، ولذلك تأتي هذه المشاريع لتساهم في تحريك السوق. وحسب زهران فان زيادة الطلب من قبل المشاريع الجديدة على مواد البناء خصوصا من الاسمنت والحديد والخشب ومنتجات الخرسانة المسلحة سوف يزيد من اسعار هذه المواد خصوصا وان معظم مواد البناء يتم استيرادها من الدول المجاورة ومن الخارج. لكن لا شك ان زيادة الطلب على مواد البناء سوف يشجع الشركات المصنعة خصوصا المحلية العاملة في مجال الخرسانة والطوب والاسمنت على زيادة طاقتها الانتاجية لمواجهة الطلب المتزايد من قبل المشاريع الكبيرة والتي عادة ما تستهلك كميات ضخمة من كافة أنواع مواد البناء. تحقيق: عبدالرحمن اسماعيل