رغم ما حققته البلدان النامية من طفرات هائلة في مجال الانتاجية الصناعية على مدار العقدين الماضيين.. الا ان قطار التجارة العالمية مازال يأبى ان يضع ذلك في حساباته ويشير احدث تقرير لمؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية «الاونكتاد» حول التجارة والتنمية في العالم 2002 إلى ان التحدي الرئيسي الذي يواجه معظم البلدان النامية على صعيد السياسة العامة يظل يتمثل اساسيا في تحديد افضل طريقة لتوجيه القوى الاساسية للتجارة والصناعة نحو توليد الثروة وتلبية احتياجات الناس، وكثيرا ما اعتبر ان تحول هذه البلدان عن الاعتماد على تصدير السلع الاولية لتتجه نحو زيادة انتاج وتصدير المنتجات الصناعية يشكل وسيلة تكفل مشاركتها على نحو اكثر فعالية في التقسيم الدولي للعمل، إذ يتوقع ان توفر المصنوعات امكانيات افضل فيما يتصل بحصائل الصادرات لا لانها تسمح بنمو الانتاجية وتوسع الانتاج بمعدل اسرع فحسب، بل لانها تتيح ايضا امكانية زيادة استقرار الاسعار حتى مع توسع احجام الصادرات، مما يفضي إلى تجنب تراجع معدلات التبادل التجاري الذي اعاق اداء النمو طويل الاجل للعديد من الاقتصادات المعتمدة على السلع الاساسية. ومنذ اوائل الثمانينيات، كان للتوجهات نحو التحرير السريع للتجارة والاستثمار الاجنبي المباشر تأثير قوي على تفكير المسئولين عن رسم السياسات العامة في العديد من البلدان النامية فيما يتصل بالتصدي لهذا التحدي، وقد كان من المتوقع للانفتاح على القوى السوقية الدولية والمنافسة الدولية ان يسمح لهذه البلدان بتغيير وتيرة ونمط مشاركتها في التجارة الدولية، مما يساعدها في التغلب على مشاكل موازين المدفوعات والتعجيل في النمو من اجل اللحاق بركب البلدان الصناعية. ويقول التقرير انه وخلال هذه الفترة سجلت صادرات البلدان النامية بالفعل نموا بمعدل اسرع من المتوسط العالمي، اذ اصبحت تشكل الآن قرابة ثلث التجارة السلعية العالمية، وقد تحقق قدر كبير من هذا النمو في صادرات المصنوعات التي تشكل اليوم ما نسبته 70% من مجموع صادرات البلدان النامية، وفي بعض المنتجات، تشكل صادرات البلدان النامية قرابة نصف الصادرات العالمية أو اكثر، والاهم من ذلك انه يبدو ان العديد من البلدان النامية قد نجحت في التحول نحو صادرات المصنوعات الكثيفة الاستخدام للتكنولوجيا، وقد كانت هذه من بين المنتجات الاسرع نموا في التجارة العالمية على مدى العقدين الماضيين، ولاسيما المنتجات الالكترونية والكهربائية. الا انه بإلقاء نظرة اكثر تفحصا يتبين أن الصورة اكثر تعقيدا واختلافا بكثير، فباستثناء عدد قليل من بلدان الرعيل الاول من الاقتصادات الحديثة التصنيع في شرقي آسيا التي تتوفر لديها قاعدة صناعية هامة والتي اندمجت بالفعل اندماجا وثيقا في النظام التجاري العالمي، لاتزال صادرات البلدان النامية تتركز على المنتجات المستمدة اساسا من استغلال الموارد الطبيعية، واستخدام اليد العاملة غير الماهرة والتي لا تتوفر لها سوى امكانيات محدودة فيما يتعلق بنمو الانتاجية، فضلا عن انها تفتقر إلى الدينامية في الاسواق العالمية، اما الاحصاءات التي تدل على حدوث توسع كبير في صادرات البلدان النامية من المنتجات الكثيفة الاستخدام للتكنولوجيا والتي تتميز بدينامية العرض وارتفاع القيمة المضافة فهي احصاءات مضللة، إذ يبدو ان البلدان النامية تصدر هذه المنتجات بالفعل، ولكن حقيقة الامر هي ان هذه البلدان غالبا ما تشارك في مراحل التجميع المتدنية المهارات ضمن سلاسل الانتاج الدولية التي تنظمها الشركات عبر الوطنية، ويتجسد القدر الاكبر من التكنولوجيا والمهارات في اجزاء ومكونات مستوردة، ويتحقق جزء كبير من القيمة المضافة لصالح المنتجين في البلدان الاكثر تقدما التي يتم فيها انتاج هذه الاجزاء والمكونات، ولصالح الشركات عبر الوطنية التي تنظم شبكات الانتاج هذه. ويرى التقرير انه وفي حين ان حصة البلدان النامية من صادرات المصنوعات العالمية، بما في ذلك صادرات المنتجات ذات التقنية العالية والنمو السريع، ما برحت تتوسع بسرعة، فانه لا يبدو ان الدخل الذي تكسبه هذه البلدان من هذه الانشطة يتسم بمثل هذه الدينامية، وفي هذا الصدد، تفضي المقارنة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية على مدى العقدين الماضيين إلى اثارة بعض الهواجس الاولية، فبالرغم من ان حصة البلدان المتقدمة في صادرات المصنوعات العالمية قد انخفضت، فان هذه البلدان قد زادت فعليا حصتها في القيمة المضافة للصناعة العالمية على مدى هذه الفترة، وعلى النقيض من ذلك، فان البلدان النامية قد استطاعت تحقيق زيادة حادة في نسبة صادرات المصنوعات إلى الناتج المحلي الاجمالي، ولكن دون وجود أي اتجاه ذي شأن نحو الارتفاع في نسبة القيمة المضافة التصنيعية إلى الناتج المحلي الاجمالي، وتبعا لذلك، فان الزيادة في حصة البلدان النامية في صادرات المصنوعات العالمية لم تكن مقترنة بزيادات موازية في حصصها من القيمة المضافة للصناعة العالمية، بل ان هاتين النسبتين قد نزعتا إلى الاتجاه، في عدة بلدان، في اتجاهين متعاكسين، ومن المؤكد ان عددا قليلا من البلدان التي انتهجت سياسة التحرير السريع للتجارة والاستثمار وشهدت نموا سريعا في صادرات المصنوعات على مدى العقدين الماضيين قد حققت زيادة كبيرة في حصتها من الدخل الصناعي العالمي. ومن الواضح انه بالنسبة للعديد من البلدان النامية، لم يعد الحصول على اقصى ما يمكن الحصول عليه من فوائد النظام التجاري الدولي مجرد مسألة تحول عن الصادرات السلعية، وفي الوقت نفسه، فان العديد من نفس القوى التي اثرت تأثيرا سلبيا على ديناميات الاسعار والانتاجية في القطاع الاولي، بما في ذلك الهيكل التنافسي للاسواق، ومرونات الدخل، واوجه الضعف التكنولوجي، تحتاج إلى اعادة نظر على ضوء الاتجاهات الحديثة المرتبطة بتزايد مشاركة البلدان النامية في النظام التجاري الدولي. المنتجات الدينامية في التجارة العالمية ويوضح التقرير ان قيمة الصادرات السلعية العالمية على مدى العقدين الماضيين سجلت نموا بمعدل بلغ في متوسطه قرابة 8% في السنة مقارنة بمعدل نمو يقل عن 6% في الناتج والدخل العالميين «بأسعار الدولار الجارية» ومن بين المنتجات التي يتناولها تقرير التجارة والتنمية هذا وعددها 225 منتجا، سجلت الصادرات من بعض هذه المنتجات نموا بمعدلات تبلغ ثلاثة امثال معدل نمو الدخل العالمي، بينما سجلت قيم الصادرات من منتجات اخرى انخفاضا بالارقام المطلقة، اما المنتجات التي سجلت معدلات نمو راكدة أو سلبية فهي اساسا السلع الاولية، بالاضافة إلى بعض المنتجات المصنعة، وقد تخلف نمو التجارة في قرابة الثلث من جميع المنتجات، بما في ذلك السلع الاولية والمنتجات المصنعة على حد سواء، عن مواكبة النمو في الدخل العالمي. وفي حين ان المصنوعات تشكل عموما المنتجات الاسرع نموا في التجارة العالمية، فان هناك ايضا بعض المنتجات الزراعية التي تندرج ضمن هذه المجموعة، مثل المشروبات غير الكحولية والحبوب، ويمثل الكثير من المصنوعات الاسرع نموا في التجارة العالمية، كالمنتجات الالكترونية والكهربائية التي تشكل الآن نحو سدس الصادرات العالمية، مصنوعات كثيفة الاستخدام للتكنولوجيا، وهي غالبا ما تشتمل على قدر كبير من انشطة البحث والتطوير، ومن السمات المشتركة لهذه المصنوعات ذات الدينامية السوقية ان القطاعات التي يتم فيها انتاجها تظهر نموا قويا في الانتاجية، وهذا لا ينطبق بالقدر نفسه على بعض المنتجات الاخرى ذات الدينامية السوقية، مثل المنسوجات والملابس، ومعدات النقل، التي تشتمل على محتوى منخفض أو متوسط من المهارات. ويرى التقرير ان الفوارق في مرونات الدخل، وابتكار المنتجات، وانماط الاستهلاك المتغيرة، والتحولات في القدرة التنافسية للصناعات بين مختلف البلدان، يمكن ان تفسر الاسباب التي تجعل بعض المنتجات اكثر دينامية من غيرها في الاسواق العالمية، الا ان الفوارق في سرعة تحرير الاسواق قد لعبت ايضا دورا هاما، ومن التأثيرات الهامة بصفة خاصة في السنوات الاخيرة ما تمثل في السياسات التجارية للعديد من البلدان المتقدمة التي تحد من امكانية الوصول إلى اسواقها، وقد كان تحرير التجارة محدودا وبطيئا في قطاع المنسوجات والملابس وغيرها من المصنوعات كثيفة الاستخدام لليد العاملة، مقارنة بوتيرة التحرير في قطاعات اخرى، وتزايدت حدة التعريفات العالمية والتصاعد التعريفي من جراء وجود اشكال صريحة اخرى من اشكال الحماية، مثل حصص المعدلات التعريفية، وكذلك من جراء اشكال صريحة اخرى من اشكال الحماية، مثل حصص المعدلات التعريفية، وكذلك من جراء التأثير السلبي لتدابير مكافحة الاغراق ومعايير المنتجات، وقد ادى تزايد الحواجز غير التعريفية وبخاصة الحواجز امام المصنوعات غير المتطورة، إلى تعزيز الانماط السائدة لشروط الوصول إلى الاسواق التي تفضل المنتجات عالية التقنية على المنتجات ذات المستوى التكنولوجي المنخفض والمتوسط التي تنزع إلى اكتساب اهمية في المرحلة الاولى من عملية التصنيع. ولربما كان للاستراتيجية التي تنتهجها الشركات عبر الوطنية تأثير اكثر حسما فيما يتصل بدينامية المنتجات، وقد كانت المجموعات الثلاث من المنتجات التي سجلت اسرع معدلات النمو على مدى العقدين الماضيين، اي مكونات واجزاء المنتجات الكهربائية والالكترونية، والمنتجات القائمة على الاستخدام الكثيف لليد العاملة، مثل الملابس، والمنتجات التي تشتمل على درجة عالية من انشطة البحث والتطوير، هي الاشد تأثرا بعولمة عمليات الانتاج من خلال ترتيبات تقاسم الانتاج الدولية، وقد ادى تزايد قدرة رأس المال على الحركة، بالاضافة إلى استمرار القيود المفروضة على حركة اليد العاملة، إلى اتساع شمولية شبكات الانتاج الدولية، مما افضى إلى تسارع نمو التجارة في عدد من القطاعات التي يمكن فيها تجزئة سلاسل الانتاج ونقل مواقعها إلى بلدان شتى، وقد ادت الاحكام التعريفية المؤاتية، التي يتم التوصل اليها في احيان كثيرة من خلال ترتيبات اقليمية، فضلا عن الحواجز الضريبية وغيرها من الحوافز، إلى تشجيع هذه العملية، مما افضى إلى تعزيز نمط جديد من انماط التجارة حيث يتم تجهيز السلع في عدة مواقع قبل ان تصل إلى المستهلكين النهائيين، وحيث تتجاوز القيمة الاجمالية للتجارة المسجلة في هذه المنتجات قيمتها المضافة بهامش كبير، ويقدر ان تشكل التجارة القائمة على التخصص ضمن هذه الشبكات نسبة تصل إلى 30% من الصادرات العالمية. كتب مصطفى عبدالعظيم: