لعل احدى المفارقات غير المتوقعة في الاضطرابات المالية لهذا الصيف كانت في اعادة التأهيل الهادئة لـ «جي. بي مورجان»، أقوى مصرف خاص في تاريخ البلاد. ولكن مورجان يبرز الآن كشعار لشيء يبدو نادرا جدا في أوساط الشركات الأميركية ألا وهو الخُلُق. وفي أيام حياته (1837-1913)، كان مورجان موضع اعجاب ولعنة في الوقت نفسه لنفوذه الهائل. ففي الثمانينيات والتسعينيات من القرن التاسع عشر، قام باعادة تنظيم الكثير من سكك الحديد لاعادتها الى الربحية عن طريق كبح المنافسة. وفي وقت لاحق، عمل مورجان على تعزيز صناعة الفولاذ عن طريق دمج عمليات شركة أندرو كارنيجي مع الشركات المنافسة وتشكيل ما عرف باسم «الأميركية للفولاذ». وفي عام 1895، عندما كانت احتياطيات الحكومة من الذهب تتراجع بسرعة، سد مورجان النقص فيها بتقديم قرض بقيمة 65 مليون دولار. وفي عام 1907، أوقف الذعر في الأوساط المصرفية وسوق الأسهم عن طريق ترتيب قروض من المصارف القوية الى الضعيفة. وفي مناسبات عديدة، لعب هذا الرجل أدوارا يقوم بها الآن البنك الاحتياطي الفيدرالي وهيئة الاوراق المالية والبورصة والخزانة والهيئات الحكومية التي لم تكن قد تشكلت بعد ... وذلك لانه لا أحد سيخولها لاعادة تشكيل صناعات بأكملها. ولكن مورجان كانت لديه قوة أخلاقية تدفعه للانقاذ، كما تشير الى ذلك جين شتراوس في كتابها عن سيرة مورجان بعنوان «مورجان: ممول أميركي». وكتبت جين، مؤخرا، في صحيفة نيويورك تايمز تقول انه كان يمارس سلطته باحساس بـ «المسئولية الأخلاقية». مورجان كان قناة لرأس المال. فقد ربط المستثمرين الأثرياء، اميركيين واجانب، بشبكة من السكك الحديدية والمشاريع الصناعية التي كانت بحاجة إلى الأموال من أجل التوسع. ولكن حالما كانت تكتمل الصفقات، لم يكن مورجان لينسحب. فقد كان يرى نفسه حارسا على ثروة المستثمرين. فإذا ساءت أحوال المشروع، كان مورجان يتدخل لانقاذه. وكان يعين مدراء جدد ويصلح الصناعات ويجعل شركاءه أعضاء في مجالس إدارة الشركات. وكانت الفكرة من وراء ذلك هي ضمان تسديد أموال المستثمرين. وكان مورجان يشعر بأنه مقيد بالتزام أخلاقي. وهنا يكمن التناقض مع الوضع الحالي. ففي أواخر التسعينيات، باعت المصارف الاستثمارية في بورصة وول ستريت مئات المليارات من الأسهم والسندات التي أصبحت عديمة القيمة فيما بعد، وبخاصة في شركات الانترنت والاتصالات. ونفس بيوت الاستثمار هذه باركت العشرات من عمليات الاندماج التي انهارت أسعار أسهمها في وقت لاحق. وبخلاف مورجان الذي اعتبر أحوال المستثمرين وكأنها ماله، فان الأسياد الحاليين لوول ستريت يرون أموال المستثمرين كسلعة تتم ملاحقتها ومعالجتها ... ولكن ليس بالضرورة حمايتها. فالمصرفيون يأخذون رسومهم في كل الاحوال. ويفترض أن يكون المستثمرون المؤسساتيون الكبار (الصناديق المشتركة، صناديق التقاعد، وشركات التأمين) محنكين بما فيه الكفاية لحماية أنفسهم. كان مورجان ينفي على الدوام أن تكون قراراته الحاسمة مبنية بشكل أساسي على الحسابات المالية. وفي احدى جلسات الاستماع في الكونجرس، سأل مستشار اللجنة قائلا: ألا يعتمد الائتمان التجاري بشكل أساسي على المال أو الأملاك؟ فأجابه مورجان قائلا: لا يا سيدي. الشيء الأول هو الأخلاق. وسأله المستشار المتشكك: قبل المال أو الأملاك؟ فأجاب مورجان: قبل المال أو الأملاك أو أي شيء آخر. فالمال لا يمكنه شراؤها. أما في مناخ اليوم، فالاخلاق تبدو اعتبارا عتيق الطراز. فالصفقات تتم اذا تضاعفت الارقام (واحيانا اذا لم يحدث ذلك). وقد يعكس هذا التغير منافسة أكبر. ان الانتقادات اللاذعة لمورجان كانت تتلخص في ان مصرفه، مع عدد قليل من المصارف الاخرى، كان يهيمن على جزء كبير من رأس المال الاستثماري في البلاد. وكانت تلك المصارف «المؤتمن على الأموال». وعلى النقيض من ذلك، تستطيع نشاطات الاعمال الآن ـ في أحسن الاحوال على الأقل ـ ان تجمع المال من مصادر كثيرة. واذا بدا احدها متحفظا جدا، فانه قد يحظى بالتجاهل الى درجة النسيان. ويجد القيمون على رأس المال ان من الصعب عليهم ان يلعبوا دور الحراس عليه في الوقت الذي يتصارع الكثيرون على النشاط نفسه. ويعتقد قادة الاعمال الحاليون بلا شك انهم يعملون وفقا لمبادئ اخلاقية. وهم يقومون بذلك فعلا. والامر اشد صراحة مما كان في ايام مورجان، وذلك لانه محدد بالمزيد من الضوابط والقوانين الحكومية. وعلاوة على ذلك، فان مبادئ مورجان كانت مثيرة للجدل وتخدم المصالح الذاتية. فقد كان يعتقد ان الوصول الى رأس المال كان امرا لا مفر منه بالنسبة للتطور الصناعي في البلاد. وبالتالي، كان من الضروري ضمان حصول المستثمرين على عائد مالي. واذا كان هذا يعني كبح المنافسة، فليكن ذلك. ولكن الكثير من المزارعين واصحاب الاعمال الصغيرة شعروا بأنهم مقموعون بفعل اسعار الشحن على السكك الحديدية. واراد الشاحنون ان تكون هناك حرب اسعار. وعلى نحو مماثل، اعتقد مورجان ان قاعدة الذهب تعتبر ضرورية لجذب رأس المال. والمستثمرون ارادوا ان يسددوا بأموال وثقوا بها. وهنا ايضا، كانت هناك معارضة كبيرة. وشعر المقترضون انهم ضحية ما يجري. وبالنسبة لهم، فان اخلاقية مورجان كانت تعني قروضا يصعب الحصول عليها واسعار منخفضة. ان من الصعب الحكم على سلوك حقبة زمنية معينة وفقا للمعايير الاخلاقية لحقبة اخرى. فلا احد هناك الآن مستعد للتخلي عن سلطة اقتصادية كبيرة الى فرد من القطاع الخاص. ومع ذلك، فان سلوك مورجان يقدم دروسا خالدة. وأحد تلك الدروس هو انه في مجال الاعمال (ومعظم النشاطات الاخرى)، لا يمكن لكافة القوانين والضوابط ان تحل بالكامل محل الاجتهاد الانساني حول ما هو صواب وما هو خطأ. والدرس الثاني هو ألا نخلط بين المال والاخلاق. فالمال يقيس الابداع والطموح والموهبة والجهد، وربما الحظ او الميراث او العمل الاجرامي. اما الاخلاق، وان كانت غير ملموسة واحيانا يصعب تمييزها، فانها لا تقدر بثمن.