تشكل الأسواق بمفهومها العام حجر الزاوية في البناء الاقتصادي للدول التي تعتنق نظام الاقتصاد الحر والمعروف اصطلاحا بنظام اقتصاد السوق، والذي يعتمد على ما يعرف بآلية الثمن في تحديد ما يجب إن ينتج من سلع أو خدمات والثمن الذي يمكن للمستهلك النهائي الحصول عليه عنده. ويتكون النظام الاقتصادي ككل في هذه الدول من مجموعة من الأسواق تتضمن بدورها مجموعة من المنتجين والمستهلكين الذين يشكلون قوى السوق «العرض والطلب» التي تتفاعل فيما بينها استجابة للظروف السائدة وذلك لتعظيم ربحهم بالنسبة للمنتجين أو منفعتهم بالنسبة للمستهلكين دون تدخل حقيقي من قبل الحكومة التي يقتصر دورها في هذه الحالة على الإشراف والتأكد من أن النظام الاقتصادي يعمل بصورة طبيعية. وينطبق على أسواق المال التي تعتبر سلعة قابلة للتداول كغيرها من السلع ما ينطبق على غيرها من أسواق السلع الأخرى ولكن مع اختلاف بسيط وذلك لما تمثله هذه السلعة من أهمية شديدة للاقتصاد وما تتميز به من ندرة نسبية حتى في اكثر الاقتصاديات غنى. وهذا الاختلاف يتمثل أولاً في حساسية هذه الأسواق للعامل النفسي وثانياً حاجتها إلى درجة أكبر من الشفافية التي تعتبر عنصراً أساسياً لمثل هذه الأسواق وذلك لجعلها أكثر كفاءة ومن ثم أقدر على لعب دورها الأساسي والمهم في الاقتصاد. وتنقسم أسواق المال أو الأوراق المالية من حيث الكفاءة التي تعني أن أسعار تداول اسهم أو سندات أي من الشركات المدرجة يعكس بشكل حقيقي جميع المعلومات المتعلقة بتلك الشركة وبوضعها المالي وبأدائها عموماً والتي تتحدد بدرجة الشفافية المتوفرة في السوق وفي الاقتصاد عموما إلى ثلاثة أقسام: أولاً أسواق ذات كفاءة ضعيفة: وهي الأسواق التي تعكس فيها الأسعار الحالية كل المعلومات المتضمنة في الأسعار السابقة أي الأسعار التي كانت سائدة في الماضي، وهذا يعني أنه إذا أردنا أن نخمن الأسعار المستقبلية لأي سهم أو سند مالي فإنه يمكننا فعل ذلك دون الحاجة لمعرفة تاريخ السهم من حيث الأسعار السائدة في السابق طالما أن تلك الأسعار متضمنة بشكل تلقائي في السعر السائد حالياً مما يعني أن السعر المستقبلي لأي سهم هو: السعر الحالي والعوائد المتوقعة ورقم عشوائي وهو القول بأن أسعار الأوراق المالية تتغير بشكل عشوائي في الأسواق المالية ذات الكفاءة الضعيفة الأمر الذي يجعل محاولة تقدير الأسعار المستقبلية أمراً غاية في الصعوبة والذي يجعل بدوره عملية المضاربة على الأسعار أمراً محفوفاً بالمخاطر إذ يمكن أن يحقق المضاربون في هذا النوع من الأسواق أرباحاً غير اعتيادية أي كبيرة كما يمكن أن يتعرض لخسائر فادحة. ثانياً أسواق ذات كفاءة متوسطة «أسواق شبه كفؤة»: وهي الأسواق التي تعكس فيها الأسعار الحالية إضافة إلى المعلومات المتضمنة في الأسعار السائدة في الماضي جميع المعلومات المتاحة لعامة الناس مثل الميزانيات السنوية وحسابات الأرباح والخسائر للشركات وإحصائيات الأسواق والمعلومات التي يدلى بها في المؤتمرات الصحفية التي تعقد من قبل المدراء التنفيذيين للشركات وغيرها من المعلومات العامة والتي تهم المتعاملين في السوق والتي يمكن أن تؤثر في الأسعار الحالية والمستقبلية للأسهم والسندات وهي تعتبر أسواقاً ذات مستوى كفاءة وشفافية أعلى من الأسواق ذات الكفاءة الضعيفة الأمر الذي يعني أنه لا يمكن لأي مستثمر أو مضارب تحقيق أي أرباح غير اعتيادية أي تلك التي تعتمد أساساً على أداء الشركات وما تحققه من عوائد على استثماراتها المباشرة وغير المباشرة وذلك اعتمادا فقط على ما يسمى بتحليلات الأسعار والتي يقوم بها عادة بعض خبراء البورصات لوضع توصيات للشراء أو البيع يدعون أنها يمكن أن تحقق أرباحاً كبيرة في أوقات قياسية وهو ما لا يقر به الكثير من الخبراء الاقتصاديين وخاصة خبراء أسواق المال. ثالثاً أسواق ذات كفاءة عالية: وهي الأسواق التي تعكس فيها الأسعار الحالية ليس فقط المعلومات المتضمنة في الأسعار التي كانت سائدة في الماضي والمعلومات المتاحة للعامة بل كذلك المعلومات الخاصة بالشركات، والتي تقتصر معرفتها على أعضاء مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين للشركات والتي لا يتم التصريح بها للعامة إذ تعتبر من الأسرار التي تحتفظ بها الشركات في إدارة أعمالها، مثل الأسرار التجارية وخطط الاستثمار المستقبلية وقائمة العملاء والديون المعدومة أو المشكوك في تحصيلها وغيرها من المعلومات التي يشكل افشاؤها خطراً على أداء الشركات ومن ثم أرباحها، ويعتبر هذا النوع من الأسواق المالية من أعلى الأسواق كفاءة إذ تتمتع هذه الأسواق بدرجة عالية جداً من الكفاءة والشفافية الأمر الذي يجعل إمكانية تحقيق أرباح غير اعتيادية أمراً مستحيلاً دون استغلال المعلومات الداخلية للشركات والذي يعد جريمة الجرائم الاقتصادية التي يعاقب عليها القانون بعقوبات صارمة في معظم الدول المتقدمة لما لمثل هذه الممارسات من أثر سيئ على أداء أسواق المال التي تعتبر العمود الفقري لاقتصاديات الدول ولما تفرزه من ضرر على مصالح الشركات والمستثمرين على حد سواء وعلى المناخ الاستثماري والاقتصاد عموماً، ونتيجة للأهمية الكبيرة لأسواق المال والدور الحساس الذي تلعبه هذه الأسواق في الاقتصاديات الحديثة قامت الكثير من الدول وخاصة تلك التي تملك أسواق أوراق مالية «بورصات» قوية تزيد تعاملاتها اليومية عن مليارات الدولارات بتشريع العديد من القوانين المنظمة لهذه العملية المعقدة والشائكة مثل القوانين التي تحدد المعايير المحاسبية التي يجب على الشركات المدرجة أو تلك الراغبة في إدراج أسهمها في البورصات الالتزام بها والقوانين التي تنظم طريقة العمل في البورصات والحالات التي يتحتم فيها وقف التعامل بأسهم الشركات التي تتعرض لهزات مالية وكذلك القوانين التي تحمى البورصات والشركات المدرجة والمتعاملين فيها من بعض التعاملات غير المشروعة والتي تعرضها للهزات الناتجة عن الفزع الذي يمكن أن تثيره تلك التعاملات مثال ذلك إغراق السوق بأسهم بعض الشركات بغية التأثير على أسعارها وأخيراً القوانين التي تقيد الأشخاص والتعاملات التي تقوم على أساس استغلال المعلومات الداخلية للشركات والتي لا تكون في متناول يد جميع المتعاملين في السوق. والجدير بالذكر أن الهزة الحالية التي يتعرض لها الاقتصاد الأميركي والتي تعتبر أقوى هزة يتعرض لها هذا الاقتصاد القوي منذ الكساد العظيم الذي ضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي في مطلع القرن الماضي والذي يعتقد بعض خبراء الاقتصاد أن آثاره السلبية لم تظهر كاملة بعد وستبقى ردحاً من الزمن وسيتطلب علاجها الكثير والكثير جداً من الصبر والعديد من الإجراءات القاسية وذلك لاعادة ثقة المستثمرين وخاصة الأجانب منهم والذين يعتمد الاقتصاد الأميركي على استثماراتهم بشكل أساسي إذ تشكل هذه الاستثمارات الأجنبية بنوعيها المباشر وغير المباشر ما يزيد على خمسة وعشرين في المئة من الاقتصاد الأميركي الذي يناهز حجمه الأحد عشر تريليون دولار وذلك لان هذه الأزمة لا تشكل أزمة اقتصادية تقليدية كأزمات الركود التي تعود على الاقتصاد الأميركي وغيره من الاقتصادات المتقدمة بل تشكل أزمة ثقة في الأداء الاقتصادي لهذه الدولة الكبرى وذلك بسبب تلاعب الكثير من الشركات مثل شركة إنرون للطاقة وشركة إم سي أي للاتصالات وشركة يو إس ايرويز للنقل الجوي وعدم تقيدها بالقوانين المنظمة لعمل البورصات الشركات المدرجة فيها مما أدى إلى خسارة الكثير من المستثمرين المحليين والأجانب لمليارات الدولارات ومن ثم التأثير على شفافية البورصات الأميركية والاقتصاد الأميركي عموماً وخلق جو من عدم الثقة لدى السواد الأعظم من المتعاملين في البورصات الأميركية والمستثمرين في الشركات الأميركية والاقتصاد الأميركي الذي كان يعتبر إلى وقت قريب الوجه الأولى للاستثمارات في العالم مما جعله اكبر اقتصادات العالم الأول وأكثرها كفاءة على الإطلاق. وتطبيقاً لما سبق على أسواق الأوراق المالية في الدول التي تعتبر حديثة عهد ولا تتمتع بدرجة كبيرة من الشفافية ومن ثم الكفاءة فإنه يمكن إدراجها ضمن المجموعة الأولى حسب التصنيف السابق الذكر أي الأسواق المالية ذات الكفاءة الضعيفة بالرغم من وجود قوانين الشركات والبورصات وغيرها من القوانين التي تنظم النشاطات الاقتصادية في الدولة وذلك لعدة أسباب في الحقيقة ومنها على سبيل المثال حداثة عهد البورصات في الدولة وكذلك قلة خبرة المستثمرين في البورصات المحلية والذي يشكل المضاربون الغالبية العظمى منهم وعدم وجود مكاتب استشارية محلية متخصصة في دراسة أوضاع البورصات المحلية وفي إدارة الاستثمارات غير المباشرة فيها وعدم إلمام المكاتب الاستشارية الدولية العاملة في السوق المحلية بظروف وخصوصية البورصات المحلية، وكذلك وهو العامل الأهم، عدم وجود مجموعة من القوانين الموحدة أو على الأقل المتجانسة إلى الآن تنظم القواعد التي تحكم أعمال البورصات وطرق التعامل فيها والأعمال المرتبطة بها والمؤثرة على أدائها مثل المعايير المحاسبية التي يجب على الشركات المدرجة تطبيقها وأساليب القيد في دفاتر الشركات وحسابات الأرباح والخسائر لها والطريقة والتوقيت الذي يجب على الشركات نشر ميزانياتها وحسابات أرباحها أو خسائرها خلاله والقيود والالتزامات المطبقة على الأشخاص الذين يملكون معلومات غير متداولة بسبب مواقعهم في الشركات في التعامل بأسهم تلك الشركات والعقوبات الواجب تطبيقها عليهم في حال إخلالهم بالالتزامات التي يفرضها القانون وأخيراً القوانين التي تحارب الفساد الإداري في الشركات . وقد أدت التعاملات أو بتعبير أدق المضاربات العشوائية قبل إنشاء أسواق الأوراق المالية في إمارتي أبوظبي ودبي إلى العديد من المشكلات منها تضخيم القيمة السوقية لأسهم بعض الشركات إذ وصل سعر التداول لأسهم إحدى الشركات إلى ما يزيد عن 1600 من القيمة الاسمية له وذلك حتى قبل أن تبدأ تلك الشركة في تدشين أعمالها رسميا، وبعد إنشاء بورصتي أبوظبي ودبي وبدء التعاملات الرسمية فيهما كان لزاماً أن تكون هناك حركة تصحيحية في الأسعار وقد أدت هذه الحركة إلى فقدان أسهم العديد من الشركات جانباً كبيراً من قيمتها السوقية التي تضخمت على غير أساس صحيح، ولكن وبالرغم مما جلبته حركة التصحيح السعرية هذه من استقرار نسبي لأسواق المال إلا أن البورصات ما زالت تعاني من أثار ما قد سبق، إذ انه وبالرغم من نشر غالبية الشركات لميزانياتها التي تبين تحقيقها نسباً معقولة من العوائد والأرباح إلا أن القيمة السوقية لأسهما مازالت تراوح مكانها وذلك بسبب الفائض في المعروض وكون أغلب المتعاملين في البورصات من المضاربين الذين يرغبون في التخلص مما لديهم من أسهم ومن ثم تقليل خسائرهم التي تكبدوها نتيجة التضخم في القيم السوقية لأسهم معظم الشركات وخاصة ما يسمى بالأسهم القيادية. وفي المحصلة أعتقد أنه لتحقيق أعلى درجة كفاءة ممكنة لأسواق المال المحلية تمكنها من القيام بدورها على الوجه الذي يخدم الاقتصاد الوطني يجب على الجهات المختصة أن تقر القوانين اللازمة لضمان استقرارها وحمايتها والمتعاملين فيها وخاصة صغار المستثمرين من التقلبات الشديدة والانهيارات وذلك أسوة بالدول التي سبقتناً والتي لها تجارب طويلة في هذا المجال عن طريق الاستفادة من هذه التجارب وتطبيق ما يصلح منها مع مراعاة الخصوصية التي تتسم بها أسواق المال المحلية والمستثمرون المحليون والمناخ الاستثماري المحلي عموماً