في ضوء تشخيصنا لسمات المجتمع الاستهلاكي في الامارات وما ترتب عليه من نزعة شديدة للقروض الشخصية، فان شريحة كبرى من أفراد مجتمع الامارات، قد أصبح مدمناً على القروض حيث ما ان ينتهي قرضه الأول حتى يجد نفسه يطلب قرض جديد، وبالمقابل يجد ترحيباً كبيراً من قبل المصارف التجارية التي لها دوافعها وأسبابها لتوسيع اقراضها الشخصي ولاسيما بدواعي الاستهلاك، ولكن يجدر التساؤل هنا حول ماهية دوافع وأسباب الفرد نحو الاقتراض وما هو حجم الاقراض الشخصي في الامارات وهل هو في ضوء المعدلات الطبيعية أم انه تجاوزها بكثير؟وتنقسم الدوافع الشخصية لدى الفرد للاقتراض الى قسمين، القسم الأول يتعلق بالانفاق الاستهلاكي الضروري كبناء منزل أو زواج أو شراء سيارة أو توفير متطلبات أسرية ضرورية، ثم القسم الاخر وهو الانفاق الاستهلاكي على الكماليات والتقليد والمحاكاة والبذخ، وحينما يتجاوز الانفاق قدرات الفرد والأسرة وحينما يكون الانفاق غير الضروري يفاقم ويجاوز المعدلات المعقولة يضطر الفرد حينها للاقتراض من المصارف لتغطية نفقات بذخية واستهلاكية غير ضرورية حينها تحدث المشكلة وتتفاقم وعندها يصبح الفرد عاجزاً عن السداد لتصبح معضلة شخصية للفرد والأسرة ومؤسسات المجتمع القانونية والأمنية والاجتماعية كطرف، ثم المصارف والقطاع المالي والاقتصادي كطرف آخر حيث يتأثر هو الآخر بمديونية أفراد المجتمع. واذا كان تجاوز الحدود المعقولة للقروض المصرفية يعرض الفرد والأسرة والمجتمع والقطاع الاقتصادي لمشكلات عديدة فلم يتم اللجوء الى المصارف وشركات التمويل؟ ولماذا يعرض الفرد نفسه وأسرته لمشاكل وخيمة وصعبة؟ ولماذا تسجل المديونية معدلات تصاعدية وبشكل حاد؟ ان ذلك يعود للأسباب التالية: ـ ان الانفتاح التجاري والاقتصادي الذي شهده مجتمع الامارات وما صاحبه من تطور كبير لسوق الاعلانات والتسوق للسلع والخدمات واغراءات كبيرة من قبل سوق الاستهلاك للفرد قد شجع الاستهلاك وتفشي النزعة الاستهلاكية في مجتمع الامارات وبالتالي ارتفاع معدلات الانفاق الاستهلاكي وانعكاس ذلك على حجم الادخار الشخصي وبالتالي الاستثمار في الدولة. ـ هناك اعتبارات اجتماعية قد فاقمت من النزعة الاستهلاكية في المجتمع وزادت من حجم الانفاق الاستهلاكي وبالتالي أدت الى زيادة الطلب على القروض الشخصية سواء من المصارف التجارية أو شركات التمويل وتلك الاعتبارات تتجسد في رغبة شريحة من افراد المجتمع نحو التميز والحضور الاجتماعي أو تقليد الغير أو محاكاتهم في مستوياتهم المعيشية حيث تكون تكلفة ذلك عالية جداً لاسيما حينما تتفاقم المديونية وتتزايد أعداد المعسرين عن السداد ونشير هنا الى ان هذه الاعتبارات لاتقتصر على مواطني الدولة فحسب وإنما حتى الوافدين ولكن بدرجة أقل. ـ تعتبر العوامل والضغوط النفسية من أسباب استشراء النزعة الاستهلاكية لدى الفرد في مجتمع الامارات ولاسيما عند المرأة، وهذه الضغوط تشكل دافعاً نحو شراء سلع كمالية واستهلاكية ليست ضرورية أو أساسية وربما يكتشف الفرد بعد زوال هذه الضغوط أو تراجع حدتها انها ليست ضرورية. ـ هناك دوافع للاقتراض من قبل شريحة من المواطنين في المجتمع التي قد تلجأ للاقتراض بدوافع الادخار الاجباري اذ يقترض الفرد ليحول قرضه الى بنك آخر يجمده في هيئة وديعة ويلتزم بالسداد رغم الضغوط التي يتعرض لها عند السداد ورغم فارق الفائدة بين القرض والوديعة، ويتزايد هذا النوع من الاقتراض عندما تكون نسبة الفائدة على القرض منخفضة فيما تصبح دوافع الاقتراض عند شريحة من الوافدين لفك ضائقة مالية أو سداد رسوم المدارس أو شراء سيارة، وفيما الشريحة الكبرى من ابناء الامارات المدينين هم ممن تتراوح قروضهم من عشرة آلاف الى خمسين ألفاً فان هناك فئة اخرى تقوم بتجديد قروضها لأكثر من مرة أما لفك ضائقة مالية بسبب القرض الأول أو بدافع اغراءات الشراء أو الاستهلاك أو الرغبة في وجود سيولة لدى هذه الفئة. ـ ان غياب الوعي الاستهلاكي لدى الفرد والأسرة في مجتمع الامارات ولاسيما عند شريحة الشباب من ذوي الدخول المحدودة والمتوسطة قد دفع الافراد نحو التنافس على الاقتراض من المصارف التجارية للحصول على قروض شخصية، أو شركات تمويل للحصول على تسهيلات لتمويل مشترياتهم وخاصة السيارات، ثم غياب الوعي بمخاطر القروض المصرفية وتأثيراتها السلبية خاصة عند السداد والعجز وتفاقم المشكلات الاسرية. ـ ان الدوافع التي تجعل شريحة معينة من المجتمع وغالبيتهم من ذوي الدخل المحدود للجوء الى المصارف للاقتراض منها هو تزايد الاعباء المعيشية بسبب الزيادة التي تطرأ على أسعار السلع والخدمات الضرورية والتي لا يقابلها زيادة مماثلة في الرواتب والأجور، فموظفو الحكومة سواء الاتحادية أو الحكومات المحلية يعانون من الزيادات في الأسعار مقابل ثبات دخولهم، بل ان أي زيادة تطرأ على الروابت تمتصها الزيادة في الأسعار، وبالتالي تلجأ هذه الشريحة للاقتراض من المصارف التجارية لتغطية فروقات الأسعار في ظل ثبات الاجور والرواتب. ـ هناك شريحة معينة من أفراد المجتمع سواء ذوي الدخل المحدود أو المرتفع وأمام اغراءات المصارف بمنح بطاقات ائتمانية برسوم محدودة وربما بشكل مجاني في بعض الاحيان، وأما استسهال الحصول على هذه البطاقات تجد هذه الشريحة نفسها مندفعة امام هذه الاغراءات للحصول على هذه البطاقات سواء من البنك الذي تتعامل معه أو أي بنك آخر دون حاجة الى تحويل راتب أو حتى فتح حساب جاري الأمر الذي يعزز النزعة الاستهلاكية لدى هذه الشريحة لأنها أصبحت تملك سيولة اضافية بحكم هذه البطاقات على الرغم من ان هذا يشكل تجاوزاً لتعليمات المصرف المركزي ويؤدي الى إغراق الافراد وبالتالي الأسرة والمجتمع في بحر من الديون والالتزامات خاصة اذا وصل الحال الى مرحلة الإعسار أو عدم القدرة لدى هذه الشريحة على سداد قيمة مشترياتها بواسطة هذه البطاقات. ـ وفي ضوء هذه النزعة الاستهلاكية تشير المؤشرات المالية للمصارف التجارية العاملة في الامارات الى توسع هذه المصارف في منح تسهيلات وقروض شخصية خلال السنوات الماضية وبشكل تجاوز قدرة المدينين على السداد فقد بلغ حجم القروض الشخصية في عام 1997 نحو 21.9 مليار درهم، وارتفع في العام التالي أي عام 1998 ليصل الى نحو 27.9 مليار درهم أي بنمو بلغت نسبته 27.7% فيما وصلت في عام 1999 نحو 29.6 مليار درهم، وفي نهاية عام 2001 بلغت القروض الشخصية نحو 36.2 مليار درهم مقارنة بعام 2000 حيث كانت 31.8 مليار درهم ثم في مارس 2002 قد وصلت الى 37.2 مليار درهم. ان حجم القروض والتسهيلات الشخصية التي تقدمها المصارف لأفراد المجتمع بالامارات تعكس مدى تزايد النزعة الاستهلاكية لدى الافراد، كما تتعرض المصارف التجارية لمشكلة الديون الهالكة والمتعثرة عندما يصبح هؤلاء الافراد غير قادرين على السداد. ان مؤشرات القروض الشخصية تؤكد على مدى اقبال أفراد المجتمع على الاقتراض من المصارف ولعل الجزء الأكبر من هذه القروض يتجه نحو تغطية متطلبات استهلاكية، الأمر الذي يؤكد على ان هناك مشكلة حقيقية ليست لأفراد المجتمع وانما للأسرة وللمجتمع الاقتصادي، ثم للمصارف التجارية التي سوف تتحمل مسئولية هذه المشكلة أو جزءاً منها، كما انها سوف تحصد نتائج التوسع في الاقراض الشخصي الاستهلاكي