أكد تقرير اقتصادى فى الكويت على أهمية فهم الشرق ، وخصوصا الصين، مؤكدا ان الشرق يحتضن أكبر كثافة سكانية في العالم، وينمو بمعدلات تفوق العالم الناضج، ويستهلك الكثير من الطاقة التي ينمو إستهلاكه لها موازياً لنموه الإقتصادي. وأكد التقرير الذى يصدر اسبوعيا عن مكتب الشال للاستشارات الاقتصادية انه إذا كان العالم يرى في الشرق السوق الواعدة ويرى أن نموه دالة طردية في الإستقرار العالمي، فالشراكة التجارية بيننا وبين الشرق أكبر لتركز إحتياطات النفط في المنطقة. ونحن لا نفهم تجارب الشرق المعاصرة ولا تراثه ولا لغاته، والواقع أننا أحياناً نتحيز ضده ربما لاعتبارات لها علاقة بالجهل به، وحتى في إتفاقاتنا النفطية نحاول إستبعاده. ونعتقد أنه من الأجدى قيام مراكز التعليم والبحث بإعطاء مساحة أكبر للشرق، ولابد لمؤسسات صناعة القرار بالبدء بتناول نتائج تلك الدراسات والأبحاث لإعادة صياغة توجهاتها وسياساتها. وأشار التقرير فى هذا الصدد الى المؤتمر الصحفي الذى عقد على الهواء بين الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون ورئيس الوزراء الصيني قبل أكثر من ثلاث سنوات، وفيه قال الرئيس الأميركي بأنه يعرف بأن في بلاده مدرستين عندما يتعلق الأمر بالصين. الأولى متخوفة وتعتقد بأن التعاون الإقتصادي مع الصين مآله تقوية منافس - وربما عدو - إستراتيجي على حساب الموقف التفاوضي الأميركي وترغب في مواجهة الصين بدلاً من تقويتها بالتعاون معها . والثانية ترى بأن الصين تضم خمس سكان العالم ولابد من النظر لها على أنها سوق خام ضخم من جانب، ومن جانب آخر لابد من إجتناب حجم التداعيات المحتملة على العالم أجمع واستقراره لو فشلت جهود التنمية في الصين، والرئيس الأميركي مع المدرسة الثانية. واشار التقرير الاقتصادى الكويتى الى ماأكدته مؤسسة غولدمان ساكس في أواخر يونيو الفائت حول أداء الإقتصاد الصيني الذي يعتبر من الظواهر التي تستحق الدراسة والمتابعة، وسبقه إلى هذا الأداء ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، ونمور آسيا لاحقاً، وتنفرد الصين بحجمها ونظامها المزدوج ما بين القطاع العام والأيديولوجية الشمولية ونظام السوق. والإقتصاد الصيني حالياً - طبقاً لغولدمان ساكس - سادس أكبر إقتصادات العالم، يقفز إلى المركز الرابع إذا إعتبرنا أوروبا موحدة، وإلى المرتبة الثانية إذا ما قيس ناتجها المحلي الإجمالي بقوته الشرائية (PPP). ورغم النمو الهائل في إقتصادها، إلا أن نمو تجارتها مع العالم الخارجي - إندماجها في الإقتصاد العالمي - أعلى بكثير، مما رفع نصيب تجارتها الخارجية - صادراتها + وارداتها 5% - من حجم إقتصادها الصغير في عام 1970 إلى 20% من حجم إقتصادها الأكبر بكثير في عام 2001. وأكد التقرير أن ما يحدث في الصين حقيقي وطبيعي، فالدول التي فيها كثافة عمالية عالية ورخيصة وينحو باتجاه تعاون مع دول لديها كثافة رأسمال وموارد، حتماً ستحقق معدلات نمو عالية. ويعتقد بأن هناك متسعا للإستمرار في تحقيق تلك المعدلات، فالإقتصاد الصيني رغم نموه مازال صغيراً نسبياً، فهو في حجم ربع الإقتصاد الياباني، بينما سكان الصين 10 أضعاف سكان اليابان، ومازالت تجارتها مع العالم الخارجي 35% من حجم تجارة اليابان. والفارق يبدو أعمق إذا ما قورنت بكل من الولايات المتحدة الأميركية أو الإتحاد الأوروبي، فحجم إقتصادها يساوي 10% من حجم أي من إقتصاديهما، وتجارتها الخارجية لا تتعدى 25% من حجم تجارة أي منهما. وإن إستمر الإقتصاد الصيني في معدلات نموه الحالية، فسيكون أكبر إقتصادات العالم بحلول عام 2025، ولكنه لفترة طويلة سيظل يعتمد على الصناعات الكثيفة العمالة ليستمر في تحقيق مزايا إنتاج نسبية. ويرسم التقرير البناء النظري لنمو الإقتصاد الصيني فيذكر أنه يمر بثلاث مراحل، الأولى وفيها تقود النمو تجارة الصين مع الخارج وتفوق معدلات نمو التجارة الخارجية معدلات النمو الإقتصادي، وهي الحقبة التي مرت فيها الصين منذ السبعينات وحتى بداية التسعينيات. فتجارة الصين الخارجية إرتفعت من 0.7% من تجارة العالم في عام 1970، إلى 2% في عام 1985 إلى 4 في عام 2000، وخلال الفترة كان التبادل التجاري العالمي يزداد بقوة. وفي المرحلة الثانية يتعادل معدلات النمو الإقتصادي مع معدلات نمو التجارة الخارجية وهي المرحلة التي دخلتها الصين فيما يبدو في التسعينيات من القرن الفائت. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة النضج والتي يبدأ فيها الطلب المحلي على السلع والخدمات بتحريك النمو الإقتصادي، وفيها تفوق معدلات النمو معدلات نمو التجارة الخارجية. وبلوغ تلك المرحلة يعني بلوغ الصين مرحلة القوة الإقتصادية العظمى، والأرقام تشير إلى أنها لازالت بعيدة جداً. إذ رغم أن عدد سكانها يعادل 20% من سكان العالم، مازال حجم إقتصادها -1.2 تريليون دولار أميركي عام 2001 يمثل نحو 3.5% من حجم الإقتصاد العالمي بالأسعار الجارية، ومازلت القيمة الرأسمالية لشركاتها المدرجة نحو 17% من حجم اليابانية، وتجارتها الخارجية 4% من حجم تجارة العالم الخارجية، وبحجم مساهمة كل من فرنسا وإيطاليا وأقل من ألمانيا وبريطانيا. والتقرير هنا يرد على مدرسة المتخوفين من طغيان محتمل للصين والذين قصدهم الرئيس بيل كلينتون، وبالتالي هي دعوة للإنفتاح على الصين الواعدة كسوق والواعدة بتقدم يضيف إلى مناخ الإستقرار العالمي، وهو - طبقاً للتقرير - سيناريو رابح للجميع.