أكد تقرير منظمة «الأونكتاد» حول التجارة والتنمية لعام 2002 ان نمو الاقتصاد العالمي سجل تباطؤا حادا في عام 2001، حيث كان الأداء ضعيفا في جميع المناطق الاقتصادية الرئيسية الثلاث في العالم المتقدم. وذكر التقرير الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، أن الآثار غير المباشرة كانت على البلدان النامية أقوى بكثير مما كانت عليه في فترات الهبوط السابقة في التسعينيات وقد دخلت عدة اقتصادات سوقية ناشئة منطقتي شرق آسيا وأميركا اللاتينية في حالة ركود وكانت الصين والهند اللتان تشكلان اقتصادين كبيرين ومغلقين نسبيا، البلدين الوحيدين اللذين ظلا بصورة عامة بمنأى عن الضغوط الناجمة عن اتجاه الهبوط في الأسواق العالمية. وظل النمو في افريقيا عند مستوى مماثل لذلك الذي سجل في السنة السابقة. وفي البلدان النامية ككل بلغ معدل النمو 2.1% فقط منخفضا من معدل قدره 5.4 في المئة السنة السابقة. وأوضح التقرير ان اقتصاد الولايات المتحدة دخل في حالة ركود، وثبت ان الاعتقاد بأن منطقة اليورو لن تتأثر هو اعتقاد لا أساس له من الصحة. فتراجع الصادرات وانخفاض ارباح فروع الشركات العاملة في الولايات المتحدة، والاستجابة النقدية والمالية الحذرة عموما، هي جميعا عوامل أسهمت في حدوث انخفاض في معدل النمو في منطقة اليورو في عام 2001 ليصل الى نحو 1.5 في المئة. اما معدل البطالة الذي يظل ينخفض على مدى ثلاث سنوات فقد استقر عند مستوى عال نسبيا قدره 8.5 في المئة. ومن بين الاقتصادات الكبيرة في الاتحاد الأوروبي، سجلت المملكة المتحدة وحدها تجربة اكثر مواتاة بفضل الطلب الاستهلاكي القوي. اما الانتعاش الذي كان قد بدأ في اليابان في عام 1999 فقد تبدد في النصف الثاني من السنة التالية، وما برح الاقتصاد يعاني من حالة ركود منذ الربع الثاني من عام 2001، حيث انخفضت الصادرات والاستثمار الخاص بمعدلات من رقمين. وبالرغم من عودة المصرف المركزي الياباني الى تطبيق سياسة سعر الفائدة الصغرى في مارس 2001، فان الشركات تبلغ عن تكبد خسائر لم يسبق لها مثيل، وما برحت حالات افلاس الشركات تتزايد، وارتفع معدل البطالة الى 5.5 في المئة. التجارة الدولية وقال التقرير أنه كان للتجارة الدولية دور رئيسي في نقل حالة التباطؤ في العالم الصناعي الى البلدان النامية. فأحجام صادرات هذه البلدان قد نمت بنسبة تقل عن 1 في المئة في عام 2001 بعد ان كانت قد سجلت معدل نمو قدره 1.4 في المئة في عام 2000. وقد تأثرت بذلك جميع المناطق النامية الرئيسية، ولكن التأثير كان على أشده في منطقة شرق وجنوب آسيا التي كانت فيها الصادرات قد نمت بمعدل سريع بصفة خاصة في عام 2000، الأمر الذي يرجع الى حد كبير الى الطلب القوي على المنتجات الالكترونية وشبه الموصلات في الولايات المتحدة، ويقدر ان يكون معدل الانخفاض في الصادرات قد تجاوز 15% في حالة مقاطعة تايوان الصينية و10% في جمهورية كوريا، و5% في هونج كونج (الصين) وماليزيا وسنغافورة وتايلاند، وفي بعض المناطق تفاقمت حدة تباطؤ النمو في أحجام الصادرات من جراء هبوط الأسعار، ولاسيما في أميركا اللاتينية التي عانت من انخفاضات كبيرة في أسعار صادراتها من السلع الاساسية. كما ان الانخفاض الحاد في أسعار البترول التي كانت قد بلغت ذروتها في أواخر عام 2000 قد ادى ايضا الى تقلص ايرادات مصدري النفط. وعلى النقيض من ذلك، سجلت أسعار بعض السلع الاساسية التي تصدرها البلدان الافريقية اداء جيدا في عام 2001. التدفقات الرأسمالية وأكد التقرير ان التدفقات الرأسمالية الى البلدان النامية في عام 2001 ظلت عند المستويات المنخفضة السائدة منذ الازمة المالية الآسيوية التي حدثت في عام 1997، وقد منيت هذه التدفقات بنكسة حادة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، وكان من المتوقع ان يؤدي التباطؤ الاقتصادي وتخفيف صرامة السياسة النقدية في الولايات المتحدة الى تشجيع التدفقات الرأسمالية الى الأسواق الناشئة وذلك لأسباب مماثلة لتلك المنطبقة في أوائل التسعينات. إلا ان حالة عدم اليقين التي مازالت تكتنف هذه الاسواق بعد سلسلة من الازمات المالية قد تزايدت حدة من جراء تزايد سرعة التأثر باتجاه الهبوط في البلدان الصناعية. فبالنظر الى ان النمو في البلدان النامية قد أصبح اليوم مرتبطا ارتباطا مباشرا والى حد أبعد بالنمو في الولايات المتحدة، على النقيض مما كان عليه الحال في أوائل التسعينيات، فإن هذه البلدان لا توفر سوى قدر أقل من إمكانيات التنويع للمستثمرين الذين يلتمسون معدلات عوائد أكثر مراعاة للمخاطر. وقد ظلت مبالغ سداد القروض للمصارف الاجنبية من قبل المقترضين من شرق آسيا تتجاوز مستويات القروض الجديدة في أماكن اخرى بهامش كبير، ولاتزال القروض المحولة الى سندات تتدفق الى البلدان النامية بوتيرة أبطأ. وقد سجل الاستثمار الاجنبي المباشر اداء أفضل: فتدفقات هذا النوع من الاستثمار الى أميركا اللاتينية قد جعلت من هذه المنطقة أكبر متلقية صافية للتدفقات الرأسمالية. إلا انه يبدو من المستبعد ان تستمر مرونة الاستثمار الاجنبي المباشر في عام 2002. ويبدو من المحتمل ان تواصل الصين وحدها، وهي التي شهدت زيادة في صافي التدفقات الرأسمالية الوافدة في عام 2001، اجتذاب هذه التدفقات بل وعلى نطاق أوسع ان انضمت الى منظمة التجارة العالمية. أسعار الصرف وحول أسعار الصرف أشار التقرير أنها سجلت في البلدان النامية استقرارا نسبيا. أما الاستثناءان الرئيسيان فهما حاليا الارجنتين وتركيا اللتان اضطرتا الى تعويم عملتيهما، مما أفضى في كلتا الحالتين الى حدوث قدر كبير من الاضطراب المالي، ففي الارجنتين، جاء التخلي عن ربط العملة بالدولار في سياق أزمة اقتصادية أوسع نطاقا بكثير، وهي أزمة لم تتضح بعد آثارها الكاملة على هذا البلد نفسه وكذلك على جيرانه. إلا ان عدوى هذه الازمة لم تنتشر على نطاق واسع الى أسواق ناشئة اخرى. فمنذ بداية عام 2001، حدث المزيد من التحول فيما بين البلدان النامية نحو اعتماد أنظمة أسعار صرف معومة. ويحدث ذلك عادة مقترنا باستعداد رسمي للتدخل من أجل منع حدوث تقلبات واسعة في أسعار الصرف. وعلى الرغم من الاستجابات المنسقة من قبل أهم المصارف المركزية في العالم في أعقاب الأحداث التي وقعت في 11 سبتمبر، فإن السياسة العامة في الولايات المتحدة وحدها قد ركزت باستمرار على الحد من تأثير التباطؤ على العمالة والدخل الحقيقي. وقد أدى ميثاق الاستقرار والنمو في منطقة اليورو الى السعي لبلوغ مستويات مستهدفة للعجز دون إيلاء ما يكفي من الاعتبار للمراكز الدورية لمختلف البلدان. وفي حين ان ضعف اليورو قد ساعد في المحافظة على الطلب الأجنبي، فإن السياسة النقدية في منطقة اليورو كانت أيضا سياسة تقييدية من منظور عالمي. وفي اليابان، يبدو أن الآمال معقودة على ضعف الين من أجل تحقيق انتعاش من خلال التصدير. إلا ان الانتعاش يتطلب ايضا زيادة في الانفاق الاستهلاكي، وهي زيادة من غير المحتمل ان تكون السياسة النقدية وحدها قادرة على تحقيقها. وبالتالي فان الكثير من الأوضاع يظل يعتمد على قوة الانتعاش في الولايات المتحدة، فحتى الان، وبالرغم من ارتفاع مستوى البطالة وتباطؤ نمو الأجور الحقيقية، أدى الانفاق الاستهلاكي، بمعدل أقوى مما كان متوقعا، الى الحد من الانخفاض في الناتج. وبالنظر الى ان المدخرات الخاصة لاتزال متدنية جدا، فان الانتعاش المستمر يتعين ان يكون متوافقا مع عودة الأسر المعيشية الى ما اعتادت عليه من عادات الانفاق. وفي الوقت نفسه، يحتمل ان تكون الميزانيات العمومية للشركات بحاجة لمزيد من إعادة الهيكلة، كما ان إمكانات التوسع النقدي من أجل تحقيق انتعاش الاستثمار تبدو محدودة. ولن يحدث انتعاش مستمر إلا اذا كانت ثقة المستهلكين ومؤسسات الأعمال قوية بما فيه الكفاية بحيث يقتنع المنتجون بأنهم يحتاجون إلى زيادة الاستثمار في طاقة انتاجية جديدة. وليس هناك حتى الآن سوى القليل من الدلائل على ان هذا هو ما يحدث. الاقتصاد الأميركي ومن النتائج المحتملة، على ضوء ما تقدم، ان اقتصاد الولايات المتحدة سيستقر عند معدل نمو منخفض ولكنه ايجابي. ولن تكون لذلك، في حال حدوثه، سوى آثار مباشرة محدودة على أوروبا واليابان اللتين مازالتا تعتمدان على انتعاش يتحقق من خلال التصدير. يضاف الى ذلك انه اذا ظل الدولار قويا، بينما يظل النمو في اوروبا واليابان راكدا، فان العجز في الحساب الجاري للولايات المتحدة قد يزداد اتساعا، مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر احتدام الضغوط الحمائية في ذلك البلد، بالاضافة الى خطر ان يؤدي انخفاض قيمة الدولار انخفاضا كبيرا في النهاية الى بدء فترة تتسم بعدم استقرار العملات على نطاق أعم. ونتيجة للسياسات النشطة الرامية الى حفز الطلب المحلي، استطاعت معظم الاقتصادات الآسيوية العودة الى معدل نمو ايجابي في الربع الاخير من عام 2001. كما استطاع بعض اقتصادات اميركا اللاتينية والاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية تعزيز هذا الاتجاه العام في وقت سابق من السنة. الا انه من غير المحتمل ان يعود النمو في العالم الصناعي بسرعة الى مستوى الـ 3% الذي يبدو ضروريا لدعم تحقيق حدوث زيادات كبيرة في الطلب على صادرات البلدان النامية فضلا عن حدوث انتعاش قوي في اسعار السلع الاساسية وزيادة قوية في التدفقات الرأسمالية، وهي شروط لا يتوفر لتحقيقها حاليا سوى القليل من الامكانيات. وسوف تكون الاسواق الاقل تأثرا بالاوضاع الخارجية غير المواتية هي الاسواق الناشئة في بلدان شرق وجنوب آسيا التي سجلت مؤخرا فوائض في الحساب الجاري كما سجلت، بصورة عامة، مستويات عالية نسبيا في نسبة احتياطيات العملات الاجنبية الى المديونية الخارجية القصيرة الاجل. وعلى النقيض من ذلك، ستحتاج بعض بلدان اميركا اللاتينية الى مزيد من التدفقات الرأسمالية الوافدة من اجل تمويل نمو اكثر قوة. وفي عدة اقتصادات من بين الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية في اوروبا، يعتمد النمو ايضا على دينامية اسواق الصادرات في منطقة اليورو وكذلك على التدفقات الرأسمالية الوافدة. وفي سياق حالة النمو العالمي البطيء هذا، يمكن لتحسين امكانية الوصول الى الاسواق ان تشكل اداة مفيدة لتعزيز النشاط في البلدان النامية، ويمكن لزيادة استخدام آليات التجارة والتمويل الاقليمية ان تخفف من القيود الخارجية وان توفر الحماية من عدم الاستقرار المالي. ومع ذلك، فان العديد من البلدان النامية ستظل بحاجة الى دعم مالي رسمي كبير لحمايتها من آثار البيئة الاقتصادية الخارجية الصعبة. كتب مصطفى عبدالعظيم: