المليارات الهاربة من مصر وعودة رجال الأعمال الهاربين قضية تثار بين وقت وآخر إلا أنها شهدت تحركا ايجابيا ملموسا من قبل الحكومة المصرية هذه المرة فالخطاب الحكومي أكد تشددا ويحمل تهديدا صريحا بضرورة العودة للعملاء المتعثرين للتقدم بمقترحاتهم لتسوية المديونيات المتراكمة والتي قدرها البعض بنحو 30 مليار جنيه من بين 200 مليار هي حجم القروض التي منحتها البنوك لعملائها. رئيس الوزراء الدكتور عاطف عبيد حدد المهلة بأسبوعين للاتصال بالعملاء يعقبها أربعة أسابيع كفترة للتفاوض بعدها يحدد كل بنك من البنوك الدائنة موقفه النهائي بالنسبة للمتعثرين واشترطت الحكومة أن يتم الالتزام بمبدأين أساسيين أولهما أنه لا إعفاء ولا إسقاط لأصل الدين والثاني أن كل بنك سيحدد طريقة التعامل مع العميل وفقا للمهلة الممنوحة. والملاحظ أن هذه الدعوة قد جاءت عقب الاحكام التي صدرت ضد نواب القروض والتي أحدثت صدى كبيار بعد أن طالبت أصوات بأن يتم تعديل نصوص القانون بحيث يكون الحد الأقصى لعقوبة سرقة الأموال العامة هو الاعدام وتأتي هذه الأحكام مواكبة للاتجاه المتشدد الذي أخذ به القضاء قضايا المال العام، كما حدث في أحكام الردع التي صدرت ضد عدد من المسئولين السابقين مثل محيي الدين الغريب وماهر الجندي وغيرهما. الغريب أن دعوة رئيس الوزراء المصري الأولى والتي طرحها منذ أيام كانت أقل تشددا حيث وعد العملاء المتعثرين بأن البنوك ستتولى الاتفاق معهم على أساس خفض الفوائد ومنحهم فترة سماح اضافية واعادة جدولة الديون بل ومنحهم تسهيلات ائتمانية جديدة بعد أن يقدموا ضمانات حقيقية للبنوك واعتبرها البعض مبادرة طيبة من الحكومة إلا أن رئيس الوزراء بعد أن عقد اجتماعا مع قيادات البنوك وبحضور وزير المالية ومحافظ البنك المركزي أخذت تصريحاته طابع التشدد وتراجع عن وعده بعدم وقوع المتعثرين تحت طائلة القانون بل لوح بالاجراءات القضائية بعد انتهاء المهلة. وبرغم الجدية في الدعوة والتسويات التي اقترحها د. عبيد إلا أن رجال الأعمال قابلوها بالكثير من الحذر استنادا على أنها لم تكن هي المبادرة الأولى فلقد سبق ودعت الحكومة رجال الأعمال الهاربين للتفاوض بشأن الديون وأكدت على تصنيف المديونيات وفقا للتعثر والهروب بل عرضت أن يتم فصل القروض المستخدمة في تمويل مستلزمات الانتاج وإنشاء المصانع عن القروض التي استخدمت في أنشطة تجارية إلا أن البنوك لم تلتزم بذلك وفشل عملية الوصول الى اتفاق وتوالت حالات هروب رجال الأعمال بعد ذلك. أيضا سبق لرئيس الوزراء المصري أن اجتمع برؤساء البنوك وكبار رجال الأعمال وحضر اللقاء الدكتور يوسف بطرس غالي وقت أن كان وزيرا للاقتصاد قبل الغاء مسمى الوزارة وتم تشكيل لجنة للتسوية إلا أنها لم تؤدي الى نتائج ايجابية باستثناء بعض القرارات الخاصة بمديونيات المنشآت الصغيرة التي يقع حجم رأسمالها تحت المليون لذلك فقد رجال الأعمال الثقة في جدية الحكومة فيما تتخذه من قرارات بشأن تسوية هذه المديونيات في مقابل ذلك هناك فئة من رجال الأعمال التي استفادت من مناخ الخصخصة وكونت استثمارات ضخمة من أموال المودعين ترفض رد هذه القروض التي حصلوا عليها دون ضمانات حقيقية ويطالبون من الحكومة مساندتهم تحت دعوى الكساد الذي يسود الأسواق. وبرغم عدم وجود إحصاء دقيق يحدد حجم الديون المتعثرة المشكوك في تحصيلها، إلا أن هناك بعض الاجتهادات في ذلك فقد أكدت السفارة الأميركية في القاهرة أن حجم الديون المتعثرة في مصر قد بلغ 14% من اجمالي القروض الممنوحة والتي قدرها بعض المراقبين بنحو 20% وأوضح تقرير السفارة أن هذه القروض تذهب الى الشركات الخاسرة وأن البنوك التجارية الأربعة وهي القاهرة ومصر والاسكندرية والبنك الأهلي تسيطر على 50% من أموال القطاع المالي في نفس الوقت صدرت تقارير من بعض الجهات المانحة تشير الى أن الديون الرديئة في البنوك تمثل 30% من أصول النظام المالي وتوقع التقرير أن تزيد هذه النوعية من الديون من 9.6% في نهاية 99 الى 10.5% مع نهاية 2000. وقد أيد د. محمود أبوالعيون محافظ البنك المركزي تقرير السفارة الأميركية عندما صرح بأن الديون المتعثرة لا تزيد عن 14% من اجمالي القروض الممنوحة. بينما اختلف في ذلك اسماعيل حسن محافظ البنك المركزي السابق وشكك في صحة أن يصل رقم المديونية الى 25 ملياراً أو 30 ملياراً كما ذكر ويرى أن الديون ليست كلها متعثرة أو مشكوك في تحصيلها فالتصنيفات الدولية حددت الديون بما هو دون المستوى والمشكوك في تحصيله والديون المعدومة وهذه الديون ألزمت البنوك بضرورة تجنيب جزء من أرباحها لسد العجز فيها وحددت نسبة 20% للديون دون المستوى، و50% المشكوك في تحصيلها، و100% لسد عجز الديون المعدومة ويرى اسماعيل حسن أن من الخطأ جمع هذه التصنيفات الثلاثة في رقم واحد. إلا أن أحدث دراسة صدرت عن مركز البحوث بالبنك الأهلي المصري تشير الى أن هناك 343 عميلا حصلوا على 42% من جملة التسهيلات الائتمانية الممنوحة للقطاع الخاص في نهاية مارس 2000، وأن 28 عميلا منهم حصلوا على نحو 26.7 مليار جنيه بما يعادل 13% من جملة التسهيلات الممنوحة للقطاع الخاص وأن نصيب 8 عملاء فقط من تلك التسهيلات بلغ نحو 12.4 مليار جنيه بمتوسط 1551 مليون جنيه لكل منهم. والمعلومات تشير الى أن معظم الهاربين للخارج من ضمن الثمانية التي أشارت اليهم الدراسة فحاتم الهواري الذي هرب بعد أن بلغت قروضه من البنوك 1.5 مليار جنيه وبعد أن أقام الدائنون دعاوى برد مستحقات لهم عنده منها 100 مليون جنيه وأيضا عمرو النشرتي أحدث الهاربين والذي كان يعمل في مجال توزيع المواد الغذائية وكان شريك لشركة سنسبري الانجليزية التي خرجت من السوق المصري بعد افلاسها وبعد أن باعت نصيبها الى النشرتي ووعد بسداد ديون الشركة لدى التجار وأقيمت عليه نحو 52 دعوى قضائية وبلغت مديونياته أكثر من مليار جنيه أيضا من أشهر قائمة الثمانية رامي لكح الذي بلغ رصيد مديونياته للبنوك مليارا و436 مليون جنيه لحساب 17 بنكاً نصيب بنك القاهرة منها 202 مليون جنيه، البنك الأهلي 157 مليون جنيه، و65.8 للبنك العربي الافريقي و17.2 مليون لبنك الشركة المصرفية العربية، وبنك مصر 22 مليون والبنك المصري التجاري 9 ملايين بالاضافة لعدة بنوك أخرى، أيضا من بين رجال الأعمال الهاربين مصطفى البليدي والذي تصل مديونياته الى 149 مليون جنيه لبنك القاهرة بعد أن تعددت استثماراته في مجال مستحضرات التجميل والملابس والتوكيلات وبعد أن انهارت هذه الاستثمارات نتيجة تدهور السوق الروسي الذي كان يستوعب معظم منتجاته وآخر الهاربين كان هاني رزق الذي كان من أشهر المنتمين لجمعيات رجال الأعمال والذي تركز نشاطه في انتاج الألبان والأغذية والعصائر وكان معظمه موجه للتصدير وبلغت حصيلة المديونية 150 مليون جنيه. كثير من المتعثرين يؤكدون أن تصاعد أرقام الائتمان والمديونيات جاء نتيجة تراكم حسابات الفائدة على القروض حيث تؤكد الأرقام وفقا لتقارير البنك المركزي الأخيرة أن هناك زيادة في اجمالي السيولة المحلية قدرها 31.2 مليار جنيه خلال التسعة أشهر الأخيرة وبمعدل 11% وذلك نتيجة لارتفاع اجمالي الودائع بنحو 28 مليار جنيه خلال نفس الفترة وتؤكد أن أرقام الزيادة في اجمالي الائتمان المحلي بمقدار 34.1 مليار جنيه وبمعدل 10.6%. ويلقي المتعثرون اللوم على عدم مصداقية الحكومة وعلى سوء مناخ الاستثمار الذي دفع الكثيرين الى التعثر وتراكم المديونية وهروب البعض منهم نتيجة عدم فك الاشتباك الدائر بينهم وبين البنوك