اصدر المركز العربي للدراسات الاستراتيجية برأس الخيمة مؤخرا كتابا جديدا عنوانه «الاقتصاد السياسي للتنمية البشرية» حالة دول مجلس التعاون الخليجي» للدكتور محمد عارف الكيالي، يتضمن دراسة تستعرض اخر ما توصلت اليه جهود مجلس التعاون الخليجي في مضمار التنمية البشرية لتلحق الدول المتقدمة وتتجاوزها في ظل وجود الامكانيات المادية التي تؤهلها لذلك. وتعتبر هذه الدراسة الاحدث للمركز الذي يقدم العديد من الدراسات للقضايا الاستراتيجية المتصلة بواقع المنطقة العربية ومستقبلها على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهي من اهم اهتمامات المركز العربي للدراسات الاستراتيجية برأس الخيمة برئاسة علي ناصر محمد الرئيس اليمني الاسبق حيث يقوم بتقديم دراسات وبحوث استراتيجية متعمقة شاملة توفر المعلومات الدقيقة لصانعي القرار في الوطن العربي، لتعزيز التعاون العربي والسياسات التنموية العربية المستقبلية، وتعميق الحوار المتصل بالتحولات التي تبحث في المنطقة سواء في داخلها أو في العلاقات الخارجية. تضمنت الدراسة اسباب التوجه نحو اقتصاد التنمية والجذور التاريخية للتنمية البشرية ومفهومها وعلاقتها بالعولمة أما معوقات مسيرة التنمية البشرية فقد حددها الباحث في سوء توزيع الدخل عالميا والامية كمشكلة اجتماعية وثقافية اقتصادية وبشرية، وتدهور نسب التبادل التجاري الدولي والعبء التكنولوجي وما اضافة من اعباء على اقتصادات الدول النامية ونتيجته في تفاقم مشكلة البطالة، وكذلك التلوث البيئي كأحد المعوقات، والتحدي الذي يجابه دول العالم الثالث في قضية التنمية البشرية وهو النظم الشمولية والعسكرية. وعن الاستراتيجية السياسية والاقتصادية للتنمية البشرية تناول الباحث في دراسته مجال واهداف تنمية قدرات الانسان وكيفية تكوين رأس المال البشري والاستثمار الانساني والنمو الاقتصادي واعادة توزيع الدخل وارتباطها بالتنمية البشرية، ودورها في تخفيف الفقر في المجتمعات الانسانية. اما بالنسبة للمشهد الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي فقد تعرض فيه للمؤشرات الاقتصادية الاساسية ومؤشرات الاستهلاك والرفاه واشار في خلاصته إلى ان دولة الامارات تتقدم على كل دول مجلس التعاون في النمو السكاني واجمالي تكوين رأس المال والانتاج الزراعي ومعدل دخل الفرد وتحتل المرتبة الثانية بعد عمان في قطاع الثروة السمكية بفارق بسيط وبعد البحرين في الصناعات التحويلية بفارق ضئيل جدا ايضا. وفيما يخص مؤشرات دليل التنمية البشرية فقد اعتمد على تصنيف الدول إلى ثلاث مجموعات وحدد انه يستند على ثلاثة مؤشرات اساسية وتعرض لبناء الدليل بشكل عام ودليل الدخل بصفة خاصة، من خلال مقارنات بين دول مجلس التعاون ودول مختارة حسب معدلات التنمية البشرية العالية والمتوسطة والمنخفضة. ثم قام الباحث بتقويم حصاد التنمية البشرية في دول مجلس التعاون وبحث اوجه الخلل ومقاييس التنمية البشرية، واشار في خلاصة الدراسة إلى ان دول مجلس التعاون الخليجي قد حققت طفرة نوعية في التقدم الاقتصادي في فترة قياسية مما يدل على الحكمة الادارية والرشاد الاقتصادي إلى حد كبير في التعامل مع عوائد الثروة النفطية، فمنجم النفط الخليجي قد يتحول إلى مصدر دائم للثروة من خلال متاجرته بالتنمية الحقيقية المتمثلة في التجارة الواسعة والاستثمارات المتزايدة في الداخل والخارج وتنويع مصادر الدخل الوطني والاسواق المالية وربطها بالاسواق العالمية، ورغم كل ذلك فان الشوط لايزال كبيرا امام دول مجلس التعاون لتتخلص نهائيا من نقابة الدول النامية لتنضم إلى نادي الدول المتقدمة وعن جدارة، مؤكدا على ان التخوف من آثار ونتائج التكنولوجيا الحديثة وسلبياتها احيانا له ما يبرره وفي المقابل نحن واثقون بان لدينا الرصيد الخلقي الضخم والترسانة الايمانية الهائلة وهما كفيلان بتبديد كل ما يمكن ان تنتجه من آثار غير مرغوبة لتلك التكنولوجيا والمصب المعلوماتي الاتصالي. وقد توصل د. محمد عارف الكيالي في آخر دراسته الاقتصادية إلى عدد من التوصيات اهمها تأسيس هيئة اقليمية يمكن ان يطلق عليها الهيئة العامة للتنمية البشرية في دول مجلس التعاون يكون هدفها تنسيق وتوحيد السياسات التنموية بين دول المجلس وبها صلاحيات واضحة ومحددة وملزمة تعيد النظر في استراتيجيات النمو الاقتصادي واستيراد التكنولوجيا والتعليم والتدريب.. الخ حتى تتمكن دول الخليج من ان تصل في مرحلة متقدمة في مراحل التنمية البشرية ومنها زيادة الاعتماد على الذات أو على الايدي العاملة العربية في مجال القوى البشرية العاملة. واكدت التوصيات ضرورة قيام تعاون بين دول المجلس والدول العربية في مجالات التنمية البشرية وخاصة التعليم والصحة بغية ترسيخ هذه التنمية بأبعادها الاقليمية والقومية. كما اشاد الباحث إلى حث السعودية وعمان ان تخطو خطوات أوسع في مجالات التنمية البشرية كي تلحق بشقيقاتها في دول المجلس وتدخل نادي الدول المتقدمة في هذا المجال لان الشوط الذي امامها ليس كبيرا ولا بعيدا. وتمنى على دولة الامارات اعادة النظر في بعض قراراتها الاخيرة الخاصة بالغاء بعض المزايا للوافدين المقيمين بها في التعليم والصحة لانه سينعكس سلبا على مواطني الدولة. واوصى كذلك بتفعيل دور المنظمات النسائية في كل دول المجلس وتشجيع المرأة الدخول في ميادين العمل المنتج والضروري لما له من اهمية اقتصادية واجتماعية واستراتيجية، وتفعيل دور الجماهير من خلال التوسع في المنظمات الشعبية والديمقراطية واطلاق الحريات العامة التي لا تتعارض وقيم المجتمع وعقيدته، فتضافر تقاليدنا القومية مع تعاليم ديننا الاسلامي الحنيف وانفتاحنا الواعد على حضارات العالم اجمع ومنجزاتها العالمية والتكنولوجية هو الطريق الاكيد والمأمون لا لتأسيس تنمية بشرية سوية فحسب، بل لتكوين مجتمع عربي حضاري قادر على تأدية رسالة انسانية ضخمة.