دعا المؤتمر الدولي حول الحضارة الصناعية والاقتصاد الدول العربية الى التكامل الاقتصادي وتحقيق وحدة اقتصادية لمواجهة تيار العولمة الجارف داعيا، في الوقت ذاته الدول الاوروبية لمزيد من التعاون مع الدول العربية من اجل مواجهة العوامل السلبية للتحديات الاقتصادية التي تفرضها العولمة الليبرالية. واكد المشاركون في المؤتمر الذي نظمه مركز زايد للتنسيق والمتابعة الذي يعمل تحت مظلة جامعة الدول العربية في بيانهم الختامي الذي صدر امس أن الاقتصاديات المحرك الاساسي لعالمنا المعاصر وانه يجب التعاون على مستوى الدول في العالم من اجل ضمان ازدهار الاقتصاد العالمي وتجاوز الازمات الاقتصادية او الحيلولة دون حدوثها وذلك عن طريق الموازاة بين العرض والطلب على مستوى العالم. واوصى المؤتمر الذي عقد يوم امس الاول بأبوظبي برعاية سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء بالعمل على التخفيف من غلواء الليبرالية الاقتصادية الجديدة من خلال التأكيد على أهمية دور الدول كعامل اساسي في تحقيق التكافل الاجتماعي لشعوبها ودعوة الدول الغنية الى تخفيف ديونها عن الدول الفقيرة من اجل دعم نهوض دول العالم النامي. كما دعا المؤتمر في بيانه الختامي الى تحقيق العدالة الاقتصادية على مستوى العالم، من خلال ردم الهوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة من أجل ضمان مستقبل انساني أكثر أمناً داعياً المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها البنك والصندوق الدوليين الى مراجعة سياساتها المجحفة في التعامل مع دول العالم النامي. وطالب قمة جوهانسبرج بتحويل الأماني الى واقع وذلك بفتح حوار عالمي لتحقيق تنمية عالمية مستديمة داعياً المجتمع الدولي الى السعي لوضع ضوابط ورقابة دولية على أسواق المال والأسهم العالمية للحد من توجهاتها الربحية العالية، وتوجيه هذه الاسواق لخدمة الانتاج والعمل بدلاً من تراكم الثروات. وكانت جلسات المؤتمر قد تواصلت بفتح باب النقاش حيث قال انتوينى جالونى الخبير بوزارة العمل الايطالية أن الدول الغربية لم تساعد خلال نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات من القرن الماضى الدول النامية بأى شكل من الاشكال. وقال جالونى ان الرأسمالية التى تعتبر أقدم مما نفكر فيه هى امكانية النمو والاداء بشكل مختلف لتحقيق الاهداف السياسية والاجتماعية مذكرا بالفكر الماركسى الذى كان يعتقد أن الرأسمالية كانت نظاما أفضل انذاك فى مواجهة الاقطاعية. واعتبر انتوينى جالونى أن الجانب الاقتصادى لليبرالية فى المفهوم الايديولوجى يمكن أن يكون غريبا لاسباب عدة مستشهدا فى ذلك بالجانبين الاقتصادى والاجتماعى لليبرالية بشأن التعليم الخاص فى ايطاليا وهى المسألة التى أثارت نقاشا كبيرا ومضيفا أنه اذا كانت الظروف الاقتصادية للجميع متماثلة ومتساوية لكل أسرة فان العبارة الليبرالية تكون صحيحة وصادقة. وأعرب جالونى عن اعتقاده أنه ليس بالضرورة أن تكون الدول غير الليبرالية دولا متخلفة اقتصاديا مستشهدا بسقوط العديد من الدول الليبرالية مما يتطلب مزيدا من التعمق والتفكير مجددا تأكيده أنه ليس هناك من علاقة بين الليبرالية والتنمية الاقتصادية. ونفى الخبير الايطالى أن يكون ما قدمه نقدا للرأسمالية حيث قال أنه اذا كان هناك من تناقض بين الاقتصاد الحقيقى والمالى فانه على المدى القصير ينبغى مراجعة الاقتصاد المالى مشيرا الى وجود أزمة حالية كبيرة فى هذا الخصوص كتلك التى ضربت الاقتصاد الحقيقى خلال العقدين الماضيين من القرن المنصرم. وأضاف انتوينى جالونى أنه يمكن توجيه نقد للاقتصاد المالى دون ضرب الرأسمالية مشيرا الى أنه لكى يكون هناك نظام اقتصادى جديد ليس رأسماليا فلابد من النظر الى المساواة بين الناس والبدء فى تجديد الرأسمالية ذلك أنه هناك فرق بين هذه العملية وبين اقتراح نظام جديد. وأبدى جالونى تخوفه من المستقبل وما سيكون عليه بالنسبة للدول النامية والدول الاقل نموا فى أسواق الدول المتقدمة مشيرا الى أنه اذا تم عمل اتفاق قادر على ادارة الانتاج الذى تنتجه الدول النامية فان الوضع سيكون جيدا لهذه الدول. واستدل المحاضر بهذا الشأن بمثال انتاج الحديد والصلب فى دولة ما موضحا أنه فى حالة ما أصيب هذا القطاع فى هذه الدولة بضربات المنافسة التى وضعها الرئيس الاميركي جورج بوش لحماية الحديد الاميركي فان ذلك سيكون مؤثرا. ولفت الخبير الايطالى أن كارل ماركس كان على صواب بالنسبة لنظرية الحتمية الاقتصادية أو المادية التاريخية التى تحدث عنها سابقا ولكنها لا تصلح لكل الازمنة معربا عن اعتقاده أنه انطلاقا من مرجعية ماركس فان هناك تناقضات بين القوى الاقتصادية والقوى المنتجة وأن العلاقة البنيوية لهذا التناقض لم تحقق أى انتصار للقوة الجديدة. وأعرب انتوينى جالونى عن اعتقاده أن «بريتن وودز» الجديدة ينبغى عليها أن تنظر الى ما سيحدث بعد سنوات والتغيرات التي تحدث تاريخيا على أرض الواقع مشيرا الى أن المعالم الرئيسة لبريتن وودز تتمثل فى أن المال والاقتصاد المالى ينبغى أن يخدما الناس والاقتصاد الحقيقى وليس العكس مشددا على ضرورة تنظيم التوازن والقواعد المالية تحقيقا لهذه الاهداف خاصة بالنسبة للمناطق المحتاجة للتنمية. وقال انتوينى جالونى أن هناك توازنا بين الاتجاهات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ليس بالنسبة للدول النامية فقط بل بالنسبة أيضا للدول المتقدمة مضيفا أن التوازن هو وضع صالح للجميع. وحرص على التأكيد على ضرورة أن تقوم التنمية بمساعدة الاستثمار الحقيقى لكى يحقق استقلالا فى الدول النامية وهو ما اعتبره أمرا هاما سيما بالنسبة للتجارة الحرة التى يمكن أن تخلق وضعا أفضل حينما يكون انتاج دولة أو أكثر وتكون ظروفها الاقتصادية والسياسية ملائمة. وأضاف جالونى أنه حينما نتحدث عن الدول الغربية فانه لا يمكن أن نقول أن هناك دولة مركزية واحدة وانما يتم الحديث عن مجموعة من قوى التفكير فى داخل هذه الدول مشيرا الى أنه خلال الثلاثين أو الاربعين سنة الماضية كانت هناك أسماء وفروق مختلفة فالبعض رفض التنمية لانها تسبب التلوث والاخر لسبب أن التنمية تنطوى على شروط تجارية مختلفة وليست مفيدة بالنسبة للدول الغربية مضيفا أن بعض الدول الاخرى فى الغرب تسعى الى تحقيق التنمية معتبرا أن ما حدث فى هذه السنوات الاخيرة لم يكن كله سيئا. ودعا انتوينى جالونى الى النظر الى الجوانب الجيدة واحداث توازن لمعرفة مسئولية الدول الغربية فى هذا الامر والتفكير فى القيادات السياسية للدول النامية ومعرفة ان كانت عملت لصالح شعوبها أم عكس ذلك. من جانبه قال كريستوفر اجيتون نائب رئيس جمعية اتاك الفرنسية أن هناك حوارا كبيرا يدور حول موضوع الرأسمالية التى ولدت فى القرن الثانى عشر فى فينيسا «ايطاليا» وأوروبا وبعض الدول العربية مشيرا الى الرأسمالية الصناعية نشأت فى انجلترا فى القرن الثامن عشر وشملت بلدان القارة الاوربية فى القرن التاسع عشر. وأضاف اجيتون أن العولمة هى مرحلة اقتصادية محددة لها مميزاتها ووضعها الخاص واعتبر وجوده فى مركز زايد للتنسيق والمتابعة فى هذا المؤتمر جانبا ايجابيا من جوانب العولمة لمناقشة مشكلات العالم المحيط بنا وخلق حوار بهذا الخصوص مشيرا الى نتائج العولمة الان والتى يرفضها الرأى العام فى أوربا وحتى فى الولايات المتحدة. وأضاف اجيتون أن هناك حوارا جادا لايجاد حلول مستقبلية لموضوع العولمة موضحا أن حركة أتاك تدافع عن المطالب الاساسية كالغاء ديون العالم الثالث واقامة الاصلاحات وتقديم ضمانات للعمال والعاطلين عن العمل مشددا على أن الاولوية الاساسية تكمن فى تغيير السياسة الحالية. وأشار المسئول الفرنسى الى وجود حركات قوية فى الجنوب مرتبطة بالحركات المناهضة للعولمة التى تنشط فى الدول المتقدمة مذكرا فى هذا الخصوص بالتجمع الضخم الذى شهدته بورتو اليغرى بالبرازيل. وذكر نائب رئيس جمعية أتاك فى سياق كلامه بالمساعى التى جرى التأكيد عليها خلال قمة الارض التى عقدت بريو دى جانيرو «البرازيل» عام 1992 والتى تصب فى انشاء عالم عولمى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مضيفا أنه حينذاك سادت مخاوف من أن يكون مركز العالم فى الباسيفيك الامر الذى دفع قادة الدول المشاركة الى محاولة احداث نوع من التوازن. وقال كريستوفر اجيتون أنه بعد حربى الخليج الاولى والثانية ليس لدينا نظام عام متكامل بل نظام فردى قطبى أميركي مشيرا الى التحالفات التى سعت أميركا الى انشائها بدعم من منظمة الامم المتحدة مؤكدا على أهمية حشد الرأى العالمى من أجل مواجهة العولمة. ومن جانبه أشار ميشيل ليبينج رئيس تحرير مجلة «اكزكيوتيف انتليجنس» ريفيو العالمية الى وجود أزمة عالمية للرأسمالية وأنه لن تكون هناك عودة للاشتراكية أو الشيوعية معربا عن اعتقاده بأنه لا يوجد تعاون للتعامل مع أزمة توجد فى مركز النظام الاقتصادى فى الولايات المتحدة وهى الازمة التى تنعكس على النظام الاقتصادى كله. وأضاف ميشيل ليبينج أن الادارة الحالية أن استطاعت أن تمسك بأطراف هذه الازمة فسوف تعتمد على حل أسوأ لمعالجتها معربا عن خشيته من أن يكون العرب ضحايا منهج انكار وجود هذه الازمة. وأوضح رئيس تحرير المجلة أنه من أجل معرفة المسئول عن أحداث الحادى عشر من سبتمبر ينبغى طرح العديد من الاسئلة كأن نعرف من الذى لديه القدرة للقيام بذلك العمل باتقان ومن له الدافع والقدرات لتنفيذ ذلك وما هى النتائج المحسوبة مقدما وهل أن الولايات المتحدة تتجه للحرب خارج الاراضى الاميركية وتدخل فى حالة طواريء على المستوى الداخلى. وذكر ميشيل ليبينج أن هناك منظمة الاصدقاء السرية داخل المؤسسة العسكرية الاميركية والتى حاولت عناصرها ابتزاز الولايات المتحدة وتوجيهها الى مسار يتجه بها الى حالة من الحرب الدائمة وصدام الحضارات وهى الحركة التى شبهها بالمنظمة التى حاولت اغتيال الرئيس الفرنسى الاسبق شارل ديغول. وبعد قراءة البيان الختامى للمؤتمر قال المستشار الدكتور عبد الرحمن صبرى ممثل الامين العام للجامعة العربية أنه بفضل الحوار والمصارحة تتضح الكثير من الامور مضيفا أن تجارب العالم تؤكد أن التكامل والتعاون بين المجموعات الاقليمية هو الاساس للتعامل مع أى متغيرات دولية. وأضاف المستشار الدكتور عبدالرحمن صبرى أنه أمامنا الكثير لنفعله معربا عن شكره لمركز زايد على هذا المؤتمر ومؤكدا على أهمية التعاون العربى فى التعامل مع المتغيرات الدولية والاقليمية. وقال ميشيل ليبيج أنه على ثقة أن هذه الفعاليات قد وفقت فى اعداد ما تم التوصل اليه قصد ايجاد رد الفعل المناسب له. وأعرب كريستوفر اجيتون من جانبه عن شكره العميق لمركز زايد للفرصة التى منحها اياه فى التواجد بدولة الامارات العربية المتحدة وذلك فى أول زيارة له فى منطقة الخليج لمساحة الحرية التى توفرت فى النقاش والجدال الدائر والتعبير عن وجهات النظر المختلفة فى مواجهة التحديات المشتركة. وأضاف اجيتون: «لقد أوضحنا من خلال مؤتمرنا مشكلة الربحية والمساواة مشيرا الى أن هناك مشكلات أخرى خاصة الحرب فى فلسطين والحرب المحتملة فى العراق» مؤكدا على ضرورة تجنب هذه الحروب ومناشدا الدول الاوروبية والعربية والامم المتحدة من أجل التعاون لتفادى هذه الحروب. وقال كريستوفر اجيتون نحن بحاجة لبناء مشترك لمجتمع مدنى الامر الذى قمنا به فى البرازيل حينما شارك 15 الف شخص يمثلون دول أميركا اللاتينية بمشاركة عربية ضعيفة لم تتعد الشخصين بينما وصل عدد العرب المشاركين فى مظاهرات مناهضة العولمة عام 2002 الى 100 عربى. ومن ناحيته أوضح انتونيونى جالونى أن العالم يواجه اليوم موقفا يحتويه مزيد من الريبة والشك الامر الذى لا يعد الاول من نوعه فى تاريخ الانسانية مشيرا الى أن هناك فرصا كبيرة لتغيير العلاقات القائمة بين الشعوب والدول. وأضاف انتونيونى جالونى أن القضية التى نشترك فيها هى أننا ضد الفقر والجوع والحرب وعدم المساواة وأنه ينبغى علينا اليوم أن نحاول وندرك ونفهم جذور وأسباب هذه الاوضاع مبرزا أنه اذا تمكنا من معرفة تلك الاسباب فى جميع أنحاء العالم فسوف نكون قادرين على مواجهتها .