بدأت أمس أعمال المؤتمر الاقتصادى الدولي «الحضارة الصناعية والاقتصاد» الذى يقام تحت رعاية سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس الوزراء رئيس مركز زايد للتنسيق والمتابعة وتشارك فيه نخبة من الخبراء الاقتصاديين البارزين. ورحب المدير التنفيذى لمركز زايد للتنسيق والمتابعة محمد خليفة المرر بالمشاركين فى فعاليات المؤتمر فى كلمة ركز فيها على أهم التطورات التاريخية والحديثة الحاصلة على صعيد الفكر والممارسة الاقتصادية وألح على ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية للانسانية جمعاء لان ذلك هو السبيل نحو عالم سعيد ومتوازن. وقال ان تاريخ الغرب كان فى الفترة الممتدة من عصر النهضة الى الثورة الفرنسية أى «من القرن السادس عشر الى القرن الثامن عشر» حافلا بالاحداث ففى هذه الفترة تم التخلص من سلطة الكنيسة وبالتالى من سلطة الدين على الحياة الاجتماعية وأصبح العقل مصدرا وحيدا لتشخيص الحقيقة وحل العلم وخاصة التجريبى منه محل الدين فى أذهان الناس وغدت المادة مصدر سعادة الانسان وهدفه فى هذه الحياة وحصلت الطبقة الاجتماعية التى انتعشت من حركة التجارة على حق المشاركة فى الاقتصاد وكانت تعتبر الحق والملكية وجهين لعملة واحدة وقد أحدثت هذه الطبقة الجديدة التى باتت تعرف «بالبورجوازية» تحولا جذريا فى علاقات الافراد القانونية بعضهم ببعض فحلت العقود والمواثيق على الصعيد القانونى محل الاعراف الطبقية فى المجتمع واستبدلت أمبراطورية القرون الوسطى بدعوة ملحة لا تقاوم للاخذ ببناء المجتمعات. واضاف انه كان لظهورالطبقة البورجوازية اثار خطيرة على المجتمع الاوروبى فقد ظهرت الليبرالية الاقتصادية التى حولت المجتمع الى طبقتين واحدة تملك رأس المال والعمل وأخرى لا تملك ألا قوة عملها وأدى ذلك الى ظهور الاشتراكية التى رفعت شعار «العدالة الاجتماعية» مقابل شعار «الحرية» الذى رفعته الليبرالية وقد كانت الاشتراكية حركة ضد الليبرالية لقيت قبولا لدى نسبة كبيرة من فقراء ومحرومى العالم وزرعت فى نفوسهم امالا جديدة فى التحررمن نير الاستعمار والاستغلال وقد استثمرت الماركسية الحديثة الظهور هذه المشاعر ومكنتها من الظهور كأحدى قوتين عظميين فى العالم ولكن عندما استنفدت الماركسية قدرتها على احداث التغيير المطلوب فى العالم وأفل نجمها بسقوط الاتحاد السوفييتى ظهرت الليبرالية الاقتصادية بصفتها الحقيقة الاجتماعية الوحيدة ولكن هذه الليبرالية ظهرت بنمط جديد نمط ينادى بتحرير أسواق العالم ورفع القيود أمام حركة رأس المال وجعل الدولة مجرد حارس للامن لا أكثر. واضاف ان عالمنا المعاصر يشهد تباينا كبيرا بسبب تركز الثروة فى جزء منه بينما تقبع باقى أجزاؤه فى فقر وحرمان و أن هذا الواقع المأساوي سوف يجعل من الليبرالية الاقتصادية الجديدة بمثابة القيد الابدى على الجياع والمحرومين وهذا سوف يمحق السعادة البشرية محقا ويعطل نموها الانساني المتوازن ويفسد حياة الجماعة البشرية وتضامنها وان الحقيقة الثابتة أن عالما سعيدا متوازنا لن يكون متاحا ما لم تتحقق العدالة الاجتماعية على مستوى العالم أى ما لم تتقلص الفجوة بين أغنياء هذا العالم وفقرائه. وقال انه ما لم يتطبع رأس المال بطابع أخلاقى يجعل منه وسيلة للحياة وليس غاية لها أن الوفاء قسط وعدل وأن المنع ظلم وجور والله سبحانه حض على العطاء بقوله عز من قائل «يا أيها الذين امنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض» وهذا نداء عام لكل البشر من أجل أن يعطوا كى تتحقق العدالة الاقتصادية والاجتماعية. اننا ومن خلال مؤتمركم هذا ندعو الى تحقيق العدالة الاقتصادية والصناعية على مستوى العالم وهذا ليس شيئا عسيرا فيما لو توفرت الارادات الطيبة والنوايا الصادقة التى يهمها رفاه البشرية كلها لا رفاهها الشخصى فالتعاون الاقتصادى وحده كفيل بانقاذ البشرية من رحى الحروب وعنف الازمات التى مازالت تعصف به على الرغم من صرحه الحضارى وانساقه الاخلاقية. أما كلمة ممثل الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور عبد الرحمن صبرى فتمحورت حول «التعاون الاقتصادى العربى فى ظل مرحلة الليبرالية الجديدة» حيث قال ان التساؤل المطروح اليوم هو ماذا بعد سياسات الاصلاح الاقتصادى والتثبت الهيكلى التى تتبناها الدول العربية وسعيها نحو الاندماج فى الاقتصاد العالمى فالليبرالية الجديدة على حد قوله ليست سوى مرحلة من مراحل تطور الحضارة الصناعية والغموض يكتنف المراحل التالية لها فهل سيصدق قول فوكوياما فى أن الليبرالية الاقتصادية هى نهاية التطور الحضاري. واعتبر أنه من زاوية التعاون الاقليمى بدأت الدول العربية بالمبدأ التكاملى بعد الحرب العالمية الثانية ولكن من زاوية التعاون الاقليمى كنزعة وحدوية ولكنها منذ أن تبنت مباديء التعاون الاقليمى على هدى من مباديء التعاون الدولى متعدد الاطراف وعلى أساس من نموذج الاتحاد الاوروبى اتخذت هذه السياسة ثلاثة اتجاهات هى التجارة والاستثمار والمشروعات المشتركة. وأشار الى وجود تأخر بعض الوقت فى التكامل فى البنية الاساسية بالذات كمجال النقل على عكس تجربة الاتحاد الاوروبى موضحا أن القمة العربية الاخيرة فى بيروت «مارس 2002» أعادت التوازن الى المدخلين معا أى بناء البنية الاساسية وبناء التكامل القطاعى كهرباء وسياحة وبيئة وبناء التكامل وفقا للمبدأ التبادلى فى التكامل. وأكد ممثل الامين العام للجامعة العربية أن ميثاق الجامعة العربية أولى أهمية قصوى للبعد الاقتصادى فى العمل العربى المشترك والذى يعنى التعاون والتنسيق والذى اصطلح على تسميته بتجارب التكامل العربى. وأضاف أن ظهور متغيرات جديدة فى الاقتصاديات العربية ووجود فوائض مالية بعد عام 1975 أدى الى الحاجة الى تنظيم جديد لشئون المال والاستثمار حيث صادقت جميع الدول العربية ما عدا جزر القمر على الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الاموال العربية فى الدول العربية مبرزا أن هذه الاتفاقية تعالج أوجه القصور فى الاتفاقيات السابقة التى كانت تنظر الى مشكلة انتقال رؤوس الاموال باعتبارها مشكلة ضرائب فأعطت تعريفات واسعة للاستثمار وضمنت معه حق المواطنة الاقتصادية وأوجدت حوافز مالية وضمانات كما أنها أوجدت آلية لتسوية منازعات الاستثمار تتمثل فى التوفيق والتحكيم وانشاء محكمة خاصة بالاستثمار العربى. وعلى صعيد الاستثمار أشار الدكتور عبد الرحمن صبرى الى أن مناخ الاستثمار فى الدول العربية قد تحسن وانعكس ذلك على زيادة الاستثمارات العربية البينية من 400 مليون دولار فى عام 1990 الى 4.2 مليارات دولار فى عام 2001 وبلغت القيمة التراكمية للاستثمارات العربية البينية حسب تقديرات المؤسسة العربية لضمان الاستثمارات 17 مليار دولار فى الفترة من 1985الى 2000. وأضاف أنه قد اكتملت أركان المضى قدما فى تحسين مناخ الاستثمار من خلال حقائق أولاها وجود أطار وطنى وقومى من القوانين وتوافر أطار أقليمى لاستقبال الاستثمارات مع انجاز الدول العربية للكثير من مشاريع البنية الاساسية اللازمة للتمهيد للاستثمارات وتوافق أداء الاسواق المالية واتفاق السياسات المالية والاقتصادية العربية مع الاطار الدولى الراهن للعلاقات الاقتصادية الدولية سواء فى أطار المنظمة العالمية للتجارة أو المحافل الاخرى. وعن القطاع الخاص فى الدول العربية أشار الى أن أهم المحاور التى يضطلع بها القطاع الخاص العربى هى الشركات المشتركة التى انشأت العشرات من المشروعات فى مختلف القطاعات الاقتصادية والمالية والاجتماعية وتشير احصاءات عام 1991 الى أن هناك 16 مليار دولار مستثمرة فى مشروعات مشتركة فى مجال المال والاستثمار وحده ويؤكد أنه مع ذلك فان هذه الارقام تبقى دون المنشود بالمقارنة مع أحجام التدفقات الاستثمارية بين الاقاليم والتجمعات العالية. وأكد أنه على الرغم مما للبلاد العربية من خصائص اقتصادية تؤهلها لتحقيق تنمية اقتصادية متوازنة ألا أنها تتفاوت من حيث وفرة الموارد الطبيعية وفى البنى الانتاجية القائمة حيث يشكل العالم العربى كتلة بشرية قوامها 280 مليون نسمة سنة 2001، ولكن ثلثى عدد السكان أقل من 14 سنة وهذا يرفع من معدل الاعالة من جانب ولكن يثير من جانب اخر قضايا تأهيل هذه الثروة البشرية خاصة وأن هناك 15 مليون عاطل عن العمل فى الدول العربية وهو ما يحتاج لمعدل نمو قدره 7% سنويا لاستيعابها. وقال انه أذا عرفنا أن معدل الادخار القومى العربى لا يتجاوز 22% فى المتوسط وان معدل الاستثمار المطلوب لاستيعاب البطالة يصل الى 35% من الناتج المحلى الاجمالى فان الفارق لابد أن يأتى من خارج المنطقة العربية فى صورة استثمار أجنبى مباشر ومن هنا تأتى ضرورات الاندماج فى الاقتصاد العالمى. ولفت الى أن الناتج المحلى للبلاد العربية سجل زيادة كبيرة خلال العقدين الماضيين اذ ارتفع من 28 مليار دولار عام 1969 الى حوالى 500 مليار دولار ولكن المتغيرات العالمية تتم بمعدلات أسرع من معدلات نمو العالم العربى وتنميته وفى مجال المقارنة يمكن القول بأن الناتج المحلى لدولة أوروبية واحدة مثل ايطاليا أكبر من الناتج المحلى للدول العربية مجتمعة. واعتبر أن التكتلات الاقتصادية الدولية تمثل تحديا لقدرات الدول العربية ذلك أن النزعة الحمائية لهذه التكتلات ستؤثر على صادرات الدول النامية اليها وعلى رأسها الدول العربية موضحا أن المفهوم المبسط للعمل الاقتصادى العربى المشترك فى اطار الجامعة العربية يدور حول كيفية تعبئة الموارد وتوجيهها لزيادة الناتج من صناعة وزراعة وخدمات واقامة علاقات خارجية متوازنة. وشدد على أن موضوع التكامل الاقتصادى العربى لم يواكب الاهداف السياسية فى اطار القومية العربية أذ أن ميثاق جامعة الدول العربية لا ينص على الوصول الى مرحلة ما من مراحل التكامل العربى بل اقتصر على مجرد فكرة التعاون «مادة 2 من الميثاق» بل ان معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادى (1950) لا تستهدف ألا التنسيق بين الدول العربية قائلا أنه من الظلم أن تحمل الجامعة العربية بما ليس أصلا من مهامها. واعتبر أن أهم المؤشرات لتقويم انجازات العمل الاقتصادى المشترك هو التجارة العربية البينية وهى لا تتجاوز 10% والمؤشر الهام الثانى هو قيمة الاستثمارات العربية المشتركة وهو مؤشر يعكس قصورا عن تحقيق الامال اذ قدرت المؤسسة العربية لضمان الاستثمار أن كل دولار يستثمر فى المنطقة العربية يقابله استثمار قدره 56 دولارا فى دول غير عربية وبالارقام المطلقة فان نصيب الاستثمارات العربية البينية 17 مليار دولار يقابلها 670 مليار دولار استثمارات خارجية ومن ثم فأن تشابك ومصالح العلاقات الانتاجية العربية ما زال محدودا. وأوضح أن العمل العربى الاقتصادى المشترك لم يف بالطموحات العربية والاستفادة من ديناميكيات التعاون الاقليمى ولم يتمكن من بناء قاعدة انتاجية قادرة على المنافسة محليا ودوليا فما زالت القاعدة الانتاجية العربية تتمتع بالحماية تجاه العالم الخارجى وتجاه المنافسة العربية. وفى مداخلته التى جاءت تحت عنوان «الحركات التى تعارض تيار العولمة من هى وماذا تريد» أكد «كريستوف اغتينون» نائب رئيس جمعية اتاك الفرنسية أن «العولمة الليبرالية» هى قبل كل شيء مرحلة جديدة فى الرأسمالية الصناعية التى وجدت قبل أكثر من 150 عاما فى أوروبا والولايات المتحدة وبشكل أقل فى المناطق الاخرى من العالم لكنها عرفت فى جميع الامكنة لحظات ومراحل تختلف كل واحدة عن الاخرى. وأضاف أنه ابتداء من التسعينيات تطورت العولمة الليبرالية بدفعة من الولايات المتحدة التى عاشت عقدا من التوسع واستفادت من سيطرتها العسكرية والسياسية التى أظهرتها حرب الخليج من أجل ابراز نموذجها. وقال ان العولمة الليبرالية تتميز بخصوصيتين رئيسيتين هما دور الاسواق المالية. التى تضغط بثقلها على الشركات وتفرض نسبا جد مرتفعة من الارباح، وفتح الاسواق والبضائع، والمنتجات الفلاحية، وحاليا الخدمات، مشيرا الى أن هذه الخصائص ستؤدى الى سلسلة من الانعكاسات، سيكون أهمها على الاطلاق تحول الشركات، التى تنقل الحد الاقصى من أنشطتها الى الخارج. وعن حركة الاحتجاج العالمية التى ترافق العولمة نفى اعتقاد العديد من المراقبين الذين رأوا فى احتجاجات سياتل حركة لا تملك أى مستقبل لانه لم يكن هناك فى تصورهم أى شيء مشترك بين محبى البيئة الذين يدافعون عن السلاحف البحرية ويناضلون ضد الصيد الصناعى وبين نقابيين ينتمون لقطاع الصناعة الحديدية يدافعون عن عملهم ويرفضون فتح الاسواق أمام المنافسة. وأكد أن التحالف بين هذه الحركات المختلفة ما فتيء يتعزز مع توالى مظاهرات الاحتجاج، لان ما يوحد هؤلاء الناشطين المختلفين هو نفس الرفض اتجاه هذه المرحلة الخاصة من الرأسمالية الصناعية. وصنف «كريستوف اغتينون القضايا المحورية التى يتركز حولها الاحتجاج فى ثلاث قضايا رئيسية، هى القضايا الاجتماعية وهى الاهم، نجد فيها موظفين ونقابيين يدافعون عن عملهم أمام قلة ضمانات العمل المتزايدة بل أيضا العاطلين عن العمل الذين يطالبون بأعانة البطالة، وكذلك القضايا البيئية، وهى الاخرى ذات أهمية كبيرة، ليس لان العولمة الليبرالية قد تكون مسئولة عن كل الاضرار التى لحقت بالبيئة، أما المحور الاخير فهو الخاص بقضايا الديمقراطية، حيث يوجد رفض مكثف للبنيات غير الديمقراطية فى صندوق النقد الدولى وفى البنك الدولي بفعل حصول البلدان الغنية على الحصص الكبرى، فى هذه المؤسسات. ولفت المحاضر الى أن الحركة العمالية وخصوصا النقابات ولدت منذ أكثر من قرن تقريبا، لكن أغلب بنياتها الحالية هى أرث لسنوات الخمسينيات والستينيات، وأن النشاط النقابى ضعف فى الثمانينيات حيث فقد فى بلدان الشمال، حوالى نصف أعضائه، لكنه يبقى الحركة الاكثر تنظيما فى العالم، بأكثر من 150 مليون منخرط. ومن جهة أخرى يرى بأن المنظمات غير الحكومية قد عرفت تطورا هاما فى الثمانينيات على أساس تطور مزدوج، وأن هذا التطور تم تعجيله من طرف مسلسل الخصخصة الذى عرفته المساعدة الدولية، القادمة من دول، من الاتحاد الاوربى، ومن المؤسسات الدولية التى فضلت التعاقد مع منظمات غير حكومية لكى تعمل فى دول الجنوب. وقال ان حركة المنظمات غير الحكومية، أصبحت تجد اهتمامات متنوعة، كالتنمية والمساعدة العاجلة مع أطباء بلا حدود مثلا، أو البيئة مع السلام الاخضر، وتحالفت مع حركة سياتل، موضحا أنه بالرغم من كل هذا الزخم لم تتوصل الى حل كل المشاكل والتناقضات، وخصوصا التوتر بين لوبى المؤسسات الدولية وبناء علاقة القوة والتعبئة . وشدد نائب رئيس جمعية اتاك الفرنسية على أن أحد الصعوبات، التى تواجه المؤسسات الدولية والحكومة، تتمثل فى أن الحركات المطالبة بعولمة أخرى مغايرة يرفع مطالب ذات طبيعة مختلفة جدا وذات حجم أوسع جدا. وأكد المحاضر أن الحركة العالمية التى تتطور منذ سياتل أبانت عن قدرتها فى الارتباط بالحركة السلمية فى وقت الحرب فى أفغانستان وأن تكون الى جانب الفلسطينيين خلال هجوم الجيش الاسرائيلى مشيرا الى أنها تشارك فى بروز نوع من الضمير المدنى الدولى الذى يعتزم اسماع صوته فى كل مكان يكون فيه ذلك ممكنا بما فى ذلك خلال النزاعات المسلحة. واعتبر أنه بالنسبة للعديد من هؤلاء الناشطين لم يعد الامر يتعلق بالانضمام الى صفوف المقاتلين والثوريين كما كان الامر خلال حرب أسبانيا أو حتى الثورة الساندينية فى نيكاراغوا بل الحضور بشكل سلمى ليكونوا شهودا على الاحداث وفتح مجالات ديمقراطية ومحاولة الحد من المعاناة التى تلحقها القوات المسلحة بالمدنيين من خلال تواجد مراقبين دوليين. أما انتينونى جالونى الخبير بوزارة العمل الايطالية فقد كان محور مداخلته البحث عن اجابة للتساؤل «ماذا بعد العولمة» وقال بأن الهدف من تأسيس برنامج بريتون وودز وصندوق النقد الدولى فى نهاية الاربعينات وبداية الخمسينات كان يرمى الى تمويل العجز فى الميزان التجارى للدول النامية المترتب عن حاجة تلك الدول الى استيراد السلع الرأسمالية والتكنولوجية وكان المقصد من ذلك وضعهم فى موقع يمكنهم من أنتاج تلك السلع بأنفسهم لانهم أن لم يتمكنوا من ذلك فسيتعين عليهم دوما البحث عن عملات أجنبية لغرض استيراد السلع من الدول المنتجة. وأعرب عن أسفه بسبب تحول صندوق النقد الدولى عن رسالته من البداية بامتناعه عن تمويل ذلك الجزء من العجز فى الميزان التجارى الناتج عن استيراد التقنيات التى كان من شأنها أن تجعل تلك الدول مستقلة بل قام عوضا عن ذلك بتمويل العجز بمجمله وبضمنه العجز الناشى عن المضاربات المالية أو ببساطة استيراد سلع الرفاهية. وأكد أن أخلال الصندوق بوظيفته أدى الى أن أصبحت الدول القوية والغنية أكثر قوة وغنى أما الدول التى كانت تعانى من العجز فانها لم تكن تحصل على أى مساعدة لان صندوق النقد الدولى والبنك الدولى لم يكونا يدعمان سوى الدول التى ربطت نفسها مع السياسات النقدية لهاتين المؤسستين حتى عندما كانت تلك السياسات خاطئة وموذية كما قيل من قبل. وأضاف أن هذه الوضعية السياسية والمالية كانت موجودة فقط فى أغنى الدول فى حين أن الدولتين الاستثنائيتين الوحيدتين حتى الثمانينات كانتا اليابان والمانيا اللتان كانتا قويتين لكن قوتهما كانت لا تزال مبنية على نشاط اقتصادى حقيقى وليس النشاط المالى. ولفت الى أن الاقتصاديين كانوا فى بداية التسعينات يعتقدون أن خفض أسعار الفائدة سيجلب معه ازدهار العمالة والانتعاش الاقتصادى فى الدول النامية لكن أيا من ذلك لم يحدث لان المستثمرين الكبار من المؤسسات الرسمية الذين رأوا أسعار الفائدة وهى تنخفض أفرغوا محافظهم من السندات وبدأوا بشراء الاسهم بحيث تمكنوا من السيطرة على شركات بأكملها ومجموعات صناعية بأكملها طالما تعهدت ادارات تلك الشركات والمجموعات بخلق أرباح بمعدل 7% و8% سنويا. وقال أنه بهذه الطريقة قام المستثمرون الكبار من المؤسسات الرسمية وخاصة صناديق التقاعد بفرض نسب أرباح كان يجب تحصيلها بأى ثمن كان حتى وان كان ذلك عن طريق خفض تكاليف البحث والتطوير وبهذا خلقوا وضعا مناقضا للتنمية الصناعية والرأسمالية مبرزا رؤيته فى أن آلية تسعير الاسهم هذه فى السوق بغض النظر عن نموها الفعلى من حيث أرباح الشركات أصبحت سببا للازمة المالية التى لا تزال مستمرة اليوم والتى بدأت قبل الحادى عشر من سبتمبر. وأوضح بأن الدول النامية لم يكن لديها فقط تراكم للديون فى الفترة التى كانت فيها أسعار الفائدة مرتفعة بل وأن الوضع الذى خلق هناك لم يساعد على خلق فرص مماثلة للتنمية عن طريق الاستفادة من أسعار الفائدة المنخفضة حيث أن حكومات وبنوك تلك الدول أصبحت مدينة بنسب فائدة عالية للبنوك الغربية من أجل الحصول على رأسمال للاستثمار لكن هذه الاستثمارات لم تعط مردودا كافيا لتغطية ودفع قيمة الفائدة. وبفعل هذا التناقض يؤكد الخبير أنتينونى أنه تم خلق هوة بين عالم المال وعالم الاقتصاد الحقيقى ونتيجة لذلك كانت دول عديدة ترى اجمالى ناتجها المحلى ينمو لكنه كان ينمو بنسبة أقل من نسبة نمو سكانها. واعتبر أن الجانبين الآخرين من المشكلة هما الجوع والحرب حيث تم وضع التحليلات لمشاكل تلك البلدان من ناحية الحرب وأسباب المجاعات واثار المديونية دون النظر الى الآليات التى خلقت الديون بالاساس اذ لم تتطرق التحليلات السياسية ولا الاقتصادية الى أسباب الجوع فى مختلف البلدان وخاصة فى أفريقيا. واشار الى أنه قبل 30 أو 40 عاما لم يكن الناس فى أفريقيا يموتون من الجوع لان الحبوب كانت تنتج هناك ولم يبدأوا باستيراد الحبوب من الولايات المتحدة وغيرها من الدول المنتجة الا لاحقا عندما ارتفع الدولار واكتشف الافريقيون أن حبوبهم المنتجة محليا لم تعد موجودة ولم يعودوا قادرين على شراء المزيد من الحبوب من الولايات المتحدة بسبب ارتفاع الدولار موضحا أن هنالك الكثير من الحديث حول الغاء الديون وايقاف الحروب ومحاربة الجوع لكن المجتمعات الافريقية لن تصبح مستقلة اذا لم نعالج الاليات الاقتصادية والمالية التى هيأت هذا الوضع. وأضاف أنه عندما تم خفض أسعار الفائدة فى بداية التسعينات ظهر وضع لم تعد فيه الربحية نتيجة لعملية منتجة بل شيئا قدمه النظام المالى قبل عمليات الانتاج وهذا الشيء يجب أن يكون عند مستوى 7% الى 8% سنويا ويجب تحقيقه بأى ثمن كان بغض النظر عن تأثير ذلك على النشاط الانتاجى. وأوضح أنه تم فى أسواق الاسهم خلق وضع جعل فيه تضخيم الميزانيات وتضخيم توقعات الارباح والاكاذيب نشرت فى كل مكان لان ذلك يضمن الارباح مشيرا الى القصص التى تم تداولها فى شأن شركات اينرون وورلد كوم وغيرها مؤكدا انها ليست ببساطة نتيجة لافعال أفراد غشاشين بل يدخل فيها شيء بنيوى بعمق فى كيان هذا النظام الاقتصادى. وشدد على ضرورة النظر الى الاسباب التى أفرزت هذا الخلل والا فانه لن يتم التوصل الى نهاية هذه المشكلة. ومن الناحية الظاهرية يقول المحاضر كانت الولايات المتحدة منطقة جيدة لاستيراد رأس المال وهكذا حافظت على توازن ملحوظ فى ميزانها التجارى لكن خلف هذه الالية كانت هنالك مضاربة مزدوجة مضاربة فى سوق الاسهم ومضاربة داخل البلد حول قيمة الدولار لان البنوك كانت تلعب دور شبكة حماية اجتماعية وخلال عقد التسعينات كان هنالك انخفاض بلغ الى حد 40% فى حجم الرواتب الفعلية نتيجة لتحرير سوق العمل ولكن استمرت الاسر الاميركية التى لم يعد لديها الدخل الذى كان موجودا عندها فى الثمانينات فى انفاق النقود وكأن دخلها قد زاد 40%. وأشار الى أن الحادى عشر من سبتمبر أدى الى تفاقم ذلك الوضع فى القطاعات التى تم ضربها مثل النقل الجوى على سبيل المثال لكنه أيضا أعطى بوش امكانية أعلان نوع من التوجه الاقتصادى الجديد نوع من العودة الى «كينز» اذا أخذ بالاعتبار اجراءات مثل تخصيص 200 مليار دولار لدعم العاطلين عن العمل وتوفير الادوية لكبار السن والسماح للشركات بشراء أسهمها لدعم الاسعار ومساعدة الصناعات التى تواجه متاعب ووضع تعرفة جمركية لحماية صناعة الصلب الاميركية على سبيل المثال. وذهب الى أن السبب الحقيقى بالاضافة الى الجانب المالى فى هبوط الطلب الداخلى قبل الحادى عشر من سبتمبر يعود الى فشل سياسة خفض الضريبة والتخفيضات فى الميزانية لان فى الولايات المتحدة القسم الاعلى من الطبقة المتوسطة فقط يدفع الضريبة أما الطبقات التى لا تدفع الضريبة فانها هى المستفيدة من الانفاق العام الجيد فى التعليم والرعاية الصحية. وأمام هذا الانسداد فى الاقتصاد الاميركى والعالم تطرق المحاضر لمشروع قرار برلمانى شارك فى اعداده وتم تقديمه الى مجلس الشيوخ وأيضا مجلس النواب وقد حصل على تأييد حوالى مئة من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب ومما جاء فيه «أن التسلسل المتسارع للازمات المالية والمصرفية بدءا بعام 1997 والازمة فى أسيا وروسيا وأميركا اللاتينية ومرورا بالانهيار الاخير للاقتصاد الجديد فى الولايات المتحدة والى الازمة الكبرى للبنوك اليابانية الجارية الان وافلاس الارجنتين لا شك يصيب الشعوب والقادة والشركات والمستثمرين بالقلق لان هذه الازمات ليست مجرد تتابع لحالات منفصلة بل تجلى لازمة النظام المالى كله الذى تميزه المضاربات الخارجة عن أية سيطرة». وأكد على أنه من أجل التوصل الى حل واتخاذ المبادرة الخاصة اقتراح عقد مؤتمر عالمى جديد يجمع رؤساء الدول مثل المؤتمر الذى عقد فى بريتون وودز عام 1944 بهدف تأسيس نظام نقدى عالمى جديد واتخاذ الاجراءات الضرورية للقضاء على الاليات التى أدت الى خلق فقاعة المضاربات والانهيار المالى البنيوى وللبدء ببرامج من اعادة بناء الاقتصاد العالمى. أما مداخلة الخبير ميشيل ليبيج رئيس تحرير مجلة «أكزكيوتيف انتيليجنس ريفيو» العالمية فتناولت أزمة الوجود للرأسمالية الانجلو أميركية. وأكد أنه بعد أحد عشر عاما مما بدا انتصارا نهائيا للرأسمالية على النموذج الاقتصادى الشيوعى بدأت الرأسمالية «المعولمة» على الطريقة البريطانية الاميركية بالانحدار نحو أزمة بنيوية نظامية. وأوضح أنه بالرغم من التنبؤ بمستقبل الرأسمالية فأنه لن «تبعث» الشيوعية من جديد كنموذج اقتصادى فى رد فعل على أزمة النموذج البريطانى الاميركي للرأسمالية المالية الصرف. وقال أن البديل الفعال الوحيد للرأسمالية على النمط البريطانى الاميركى هو اعادة احياء أو نهوض «اقتصاد السوق الاجتماعى» الذى تعرض للهجوم فى العقود الثلاثة الاخيرة «أيديولوجيا وعمليا» عن طريق اعتباره «بيروقراطيا» أو خاضعا لسيطرة الحكومة أو «شبه اشتراكى». وأضاف أن مفهوم «اقتصاد السوق الاجتماعى» فى السياسة الاقتصادية المالية يعنى فى ظل ظروف الازمة البنيوية الحالية اعادة تنظيم وتأطير التعاملات المالية والنقدية أى «نظام بريتون وودز جديد» كما يقترح عالم الاقتصاد الاميركى ليندن لاروش وأن تكون التنمية الموجهة من قبل الدولة نحو الاقتصاد الفيزيائى الفعلى بتشديد التركيز على تطوير الشركات الصناعية متوسطة الحجم وذات التقنيات العالية والبنية التحتية الاقتصادية الاساسية. ويرى الخبير ميشيل ليبيج أنه بازدياد أزمة الرأسمالية البريطانية الامريكية عمقا وسرعة يكون ضروريا أن نستند الى سوابق تاريخية أثبتت نجاحها واستخدامها للتعامل مع الازمة المالية والاقتصادية الوجودية عوضا عن محاولة «أعادة اختراع العجلة». وأشار الى أن العالم يشهد حاليا انهيار «الوهم العظيم» الجلى فى ما يخص النظام الاقتصادى المالى الذى أصبح النظام المهيمن عالميا منذ أن قام الرئيس الاميركى ريتشارد نيكسن فى الخامس عشر من أغسطس 1971 بأنهاء نظام بريتون وودز الذى كان قائما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية الى ذلك اليوم مضيفا أن نظام ما بعد عام 1971 تميز بعدة سمات أبرزها أخضاع الاسواق المالية الوطنية لـ «أعادة الهيكلة» و«التحرير» وأدخال نظام «تعويم» نسب صرف العملة واستبدال النظام النقدى الثابت المبنى على أساس احتياطى الذهب الذى كان معمولا به فى الفترة 1945/1971 ويتميز كذلك بعولمة أسواق المال بواسطة الارتباطات بواسطة البيانات الالكترونية على مدار 24 ساعة وأخيرا بجعل بديهيات صندوق النقد الدولى النقدية «الليبرالية المحدثة» هى المهيمنة عالميا عن طريق برامج «التعديل الهيكلي» والسياسات المشروطة وبضمنها خصخصة الاصول التى تملكها الدولية فى الصناعات والبنية التحتية. وأكد أنه خلال العقد الماضى شهد العالم سلسلة مؤسفة من الازمات فى النظام المالى العالمى من انهيار «فقاعة اليابان الكبرى» فى عام 1990 وسلسلة كوارث التجارة بالمشتقات المالية منذ انهيار بارينج بانك البريطانى فى فبراير 1995 ثم ما سمى «بالازمة الاسيوية» فى عام 1997 «والازمة الروسية» عام 1998 والانهيار الوشيك لكل النظام العالمى بسبب انهيار صندوق المخاطر المالية لونج تيرم كابيتال مانجمينت فى خريف 1998 الى انفجار فقاعة «الاقتصاد الجديد» منذ مارس 2000 و«أزمة أميركا اللاتينية» منذ عام 2001 والانهيار اللولبى الاقتصادى المالى فى الولايات المتحدة المركز الرئيسى للنظام المالى والاقتصادى العالمى منذ بداية صيف هذا العام. أما بالنسبة للخلفية الاقتصادية والمالية لاحداث 11 سبتمبر فقال المحاضر أنه لا يمكننا الاستغناء عن الاخذ بنظر الاعتبار أنها وقعت عندما ظهر بوضوح فشل سياسات «إدارة الازمة» المتبعة فى التسعينيات. فلم تنجح عمليات خفض أسعار الفائدة بشكل غير مسبوق فى تاريخ بنك الاحتياط الفيدرالى ولا الاساليب المباشرة لضخ السيولة الى أسواق المال ولا حتى التدخل المباشر والمتزايد «لفريق منع الغطس». وأوضح أنه فى الاشهر التسعة التى تلت 11 سبتمبر تم انفاق 200 مليار دولار بالاضافة الى تخصيص موارد هائلة من ميزانية الدولة للشئون العسكرية والامن الداخلى والاستخبارات من قبل الحكومة الاميركية فى «الحرب ضد الارهاب» لكن بحلول بداية صيف 2002 أصبح واضحا أن هذه «الحزمة التحفيزية» فشلت فى أعادة التوازن للاقتصاد الاميركى والنظام المالى. وتساءل رئيس تحرير مجلة «أكزكيوتيف انتيليجنس ريفيو» العالمية عما اذا كان سيحدث تحول جذرى فى الساسة داخل الولايات المتحدة الاميركية وانهاء حالة انكار الازمة البنيوية فى الاقتصاد والمالية وهل ستخلق الحكومة الاميركية بالتعاون مع أوربا والصين وروسيا والهند والعالم العربى والاسلامى الارادة المطلوبة لاحداث تغيير جذرى واعادة تنظيم للنظام المالى العالمى وهل ستختار الولايات المتحدة طريق «نظام بريتون وودز جديد» كما صممه لاروش. أما الدكتور ريتشارد ريشيبير الخبير الاوروبى فى الاقتصاد الاميركى فتحدث عن «الليبرالية الاقتصادية الجديدة» قائلا ان الولايات المتحدة الاميركية قامت خلال العشرينات من القرن الماضى بأغراق العالم بسيل من القروض والائتمانات باعتبارها الملاذ الاخير للاقراض فى العالم بينما أصبحت فى التسعينيات المستهلك العالمى لذلك الملاذ الاخير باغراقها باقى العالم بمزيد من الانفاق الاستهلاكى غير المسبوق. وقال ان ما يحدث للاقتصاد الاميركى هو بكل تأكيد القضية الاساسية للاقتصاد العالمى ولمستقبل أسواق المال العالمية حيث أن فى أوائل العام كان هناك اتفاق فى الرأى بأن الاقتصاد الاميركى قد نجح فى تفادى الانكماش الاقتصادى الذى حدث العام الماضى وأن ذلك سوف يؤدى الى انتعاش الاقتصاد العالمى هذا العام بمعدل نمو يزيد عن 3بالمائة ويضخ المكاسب فى شرايين أسواق المال العالمية. وأضاف أن الاعراض المتشعبة الارتباطات للازمة فى شرائح مختلفة للنظام المالى لا يمكن بعد الان تفسيرها بشكل صحيح باعتبارها حالات شذوذ محلية اذ ان سلسلة الكوارث المالية ليست تراكمات اعتباطية لازمات معزولة ذات جذور مختلفة معتبرا أن المهم فعلا ليس السبب المنفرد لكل أزمة من الازمات الخاصة بل سبب سلسلة الازمات. ويرى المحاضر أن الازمة البنيوية للنظام الاقتصادى المالى العالمى ناتجة عن العلاقة المتداخلة المميزة بين تناقص نسب الانتاج المادى والنمو المضاربى المتنامى ذاتيا للاصول المالية والتوسع النقدى لتغطية التوسع المرفوع فى الاصول المالية. ولفت الى أنه منذ ربيع عام 2000 حينما بلغت الهوة بين الاصول المالية والنقدية أقصى مدى لها فى التاريخ كما هو واضح من رأس المال الاسمى للاسهم الاميركية بدأت عملية انحلال فوضوية ومتسارعة لمجمل النظام الاقتصادى المالى وخلال العامين الماضيين فقط تبخرت قيمة ما يقدر بثمانية تريليونات دولار من «القيم الورقية» فى أسواق المال العالمية. وبحسب الخبير ميشيل ليبيج فقد تحولت الازمة المالية بسرعة الى أزمة اقتصادية أى متمثلة بانكماش الاستثمارات الرأسمالية فى الصناعة والبنية التحتية وتزايد البطالة وانخفاض المستويات المعيشية والازمة هنا لا تمتد لتصبح ركودا فى الاقتصاد الفعلى بل والاسوأ من ذلك اندماج الازمة المالية مع الازمة الاقتصادية يؤدى الى تحويلها الى أزمة استراتيجية عسكرية كذلك. وبالنسبة للوضع الاستراتيجى العالمى اليوم يرى المحاضر أن مقولة كلاوسيفيتس بأن «الحرب هى استمرار للسياسة لكن بوسائل أخرى» تبقى مقولة مفيدة اليوم باعتبارها أداة تحليلية مساعدة وأن «السياسة» هى حاصل جمع العوامل السياسية والاقتصادية المالية والاجتماعية والثقافية. وأضاف أن محتوى السياسة يتحدد بشكل رئيسى من وجود أو غياب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفى النهاية ما يقرر اندلاع الحرب أو عدم اندلاعها هو وجود التنمية أو عدمها حيث أن سياسة التنمية لا تحتاج الى الاستمرار «بوسائل أخرى». وقال بأن أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 توضح هذه النقطة وأن «الرواية الرسمية» للحادى عشر من سبتمبر التى قدمتها الحكومة الاميركية غير قابلة للاثبات وهذا الامر يتضح أكثر أذا سالنا أنفسنا الاسئلة التالية من لديه القدرة بشكل سرى على تخطيط وتنفيذ مثل هذه العملية المعقدة الى حد كبير ومن لديه الدافع الايديولوجى والاستراتيجى بالاضافة الى القدرة التقنية لتنفيذ مثل هذه العملية وأيضا ماذا كان التأثير المحسوب مسبقا داخل الولايات المتحدة وعالميا لهجمات 11 سبتمبر أو ببساطة من المستفيد. ويرى المحاضر أن المفاجأة الكبرى للشهور الماضية تعتبر من أسوأ الكوارث التى حلت بشارع المال «وول ستريت» وأثرت فى كل دولة من دول العالم متناقضة بذلك مع التنبوات والتوقعات الاقتصادية المتفائلة وكان التفسير العام لهذا التبيان الكبير بين ذلك السلوك البغيض لاسواق المال والتفاؤل بشأن مستقبل الاقتصاد يطرح على أنه نوع من الانهيار غير العقلانى فى سيكولوجية السوق وذلك بسبب انتشار حسابات مشتركة خادعة وزائفة.
