تشير الصيغة الاولية للتقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2002 والتي سيناقشها المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي في سبتمبر المقبل، إلى ان الاوضاع الخارجية تعرضت في عام 2001 للضعف، وذلك حتى من قبل وقوع احداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الاميركية، ولم تعد مواتية بالنسبة للدول العربية بنفس الدرجة التي كانت عليها في عام 2000، وتجدر الاشارة في هذا الخصوص، إلى أن مؤشرات تباطؤ النشاط الاقتصادي الدولي كانت قد اخذت في التزايد منذ بداية العام، الامر الذي اثر على حجم الطلب الكلي ومستوى الاسعار للصادرات العربية، خاصة الصادرات النفطية والصادرات من السلع الاولية الاخرى الهامة في عدد من الدول العربية، ويضاف إلى ذلك ان تداعيات الاوضاع المؤسفة في الاراضي العربية المحتلة قد اثرت بدورها على الاقتصادات المجاورة، وبشكل خاص على ايرادات قطاعات السياحة الهامة فيها كما ان الاستثمارات العربية في الاسواق المالية الدولية الرئيسية وعائدات الدخل منها تأثرت بالضعف الذي اعترى تلك الاسواق. وتشير البيانات المتاحة إلى ان موازين الحسابات الجارية الاجمالية للدول العربية، وبفضل الفوائض التي حققتها الموازين التجارية، قد اسفرت في عام 2001 عن فائض يناهز 46.8 مليار دولار مقارنة مع الفائض الاستثنائي الذي كان قد بلغ 64 مليار دولار في عام 2000، كما اسفرت الموازين الكلية عن فائض في حدود 18 مليار دولار مما سمح بزيادة الاحتياطيات الخارجية الرسمية للدول العربية لتصل إلى نحو 115.1 مليار دولار. ويعزى ذلك إلى السياسة الحكيمة التي اتبعتها منظمة الاوبك في التعامل مع حالة عدم الاستقرار في سوق النفط الدولية والتي ساهمت في تجنب حدوث انهيار كبير في اسعار تلك السلعة الهامة كالذي حدث في عام 1998، كما يعزى من جانب اخر، إلى تقيد معظم الدول العربية بالسياسات الرامية إلى المحافظة على الاستقرار الاقتصادي الكلي. الموازين التجارية تراجع فائض الميزان التجاري لمجموع الدول العربية بنسبة 23% في عام 2001 من المستوى الاستثنائي لعام 2000، ليصل إلى نحو 73 مليار دولار، ورغم هذا التراجع، فان الفائض المحقق في عام 2001، يعتبر ثاني اكبر فائض تجاري يتحقق منذ عام 1981، ويعكس ذلك بشكل رئيسي نجاح منظمة اوبك في التعامل مع ظروف تباطؤ الطلب الدولي على النفط وارتفاع المخزون منه، بما حال دون حدوث انهيار في الاسعار، وتحقق ذلك من خلال اجراء تخفيضات مناسبة في الانتاج اظهرت الدول الاعضاء التزاما طيبا بها، كما يعكس ايضا نجاح عدد من الدول العربية في تنشيط صادراتها من الغاز الطبيعي المسال وغاز البترول المسال، ونجاح البعض الاخر في تحقيق زيادة في الصادرات غير النفطية، اضافة إلى اعتدال نمو الواردات بشكل عام في المنطقة العربية في ظل السياسات والاجراءات الاصلاحية الجاري تطبيقها. وعلى صعيد الدول العربية فرادى، تحقق اكبر فائض تجاري في عام 2001 في السعودية، ويمثل ذلك الفائض اكثر من60% من الفائض التجاري الاجمالي للدول العربية في العام المذكور، وتتلوه من حيث الاهمية الفوائض التجارية المحققة على الترتيب في كل من: الامارات، والجزائر، والكويت، وقطر، وعمان ثم ليبيا والبحرين، كذلك تجدر الاشارة إلى ان الموازين التجارية لكل من سوريا واليمن والسودان حققت فوائض متفاوتة في عام 2001، بينما تراجع حجم العجز التجاري في كل من مصر والمغرب والاردن وجيبوتي، وفي المقابل، اتسع العجز التجاري بشكل ملحوظ في لبنان وزاد بدرجة طفيفة في تونس، وتحول الفائض التجاري المعتدل الذي حققته موريتانيا في السنوات الماضية إلى عجز محدود نسبيا في عام 2001. ومن جانب اخر، يلاحظ حدوث زيادة ملموسة في الصادرات السلعية في الاردن حيث ارتفعت تلك الصادرات بنسبة 20.7% لتصل إلى نحو 2.3 مليار دولار، متجاوزة حاجز الـ 2 مليار دولار للمرة الاولى، ومن المرجح ان لنشاط المناطق الصناعية في الاردن دورا كبيرا في ذلك، حيث ارتفعت الصادرات من المنسوجات الاردنية بشكل كبير بحيث اصبحت معه اهم سلع التصدير، اضافة إلى الاداء الجيد للصادرات من الادوية والمستلزمات الطبية. كذلك ارتفعت الصادرات في تونس بنسبة 13%، حيث حققت صادرات المنسوجات والسلع الكهربائية والميكانيكية زيادات ملحوظة، كما ارتفعت الصادرات في المغرب بنسبة 3.2% بعد ان كانت قيمتها المطلقة قد تراجعت في عام 2000 الذي شهد جفافا حادا اثر على الصادرات من المنتجات الزراعية، ولقد ارتفعت الصادرات ايضا في لبنان وذلك بنسبة 14.2%، ولكن ان تغطيتها للواردات هي الادنى في كل الدول العربية إذ بلغت اقل من 12% في عام 2001. وبالنسبة لمصر، فقد حدث ارتفاع في صادرات المنسوجات والملابس الجاهزة والموالح والسيراميك في عام 2001 مستفيدة من المرونة التي اضيفت على سعر الصرف خلال العام المذكور، مما ساعد على تغطية اثر انخفاض الصادرات النفطية، بحيث بقي المستوى الاجمالي للصادرات السلعية في نفس حدود عام 2000 تقريبا. اما في جانب الواردات، فان البيانات المتاحة تظهر ان الواردات العربية الاجمالية قد نمت بنسبة 1.6% فقط في عام 2001، واسهم في ذلك استمرار اعتدال معدلات نمو الاستيراد في الدول العربية المصدرة للنفط بشكل عام، الامر الذي يعكس تواصل سياسات ضبط وترشيد الانفاق الحكومي فيها، في اطار توجهاتها الهادفة إلى افساح دور اكبر للقطاع الخاص في الانشطة الاقتصادية. ويلاحظ في هذا الصدد، ان الواردات السلعية في عام 2001، نمت في السعودية بنسبة 3.3%، وفي الامارات بنسبة 1.9%، بينما انخفضت قيمتها بنسبة 15.5% في قطر، كما انخفضت قيمتها ايضا في البحرين بنسبة 8.8%، اما في الكويت وليبيا، فعلى الرغم من نمو الواردات فيها تباعا بنسبة 7.5 و7.1%، فانه تجدر الملاحظة ان قيمة الواردات كانت قد شهدت هبوطا سنويا مستمرا من الناحية المطلقة طوال الفترة 1996 - 2000 في الكويت، وطوال الفترة 1997 - 2000 في ليبيا، وبالنسبة لعمان، فقد نمت الواردات بنسبة 7.1%، ولكنها مع ذلك مازالت دون مستواها في عام 1998، واخيرا بالنسبة للجزائر، يلاحظ ارتفاع الواردات للعام الرابع على التوالي حيث بلغ معدل نموها في عام 2001 نحو 4.8%، بعد ان كانت قد شهدت انخفاضا في قيمتها المطلقة خلال عامي 1996 و1997، ويرجح ان ذلك يعكس شعورا بزيادة الثقة في الاقتصاد مع تحسن الاوضاع الامنية بعد المرحلة الحرجة التي مرت بها البلاد، وتشير الدلائل إلى حدوث زيادة في واردات الجزائر من مواد التشييد والبناء ومن السلع الاستهلاكية. وبالنسبة للدول العربية الاخرى، يلاحظ نمو الواردات في تونس بنسبة تقارب 11% في عام 2001، مقارنة مع نسبة نمو في حدود 1-2% في العامين السابقين له، ويعزى ذلك إلى ارتفاع الطلب المحلي والحاجة لاستيراد مستلزمات انتاج لمقابلة الزيادة التي حققتها انشطة التصدير. كذلك ارتفعت الواردات في موريتانيا بنسبة 18.4%، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى ارتفاع واردات قطاع الاتصالات والمرتبطة بأجهزة الهواتف المنقولة، كما ارتفعت الواردات في اليمن بنسبة 11.5% في ضوء ظروف الجفاف والحاجة إلى رفد المخزون من السلع المستوردة، حيث يُشار إلى ان الواردات كانت قد سجلت هبوطا في قيمتها المطلقة في عامي 1998 و1999، اما في لبنان، فقد ارتفعت الواردات في عام 2001 بنسبة 11.5% وذلك على خلفية التخفيضات التي اجريت على الرسوم الجمركية على السلع المستوردة، واستقرار سعر صرف الليرة مقابل الدولار. وبالاضافة إلى ما تقدم، حدثت زيادات متفاوتة في الواردات تراوحت بين 2 و5% في كل من الاردن وسوريا والسودان، وفي المقابل، انخفضت القيمة المطلقة للواردات في مصر في عام 2001 بنسبة 9.3%، مع تباطؤ النشاط الاقتصادي، والضغوط التي تعرض لها سعر صرف الجنيه المصري الذي كان مستقرا في السابق لفترة طويلة، كذلك انخفضت الواردات في المغرب بنسبة 7% في ظل تحسن الانتاج الزراعي، والانخفاض النسبي في تكلفة المواد النفطية المستوردة. موازين الخدمات والدخل والتحويلات تظهر البيانات والتقديرات حول موازين الخدمات والدخل، ان العجز الاجمالي لمجموع الدول العربية قد انخفض بنحو 18% في عام 2001 ليصل إلى حدود 18.3 مليار دولار، ويعزى ذلك بالدرجة الاولى إلى انخفاض اهم مكوناته وهو عجز ميزان الخدمات والدخل في السعودية الذي انخفض من 19.9 إلى 14.6 مليار دولار خلال العام المذكور. ويظهر من البيانات المتاحة، حدوث انخفاض ملحوظ في السعودية في مدفوعات الخدمات يرجح ان يكون ناتجا عن انخفاض مدفوعات الخدمات الحكومية، وبجانب ذلك يلاحظ حدوث زيادة في ايرادات السفر والسياحة، كما يلاحظ ارتفاع ايرادات تدخل الاستثمار في بعض الشيء مقارنة مع عام 2000 وان كانت هذه الايرادات المحققة تقل بوضوح عن مستواه خلال الفترة 1996 - 1999، ويبدو ان ارتفاع ايرادات دخل الاستثمار في عام 2001، ناتج عن زيادة حجم الاصول الاجنبية والتي غطت على الاثر السالب لانخفاض الفوائد الدولية والعائدات من الاستثمارات في الاسواق المالية الرئيسية، وبالاضافة للسعودية، يرجح ايضا حدوث انخفاض ملموس في عجز ميزان الخدمات والدخل في الجزائر، ساهم في تناقص اعباء مدفوعات الفوائد على الدين الخارجي. وبالنسبة لبقية الدول العربية، تشير البيانات المتوفرة عن عناصر موازين الخدمات الرئيسية، إلى انخفاض ايرادات قطاع السياحة في مصر اثر احداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الاميركية، وفي المقابل، كان اثر تلك الاحداث على قطاعات السياحة في تونس والمغرب اقل حدة، حيث يلاحظ ارتفاع ايرادات السياحة لكامل عام 2001 فيهما، رغم تراجع ايرادات الربع الاخير من العام، اما في الاردن واليمن، فقد استمر في عام 2001 التراجع في ايرادات السياحة، بينما تحققت زيادة في هذا البند في البحرين. وبالنسبة لدخل الاستثمار، وفي اطار البيئة الدولية التي اتسمت بانخفاض اسعار الفائدة وضعف الاسواق المالية، انخفضت الايرادات في الكويت إلى ادنى مستوى لها خلال السنوات الاخيرة، كما انخفضت الايرادات ايضا في ليبيا ومصر والبحرين. وفي جانب المدفوعات، ارتفعت مدفوعات الشحن والتأمين في الدول التي سجلت زيادة في وارداتها السلعية، وفي المقابل، استفادت الدول المقترضة من انخفاض مستوى الفوائد الدولية في تقليل اعباء مدفوعات الفوائد المستحقة على ديونها، ويذكر ان عددا من الدول المقترضة استفادت ايضا في هذا المجال، من جهود تحسين ادارة الديون، وعمليات اعادة جدولتها وهيكلتها، واخيرا، فقد شهدت مدفوعات دخل الاستثمار والارباح المحولة للخارج انخفاضا في عدد من الدول العربية في عام 2001. ووفقا للبيانات المتاحة، وفي ضوء التطورات السابق ذكرها، يلاحظ انخفاض الفائض التقليدي في ميزان الخدمات في كل من الكويت ومصر وحدوث ارتفاع في الفائض لدى لكل من المغرب وتونس في عام 2001. من الناحية الاخرى، وبموازاة انخفاض عجز موازين الخدمات والدخل لمجموعة الدول العربية، انخفض ايضا العجز في بند صافي التحويلات للدول العربية، خلال عام 2001 وذلك بنسبة 6.5% ليصل الى حدود 8 مليارات دولار، ويمثل هذا البند الحصيلة الصافية للمدفوعات والايرادات من تحويلات العاملين والتي تعتبر العنصر الرئيسي له، اضافة الى صافي مدفوعات وايرادات التحويلات الخاصة الاخري والتحويلات والمنح الرسمية، يذكر ان العجز في التحويلات في المنطقة العربية، نابع عن زيادة اجمالي مدفوعات التحويلات في الدول المستقدمة للعمالة الاجنبية، ومعظمها من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مضافا اليها ليبيا، على صافي ايرادات التحويلات العربية الاخرى، حيث ان المجموعة الاولى تستضيف بالاضافة للعمالة العربية المهاجرة عمالة اخرى اجنبية، فضلاعن انها تقدم ايضا معونات ومنحا رسمية لدول نامية غير عربية. وعلى صعيد الدول العربية فرادى، تشير البيانات المتاحة الى انخفاض عجز صافي التحويلات في السعودية، وتزايده بدرجات متفاوتة في الكويت وليبيا والبحرين، ويلاحظ ان كلا من مدفوعات تحويلات العاملين والتحويلات الرسمية قد ارتفعت في عام 2001 في الكويت وليبيا، كما يلاحظ ان تحويلات العاملين الاجانب في البحرين شهدت زيادة كبيرة خلال الفترة 1996 ـ 2001 حيث ارتفعت بأكثر من الضعف لتصل الى قرابة 1.3 مليار دولار في عام 2001. ومن الجهة الاخرى، انخفض في عام 2001 فائض صافي التحويلات في الاردن، رغم الزيادة التي تحققت في تحويلات العاملين بالخارج وفي التحويلات الرسمية، وذلك نتيجة لانخفاض كبير حدث في الايرادات من فئة التحويلات الاخرى، كذلك انخفض فائض صافي التحويلات في مصر واليمن، نتيجة للانخفاض في كل من صافي التحويلات الخاصة وصافي التحويلات الرسمية، وفي المقابل، تظهر البيانات المتوفرة ارتفاع فائض صافي التحويلات في كل من تونس والسودان حيث تحقق فيها قدر من الارتفاع في تحويلات العاملين بالخارج وفي التحويلات الرسمية، ويلاحظ في حالة السودان، ان المدفوعات من تحويلات العاملين الاجانب فيه، والمرتبطة بشكل رئيسي بقطاع النفط، قد زاد حجمها بصورة مضطردة منذ عام 1996 حتى بلغ في عام 2001 ما يعادل نحو 62% من اجمالي الايرادات من تحويلات السودانيين العاملين بالخارج. موازين الحسابات الجارية ساعد التحسن في عجز موازين الخدمات والدخل والتحويلات لمجموع الدول العربية في عام 2001 في تخفيف اثر التراجع الذي حدث في فائض الموازين التجارية للدول العربية مقارنة بمستواه في عام 2000 وفي ضوء ذلك اسفرت موازين الحسابات الخارجية للدول العربية عن فائض يقدر بنحو 46.8 مليار دولار، ورغم ان مبلغ هذا الفائض يمثل انخفاضا قدره 26.9% بالمقارنة مع مبلغ الفائض الجاري الكبير الذي تحقق في عام 2000، الا انه يعادل مع ذلك اكثر من ستة امثال الفائض المحقق في عام 1999 واكثر من اربعة امثال متوسط الفائض السنوي لعامي 1996 و 1997 ويشير ذلك الى ان اوضاع الحسابات الخارجية الجارية لمجموع الدول العربية، قد تعززت كثيرا بعد التدهور الحاد الذي تعرضت له في عام 1998 والربع الاول من عام 1999 اثر انهيار اسعار النفط الدولية. وكنسبة من الناتج المحلي الاجمالي لعام 2001 بلغ فائض موازين الحسابات الجارية لمجموع الدول العربية نحو 7.4 % وذلك مقارنة مع 10.0% في عام 2000 و 1.3% في عام 1999 ووفقا للبيانات المتاحة تحققت اعلى نسبة لفائض ميزان الحساب الجاري للناتج المحلي في عام 2001 في الكويت، وذلك للعام الثاني على التوالي، حيث بلغت تلك النسبة 26.1% كما بلغت نسبة الفائض في الحساب الجاري للناتج المحلي والاجمالي 10.8 في ليبيا و 7.8% في السعودية، و 5.2% في اليمن، و 1.4% في البحرين. ومن الناحية الاخرى، بقيت نسبة فائض ميزان الحساب الجاري للناتج المحلي الاجمالي لعام 2001 في نفس حدودها تقريبا في الاردن كما بقيت في المقابل، نسبة عجز الحساب الجاري للناتج المحلي الاجمالي في نفس حدودها في تونس وانخفضت نسبة العجز بشكل طفيف في مصر والسودان. الاحتياطيات الخارجية الرسمية لقد ساعدت جهود الاصلاح الاقتصادي وضبط الاختلالات المالية، اضافة الى تحسن أسعار النفط منذ عام 1999، في زيادة الاحتياطيات الخارجية الرسمية التي ارتفعت في عدد من الدول العربية الى مستويات قياسية. ويطرح ذلك الأمر قضايا ربما لم تكن مثارة في السابق بنفس هذا القدر من الالحاح. ومن هذه القضايا تلك المتعلقة بأهمية ادارة الاحتياطيات بطريقة تؤمن تحقيق عوائد مناسبة منها، خاصة في مثل البنية الاقتصادية الدولية الحالية التي تتميز بانخفاض في أسعار الفوائد وضعف في الأسواق المالية الدولية. ومنها أيضا، السؤال المتصل بالمستوى المناسب من الاحتياطيات وكيف يتم تحديده. وفي هذا الخصوص، هل يعتبر الاستمرار في تنمية الاحتياطيات الخارجية سنة بعد أخرى أمرا مناسبا كهدف في ذاته، ام انه يجب بالأحرى ربط حجم الاحتياطيات المستهدف بمؤشرات معينة ذات دلالة، وما يزيد على ذلك يجب دراسة تكلفة الفرص البديلة لاستخدامه. يذكر في هذا الاطار، ان الاحتياطيات كانت كفايتها تنسب تقليديا للواردات، حيث اعتبر البعض الاحتياطيات التي تكفي لتغطية الاحتياجات من الواردات لمدة اربعة اشهر على سبيل المثال مناسبة. وحاليا، وفي ظل التوجهات المتنامية نحو تعزيز الروابط الاقتصادية الدولية، والسعي للاندماج في الاقتصاد الدولي للاستفادة من الفرص التي يتيحها في انعاش الصادرات واستقطاب الاستثمارات والموارد الخارجية والتقنيات واساليب الادارة الحديثة، برزت اهمية دعم الاستقرار وتوفير عنصر الثقة في الاقتصاد المعني، من خلال تحقيق قدر من التناسب بين حجم الاحتياطيات الخارجية المتاحة للبلد وحجم التزاماته الخارجية قصيرة الاجل. ومع ذلك، لابد من التأكيد على ان الضمانة الأساسية للاستقرار وتوفير عنصر الثقة في اي اقتصاد، ترتكز في نهاية الامر على الحرص على المواظبة على انتهاج السياسات الاقتصادية السليمة. وبدون ذلك، فان الاحتياطيات الخارجية مهما كان حجمها لن توفر سوى مهلة محدودة لالتقاط الانفاس. وبالنسبة للتطور في وضع الاحتياطيات الخارجية الرسمية للدول العربية في عام 2001، يلاحظ ان حجم هذه الاحتياطيات قد نما، في ظل تحسن الموازين الخارجية الجارية والكلية المشار اليه فيما تقدم، بنسبة 14.4% ليصل الى ما يزيد قليلا على 117 مليار دولار. الدين العام الخارجي بلغ اجمالي الدين العام الخارجي في ذمة الدول العربية المقترضة، كما في نهاية عام 2001 نحو 142.2 مليار دولار. وقد شهد وضع المديونية تحسنا بسيطا خلال عام 2001، حيث انخفض حجم هذا الدين بالنسبة للمجموعة بنحو 1.1% أي ما يعادل نحو 1.7 مليار دولار. وعلى الرغم من ان هذا الانخفاض يعتبر بسيطا نسبيا الا انه يمثل استمرارا للانخفاض التدريجي في اجمالي دين الدول العربية المقترضة وللسنة الثالثة على التوالي. ومن جانب آخر، فان هذا الانخفاض لم يحدث في جميع الدول العربية، واذ انه بينما تحسن الوضع في نصفها بانخفاض اجمالي دينها 4.2%، فقد ساء في نصفها الآخر بارتفاعه بنحو 5.4%. فبالنسبة للدول التي شهدت تحسنا فان من الملاحظ ان ذلك يرجع اساسا الى التحسن الذي حدث في الجزائر والمغرب حيث انخفض الدين بنسبة بلغت نحو 1.2% في المتوسط. اما في الدول السبع الاخرى، فقد ارتفع اجمالي الدين بصورة ملحوظة في لبنان حيث سجل نسبة قاربت 18% ثم في جيبوتي بنسبة 6% ثم في تونس وعمان بنسبة 5% ثم سوريا ومصر بنسبة 4% واخيرا موريتانيا بنسبة 2%. وقد انعكس الانخفاض في حجم الدين العام الخارجي القائم في ذمة الدول العربية المقترضة بصورة ايجابية على مؤشرات قياس عبء المديونية الاخرى، مع ملاحظة انه تزامن مع انخفاض بسيط في الناتج المحلي الاجمالي وارتفاع بسيط في الصادرات من السلع والخدمات في هذه المجموعة من الدول بنحو 0.7% و1.8% على التوالي. فقد انخفضت نسبة الدين العام الخارجي الى الناتج المحلي الاجمالي والى الصادرات بدرجات بسيطة بلغت نحو 0.4% و2.8% على التوالي مسجلة بذلك نسبة 49.4% و150.6% على التوالي خلال عام 2001. وتتضح ضآلة هذه التغيرات عند مقارنتها بمستوياتها خلال عام 2000 وخلال الفترة منذ منتصف عقد التسعينيات. فقد انخفضت نسبة اجمالي الدين العام الخارجي الى الناتج المحلي الاجمالي بنحو 12% خلال عام 2000 وبنحو 7.4% في المتوسط خلال الاعوام الخمس الماضية. كما انخفضت نسبة اجمالي الدين العام الخارجي الى الصادرات من السلع والخدمات بنحو 22.5% خلال عام 2000 وبنحو 7.1% في المتوسط خلال الأعوام الخمس الماضية. أما بالنسبة لاجمالي خدمة الدين، فقد انخفض بنسبة 1.4% خلال عام 2001 ليبلغ نحو 13.7 مليار دولار بالنسبة للمجموعة. ويعد هذا الانخفاض الأول منذ عام 1997 وقد جاء في أعقاب ارتفاع قدره 8.2% في عام 2000. كما انخفضت ايضا نسبة خدمة الدين الى الصادرات من السلع والخدمات بنحو 3.2% لتبلغ نحو 14.5% خلال عام 2001، والجدير بالملاحظة، انه على الرغم من ان التحسن النسبي في مؤشرات قياس عبء المديونية حدث في ظل تغيرات بسيطة في الناتج المحلي الاجمالي والصادرات من السلع والخدمات بالنسبة لمجموعة الدول العربية المقترضة، الا انه لا يعكس التغيرات التي حدثت بالنسبة للدول العربية فرادى أو في مجموعات صغيرة. وبصورة عامة، فانه ومن أجل تسهيل المقارنة بين أوضاع الدول العربية المقترضة، فقد تم تقسيمها الى ثلاث مجموعات وفق مؤشر نسبة الدين القائم الى الناتج المحلي الاجمالي لقياس عبء المديونية الخارجية، على اعتبار ان هذه النسبة تشير الى قدرة الاقتصاد على تحمل أعباء الدين وامكانية استمراريته على القيام بذلك. وتضم المجموعة الأولى الدول التي يعتبر عبء المديونية فيها معتدلا نسبيا وتشمل عمان ومصر والجزائر والمغرب ولبنان، حيث تقل نسبة الدين القائم الى الناتج المحلي الاجمالي في هذه الدول عن 50%، كما يعتبر أداء هذه الدول فوق المتوسط بالنسبة للدول العربية المقترضة وفقا لمؤشرات عبء المديونية الأخرى. وتضم المجموعة الثانية الدول التي تعتبر عبء المديونية فيها مرتفعا، وتشمل اليمن وتونس وجيبوتي والاردن، حيث تقل نسبة الدين القائم الى الناتج المحلي الاجمالي في هذه الدول عن 100%، كما يعتبر أداء هذه الدول مقاربا للمتوسط بالنسبة للدول العربية وفقا لمؤشرات عبء المديونية الأخرى. ويلاحظ ان أداء هذه المؤشرات في بعض دول هذه المجموعة يعتبر جيدا بالمقارنة مع المجموعة ككل. وتضم المجموعة الثالثة الدول التي يعتبر عبء المديونية فيها عاليا نسبيا ومتفاقما، وتشمل سوريا والسودان وموريتانيا والصومال، حيث تزيد نسبة الدين القائم الى الناتج المحلي الاجمالي في هذه الدول على 100%، كما يعتبر أداء هذه الدول أقل من المتوسط بالنسبة للدول العربية وفقا لمؤشرات عبء المديونية الأخرى. موقف المديونية شهد وضع المديونية الخارجية في الدول العربية تحسنا طفيفا خلال عام 2001، كما تمت الاشارة اليه سابقا، حيث سجل اجمالي الدين العام الخارجي القائم انخفاضا بنحو 1.7 مليار دولار عن مستواه في عام 2000، كما ان ذلك حدث في أعقاب انخفاض كبير نسبيا بلغ 7.5 مليارات دولار خلال ذلك العام. ويلاحظ ان أداء المجموعات الثلاث من الدول العربية المقترضة كان متباينا خلال عام 2001 على خلاف التغيرات المتشابهة التي شهدتها في غالبية المؤشرات خلال عام 2000. ففي جانب اجمالي الدين الخارجي القائم في ذمة مجموعات الدول العربية، شهدت المجموعة الأولى انخفاضا بنحو 3.2% في الوقت الذي شهدت فيه المجموعتان الثانية والثالثة ارتفاعا بنحو 2.1% و1.2% على التوالي. وبالمقارنة مع أداء هذه المجموعات من الدول في السنوات الست الماضية، يلاحظ ان أداء المجموعة الأولى يعتبر استمرارا لنمط الانخفاض الذي شهدته هذه المجموعة بصورة عامة خلال هذه الفترة. الا ان دول هذه المجموعة قد كانت متباينة في أدائها، حيث انخفض اجمالي الدين في كل من الجزائر والمغرب وارتفع في كل من عمان ومصر ولبنان. اما المجموعة الثانية، فان أداءها يمثل استمرارا للأداء المتذبذب الذي سجلته خلال هذه الفترة. وقد شهدت كل دول هذه المجموعة ارتفاعا في اجمالي دينها الخارجي باستثناء الاردن والذي شهد انخفاضا كبيرا نسبيا. اما بالنسبة للمجموعة الثالثة، فقد أتى أداؤها خلال عام 2001 مخالفا لنمط الانخفاض العام الذي شهدته خلال الفترة المذكورة. وقد شهدت دول هذه المجموعة ارتفاعا في دينها باستثناء السودان الذي شهد انخفاضا كبيرا نسبيا. ووفق مؤشر نسبة خدمة الدين الخارجي الى الصادرات من السلع والخدمات، فقد شهدت المجموعتان الاولى والثانية تحسنا حيث انخضت هذه النسبة فيهما بنحو 3.8% و5.3% على التوالي في الوقت الذي ارتفعت فيه هذه النسبة بنحو 1.5% في المجموعة الثالثة. وكما سبقت الاشارة، فقد كان مستوى انخفاض كل المجموعات ضئيلا مقارنة بما تم تحقيقه في العام السابق أو خلال فترة الست سنوات السابقة.