يوجد في متناول كل حكومة العديد من السياسات والاستراتيجيات التي يمكن أن تساهم في إدارة عجلة التنمية الاقتصادية التي تعتبر الهدف الأساسي والرئيسي لأية حكومة مهما كان توجهها الأيديولوجي أو معتقدها الديني أو مذهبها السياسي والاقتصادي. وهذه الاستراتيجيات والسياسات عبارة عن ناتج التجارب المختلفة التي خاضتها الأمم على مر التاريخ البشري والتي كتب لها النجاح في بعض الأحيان ولم يكتب لها نفس النجاح في أحيان أخرى ، وتنقسم هذه الاستراتيجيات إلى ثلاثة أقسام: أولا: السياسات التجارية: وهي الإجراءات التي تتخذها الدولة فيما يتعلق بعلاقاتها التجارية مع بقية دول العالم والتي من خلالها تتوخى الدولة تحقيق أكبر عائد على اقتصادها الوطني من خلال دعم الصادرات المحلية من سلع صناعية أو زراعية أو مواد أولية وفي نفس الوقت تقليل الواردات من بقية الدول، وتظهر المحصلة النهائية من نجاح أو فشل هذه السياسات في صورة فائض أو عجز في الميزان التجاري أو ميزان المدفوعات لهذه الدولة مع بقية دول العالم والذي لا يعتبر دائماً مقياساً دقيقاً لمدى نجاح أو فشل السياسات التجارية لهذه الدولة أو تلك إذ لا يعتبر العجز في الميزان التجاري أو ميزان المدفوعات مدلولا سيئا دائماً خاصة إذا كانت الدولة من الدول المستقطبة للاستثمارات الأجنبية والمعتمدة على سياسات تجارية منفتحة نسبياً . وقد قلت في الآونة الأخيرة وبعد إنشاء منظمة التجارة العالمية أهمية ودور هذه السياسات كأداة من أدوات التنمية التي يمكن للدول وخاصة النامية منها استخدامها لتحقيق أهداف تنموية إذ سلبت المنظمة الدولية من الدول الأعضاء الكثير من السلطات فيما يتعلق بتحديد ما يمكن لها أن تتخذه من إجراءات لتقييد أو منع وارداتها من سلع وخدمات أو فرض أي قيود على الاستثمارات الأجنبية أو غير ذلك من الإجراءات التي كانت تعتبر إلى وقت قريب مظهرا من مظاهر السيادة الوطنية التي لا يمكن لأية دولة أجنبية أو منظمة دولية المساس بها دون تعرضها للمساءلة الدولية حيث كان يعتبر ذلك خرقاً لمبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي وهو مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول. ثانياً: السياسات النقدية وهي الإجراءات التي تتخذها الدول من خلال المصارف المركزية من أجل تحقيق أعلى درجات الاستقرار الداخلي والخارجي لعملتها الوطنية، وتتنوع هذه السياسات حسب حاجات ووضع الدول الاقتصادي إذ تتبع بعض الدول وخاصة المتقدمة منها سياسات نقدية ليبرالية إذا صح التعبير وهي سياسات عدم التدخل في تحديد أسعار صرف عملتها الوطنية إلا في الظروف الاستثنائية وتترك لقوى السوق تحديد سعر صرف عملتها مقابل عملات شركائها التجاريين الرئيسيين وحتى في الحالات الاستثنائية التي يتوجب فيها تدخل الدولة لتحديد سعر صرف عملتها عن طريق شراء الفائض منها في حالة التدهور السريع لعملاتها أو شراء الفائض من العملة الأجنبية أو طرح المزيد من عملتها في حالة الارتفاع المفاجئ في سعر الصرف فإن ذلك يتم في أضيق الحدود وبالتنسيق مع باقي شركائها التجاريين ويتجلى ذلك من الناحية العملية في التنسيق المستمر بين الولايات المتحدة الأميركية وشريكها التجاري الرئيسي اليابان في تحديد النطاق السعري المقبول للطرفين لعملة كل منهما مقابل الأخرى . في حين تتبع دول أخرى سياسات نقدية محافظة وذلك لتحقيق سعر صرف مستقر نسبياً لعملاتها الوطنية وذلك عن طريق ربط عملاتها بعملة أو سلة عملات حرة أو عن طريق فرض سعر صرف بقوة القانون وهذه الأخيرة تعتبر اقل السياسات النقدية نجاحاً وشيوعاً حيث لا تتبعها الا الدول النامية التي لا تستطيع تعويم عملتها نتيجة للعجز المزمن في موازينها التجارية وموازين مدفوعاتها مع بقية الدول والتي لا تستطيع في الوقت نفسه تحمل تكاليف ربط عملتها الوطنية مع العملات الحرة الرئيسية، وقد أثبتت التجربة العملية أن هذا النوع من السياسات النقدية غالبا ما يأتي بنتائج عكسية على الاستقرار النقدي والاقتصاد الوطني عموماً إذ عادة ما تفشل الحكومة في فرض سعر الصرف القانوني أو الرسمي نتيجة لظهور سوق سوداء يسود فيها سعر صرف آخر غير رسمي يفرق بدرجة كبيرة عن السعر الرسمي المفروض من قبل الدولة مما يؤثر سلباً على الأوضاع الاقتصادية للدولة الأمر الذي أدى في النهاية إلى هجر الكثير من الدول النامية لهذا النوع من السياسات وإتباع سياسات نقدية أكثر انفتاحاً وواقعية ومنها على سبيل المثال إلغاء العملة الوطنية تماماً واستبدالها بعملة أجنبية تتمتع باستقرار نسبي على المستوى الدولي كما حدث في الإكوادور مؤخراً التي ألغت عملتها الوطنية التي عجزت الإجراءات الحكومية المختلفة عن تحقيق استقرار سعري معقول لها واستبدلتها بالدولار الأمريكي الذي يتمتع بأعلى درجة استقرار بين العملات الحرة بفضل السياسات النقدية والمالية الأمريكية التي يمكن وصفها بأنها سياسات ناجحة نسبياً حتى الآن على الأقل. ثالثاً السياسات المالية: وهي الإجراءات الداخلية التي تهدف الدولة من خلال ما تفرضه من ضرائب وما تنفقه من أموال (الإنفاق الحكومي) إلى إعادة توزيع الثروة (الناتج القومي) أو توجيه الاقتصاد الوطني للوصول به إلى مرحلة التشغيل الكامل وعلاج المشكلات التي قد يعاني منها مثل مشكلة البطالة وتدني كفاءة وإنتاجية القطاع الخاص ونقص الاستثمارات المحلية منها والأجنبية وضعف الاستهلاك المحلي الذي قد يتحول إذا ما تفاقمت حدته إلى ركود أو كساد اقتصادي. وتلعب الضرائب بنوعيها المباشرة وغير المباشرة دوراً رئيسياً في علاج هذا النوع من المشكلات الاقتصادية لما تحققه من إيرادات عامة وذلك من خلال فرضها بطريقة تساعد على تقليل حدة هذه المشكلات تمهيداً لوضع الحلول المتاحة لعلاجها على المدى المتوسط والطويل. لذلك تحرص الدول على توخي أقصى درجات الحذر في فرضها وذلك من خلال إعطاء الحق في فرضها لسلطة مركزية موحدة على المستوى القومي عادة ما تكون السلطة التشريعية التي غالباً ما تكون سلطة منتخبة سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من قبل الشعب، وفي الدول المركبة أي التي تتكون من عدة وحدات سياسية مرتبطة باتحاد فدرالي فإن سلطة فرض الضرائب غالباً ما تكون بيد السلطة التشريعية الاتحادية ولكن وفي كثير من الأحيان ما تحتفظ السلطات المحلية بحق فرض بعض الضرائب سواء المباشرة أو غير المباشرة على مستوى المحلي وذلك إما لمساعدتها على تحمل تكاليف النفقات العامة المحلية أو لقدرتها بصورة تفضل قدرة السلطة الاتحادية على تحديد مشكلاتها ومن ثم علاج اقتصادها المحلي الذي يعتبر في المحصلة جزءا من الاقتصاد القومي عامة وفي هذه الحالة يتم التنسيق بين السلطتين المحلية والاتحادية وذلك لتجنب أي ازدواج ضريبي غير مقصود من خلال فرض ضريبتين محلية وأخرى اتحادية على نفس الوعاء الضريبي مما يؤدي إلى رفع تكلفة الإنتاج على الصناعات الوطنية الأمر الذي قد يؤثر سلباً على أسعار وتنافسية السلع الوطنية سواء في السوق المحلية أو على المستوى الدولي. وفي بعض الحالات يكون هناك ازدواج ضريبي مقصود أي يتم فرض ضريبتين محلية واتحادية على نفس الوعاء الضريبي بصورة متعمدة ومقصودة وذلك إما لتوزيع إيرادات الضريبة بين السلطتين المحلية والاتحادية أو لرفع تكلفة وثمن السلع ومن ثم الحد من نسبة استهلاكها مثال ذلك ضرائب الاستهلاك المفروضة على التبغ وكذلك وما يسمى بضريبة الكربون المفروضة على استهلاك الوقود في معظم الدول الأوروبية، لذلك تنص دساتير معظم الدول على ألا تفرض أي ضريبة أو رسم ألا بقانون مستحدث أو استنادًا إلى قانون قائم صادر من السلطة التشريعية العليا فيها وذلك إقراراً منها بأهمية وخطورة هذا النوع من السياسات المالية على خطط التنمية الاقتصادية فيها ووضعها الاقتصادي ككل. وبالنظر إلى الوضع في الإمارات فانه من الملاحظ أن السياسات المالية فيها يشوبها الكثير من اللبس نتيجة لعدم وجود سلطة مركزية وخاصة على المستوى المحلي لها الحق دون غيرها وبصفة مطلقة في فرض ما تراه من رسوم أو ضرائب لتحقيق أعلى معدلات نمو اقتصادي ممكنة وذلك بعد الدراسة المتأنية لكل الآثار المباشرة والجانبية المحتملة للضرائب التي يتم فرضها سواء على المستوى المحلي أو المستوى الاتحادي مما أدى إلى وجود ازدواج ضريبي وتضارب في السياسات المالية بين مختلف الإمارات بل وفي بعض الأحيان بين دائرة محلية وأخرى في نفس الإمارة، فعلى سبيل المثال في إمارة دبي التي من المفترض أن تكون مثالاً يحتذى ليس على المستوى المحلي بل على المستوى الإقليمي لما لها من مكانه مرموقة بفضل ما تتبعه من سياسات تجارية منفتحة ومالية متزنة ومدروسة بشكل جيد نجد في أحيان كثيرة تعارضا وتضاربا في السياسات المتبعة من قبل بعض الدوائر المحلية فيها بسبب ما يتم فرضه من ضرائب متنوعة تحمل في بعض الحالات مسمى (رسوم) رغم الفارق القانوني الواضح بينهما وبقرار إداري وبصورة فردية وبطريقة تشوبها العشوائية وعدم الدراسة من قبل الدوائر الحكومية المحلية المختلفة ودون التنسيق فيما بينها مما يسبب بالرغم مما تحققه من إيرادات عامة كبيرة من ازدواج ضريبي وعبء إضافي على الشركات المحلية يؤثر سلباً في النهاية على قدرتها التنافسية وعلى الثمن النهائي للسلعة المنتجة أو الخدمة المقدمة من قبل هذه الشركات. لذلك وتأسيساً على مل سبق من طرح أعتقد أن على الدوائر الحكومية في إمارة دبي وغيرها من الإمارات اعادت النظر في السياسات الضريبية المتبعة حالياً وعدم قصر التركيز على ما تحققه هذه السياسات من عائدات آنية للحكومة بل التركيز أيضا على ما يمكن أن يدفع عجلة التنمية وبصورة قابلة للاستمرار وعلى ما يمكن أن يعزز مكانة إمارة دبي ودولة الإمارات عموماً كمركز مالي وخدمي يتمتع بدرجة عالية من الكفاءة والتنافسية على المستوى الإقليمي بل والدولي، وذلك لن يتم ألا بقصر سلطة رسم وفرض السياسات المالية المختلفة من ضرائب ورسوم وأنفاق حكومي على جهة مركزية واحدة.