تزامن بروز الدور الحديث للدولة بدول مجلس التعاون الخليجي مع ارتفاع مفاجيء وكبير في العوائد النفطية في منتصف السبعينيات مكن هذه الدول من الدخول كمستثمر، له ثقل في تمويل الصناعات الوطنية الى جانب القطاع الخاص ولم يحاول القطاع الحكومي الدخول في الاستثمار الصناعي من باب المنافسة للقطاع الخاص، بل فضل الأخذ على عاتقه اقامة بعض الصناعات النفطية ومشتقاتها كتكرير النفط وصناعة مشتقات الغاز، تاركا المجال للقطاع الخاص لتطوير استثماراته في الصناعات الصغيرة والمتوسطة والمرتبطة به تاريخيا، حيث توفرت للقطاع الخاص امكانات وقدرات تمويلية كبيرة بعد تضاعف العوائد النفطية. وقد شهدت دول المجلس منذ بداية عقد السبعينات تطورا ملموسا في الصناعة التحويلية النفطية وغير النفطية، نتيجة للاهتمام من جانب هذه الدول بتحريك عجلة اقتصاداتها الوطنية، حيث لعبت الحكومات دور المخطط والمنفذ للمشروعات الصناعية الاساسية، وشجعت القطاع الخاص للاستثمار في المشروعات الصناعية وقدمت له الدعم والتسهيلات المتنوعة، وكان اهم هذه الحوافز الدعم المالي المتمثل في القروض الميسرة التي توفرها بنوك التنمية ومصادر التمويل الصناعي الاخرى. ومنذ وقت مبكر بدأت بنوك التنمية الصناعية دورها التنموي في دول المجلس ، عندما انشأت بنك الكويت الصناعي الذي يعتبر اقدم بنوك التنمية الصناعية في المنطقة، ثم صندوق التنمية الصناعية السعودي العام 1974، ومصرف الامارات الصناعي العام 1983، وبنك تنمية عمان العام 1976، ثم بنك البحرين للتنمية العام 1991. ان ظروف الاستثمار في القطاع الصناعي تختلف عنها في بقية القطاعات الاقتصادية، ويعتبر طول الفترة من اهم ما يميز الاستثمار الصناعي عن بقية القطاعات، حيث تتطلب فترة الانشاء وقتا طويلا مقارنة ببقية القطاعات، وكذلك الحال بالنسبة لفترة الاسترداد، وفي ظل اختلاف الظروف الاستثمارية في القطاعات المختلفة نجد ان البنوك التجارية تقدم الائتمان على اسس تجارية بحتة، بناء على اسعار الفائدة السائدة في السوق ولفترة قصيرة ومن غير فترة سماح في اغلب الاحيان، لذلك سدت بنوك التنمية الصناعية الفجوة الناتجة عن عدم ملاءمة الائتمان المصرفي لطبيعة الاستثمار الصناعي، وعلى الرغم من الشروط التي تطلبها بنوك التنمية الصناعية، الا انها احسن حالا بكثير من شروط البنوك التجارية، حيث تتميز بانخفاض اسعار الفائدة وقصر فترة السداد ومنح فترة سماح تتراوح ما بين سنة و3 سنوات، ويمنح مصرف الامارات الصناعي مقترضيه فترة سماح تمتد ما بين سنة و3 سنوات، وهي اطول فترة يمنحها من بين المصارف الخليجية. ويمثل الاستثمار الحكومي المباشر سواء من خلال الحكومات أو المؤسسات الرسميه وشبه الرسميه احد الاشكال المهمة للتمويل الحكومي، حيث ادى هذا التوجه الى ايجاد وتطور بعض الصناعات الكبيرة المهمة، وعلى الرغم من محدودية المشروعات الممولة مباشرة من القطاع الحكومي، الا انها تشكل الجزء الاعظم من حجم الاستثمارات في قطاع الصناعات التحويلية، كما انها تنتج 80% تقريبا من اجمالي القيمة المضافة للصناعات المحلية. كما ان القطاع الحكومي يسهم في تنفيذ كثير من المشروعات الصناعية المهمة من خلال المؤسسات المستقلة التي يملكها بالاسهام مع القطاع الخاص، حيث شمل ذلك مؤسسات صناعية كبيرة ومتوسطة ذات اهمية للاقتصاد الوطني كصناعة الاسمنت ومواد البناء والتشييد وبعض الصناعات الغذائية والكيماوية. ان التمويل يعد الحلقة الاكثر اهمية في انشاء أي مشروع، وتزداد تلك الاهمية في المشروعات الصناعية على وجه الخصوص، ولا تستطيع صناديق وبنوك التنمية الصناعية بمفردها في ظل تراجع مواردها وامكاناتها ان يقوم بدورها في عملية التمويل، على الرغم من انها تقوم بذلك في حدود قدراتها، والمطلوب هو قيام انشاء مؤسسات تمويلية صناعية جديدة تعمل جنبا الى جنب مع تلك الصناديق والبنوك، حتى لا يلجأ الراغبون في الاستثمار الى الاقتراض من البنوك التجارية، وبالتالي تحمل اعباء مالية ضخمة قد تؤثر سلبا على مسيرة مشروعاتهم. ومن الصعاب والمعوقات التي تعترض طريق الصناعات الوطنية في ما يتعلق بجانب التمويل، الاعباء المالية الباهظة والناجمة اساسا عن ارتفاع كلفة الاقتراض من المصارف التجارية، وهذه المعوقات سوف تزداد حدتها خاصة بعد انضمام دول المجلس لمنظمة التجارة العالمية. ففي بعض دول المجلس تقوم مؤسسات صناديق وبنوك التنمية الصناعية بتقديم القروض والتسهيلات المالية باسعار تشجيعيه، وبمقتضى الانضمام للمنظمة فإنه يتعين اعادة النظر في هذا الدعم، الامر الذي سيضطر المستثمرين الصناعيين الى الاقتراض بسعر السوق، مما يعني زيادة كلفة الانتاج، ومن ثم اضعاف القدرة التنافسية للمنتج الوطني، ومن شأن ذلك ان يزيد من الاعباء المالية على الصناعات الوطنية وان يحد من فرص نجاحها. لذلك فان الجهات المختصة مطالبه بتقديم ضمانات حكومية لحث المصارف التجارية على زيادة القروض التي تمنحها للصناعات الوطنية، والتخفيف من اجراءات الرهن والضمانات التي تطلبها لإقراض المشروعات الصناعية، واستحداث اجراءات تشريعية لتشجيع البنوك التجارية على الاستثمار المباشر في المشروعات الصناعية، اضافة الى احداث تغيرات هيكلية بهدف دمج البنوك التجارية لتعزيز رؤوس الاموال والكفاءات التشغيلية، ما يعزز بدوره من قدرات هذه البنوك التمويلية