إذا كان مجتمع الامارات بالأمس يتصف بالتعاضد والتراحم والتآلف والتكافل فان مجتمع اليوم يتصف بالتفكك والتشرذم والأنانية والوصولية، واذا كان مجتمع الأمس يتسم بالانتاجية والعطاء فإن مجتمع اليوم يتسم بالاستهلاك والنزعة إلى الاسراف!! واذا كان مجتمع الأمس يعتبر مجتمعا دائنا فانه أصبح في يومنا هذا مجتمعا مدينا وشريحة كبرى من المجتمع تعيش تحت ضغوط نفسية شديدة بسبب القروض الشخصية. واذا كانت التركيبة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في مجتمع الامارات بالأمس تتصف بالقوة المادية والمعنوية على السواء فإن التركيبة اليوم تتسم بالضعف المعنوي والمادي على السواء.وبالتالي وفي ضوء هذه الوضعية فإن من الطبيعي ان يشهد مجتمع الامارات الكثير من الظواهر الاجتماعية والاقتصادية السلبية والتي أدت إلى تراجع المجتمع في مختلف مساراته ومستوياته.. ومن تلك الظواهر التي تشكل قلقا حقيقيا للفرد وصداعا مزمنا للاسرة والمجتمع تأتي مشكلة القروض الشخصية التي أضحت داءا اجتماعيا وآفة اقتصادية لم تصب الفرد والأسرة فحسب وانما أصابت المجتمع الاقتصادي والتجاري في الدولة خلال العقود الثلاثة الماضية. لقد أضحت القروض الشخصية ظاهرة خطيرة تهدد الفرد والأسرة والمجتمع، ومن الطبيعي أن تكون حديث المجالس الأسرية وكذلك المجالس الاستشارية في الامارات، ومن الطبيعي أن تكون حديث الصحافة ووسائل الاعلام المختلفة، خاصة بعد أن أصبحت مشكلة أمنية تعاني منها أجهزة الرقابة الأمنية، ثم المحاكم وأروقة القضاء، ثم المجتمع التجاري والاقتصادي تؤكدها احصاءات وزارة الداخلية من حيث عدد المساجين الذين تغص بهم السجون وعدد الشيكات المرتجعة التي تهز المجتمع المصرفي والتجاري والاقتصادي في الامارات.. وعدد القضايا التي يتعرض لها الجهاز القضائي. هذه الظاهرة أصبحت تستفحل في مجتمع الامارات ولم تجد محاولات حكام الامارات الذين يفرجون كل عام وفي مناسبات وطنية ودينية عن أعداد المدينين من المسجونين في سجون الامارات من منطلق المحافظة على الفرد والأسرة والمجتمع بعد أن أصبحت شريحة من الناس مدمنين للقروض. ونظرا لمرارة القروض الشخصية وتأثيراتها على الفرد والأسرة والمجتمع فان الرسول صلى الله عليه وسلم قد حذر منها في العديد من المرات، فقد رفض الصلاة على ميت مدين إلا بعد سداد دينه من قبل ذويه، وكان صلى الله عليه وسلم وفي كل صلاة يرفع يده إلى السماء داعيا ومتعوذا من غلبة الدين وقهر الرجال، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف حينما قال «يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين». ومن هنا فان الاستقرار الاجتماعي للفرد والاسرة في أي مجتمع يرتبط بمدى قدرة الفرد والاسرة على توفير احتياجاتها ومتطلباتها الاساسية من السلع والخدمات، ومن هنا فان دساتير الدول ولا سيما المتقدمة منها تنص صراحة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ثم السياسية للفرد وذلك من منطلق هذه الاحتياجات في تحقيق الاستقرار والحيلولة دون حدوث اضطرابات امنية واجتماعية تهز كيان الفرد والاسرة وبالتالي المجتمع وذلك كما حدث ويحدث في العديد من دول العالم الثالث التي عجزت عن توفير احتياجات ومتطلبات الفرد والاسرة فيها. اما في الامارات فقد نص دستورها على الحقوق الدستورية سواء الاجتماعية منها او الاقتصادية والسياسية، ومما نص عليه الدستور الموقع عليه من قبل اعضاء المجلس الاعلى للاتحاد في الثاني من ديسمبر من عام 1971 في شأن الحقوق جاء في ديباجة الدستور على ان اركان وقواعد الحكم في الدولة يقوم على «اعداد شعب الاتحاد للحياة الدستورية الحرة الكريمة، مع السير به قدما نحو حكم ديمقراطي نيابي متكامل في مجتمع عربي اسلامي متحرر من الخوف والقلق والعوز». وترجمة لما جاء في هذه الديباجة جاءت التوجيهات السامية لرئيس الدولة في مرات عديدة لتؤكد على ان الانسان هو الثروة الحقيقية للوطن ومن اجل ذلك لابد وان تسخر كل الامكانيات والثروات من اجل تحقيق الرفاهية الاجتماعية والمستوى المعيشي للمواطنين، كما جاءت توجيهات سموه على ضرورة الاهتمام بالعنصر البشري المواطن باعتباره محور التنمية وأساسها وهدفها مؤكدا سموه على ان الانسان الاماراتي هو اغلى ثروة يملكها المجتمع. ولكن على الرغم من احاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وما جاء في دستور الدولة، وعلى الرغم من توجيهات وتعليمات رئيس الدولة الا ان مجتمع الامارات قد ابتلي بالقروض الشخصية حينما اصبح الفرد مدمنا عليها واصبحت هذه الظاهرة حقيقة بعد ان استشرت في مجتمع الامارات لتسجل ارقام المسجونين، وبيانات المدينين واحصاءات القروض كبيرة وخطيرة ومهددة لكيان الاسرة والمجتمع حتى وصفها رئيس الدولة بأنها (آفة) يكتوي بنارها الفرد والاسرة والمجتمع وتحصد مكتسبات المجتمع وثروات الوطن البشرية والمادية، واصبحت كما وصفها القائل «هم بالليل وذل بالنهار»!! فيما قال صاحب السمو رئيس الدولة في هذا الشأن «لقد لاحظنا كثرة أعداد الذين يلتمسون العون والمساعدة لتسديد ما عليهم من ديون تجاه البنوك مما يدل على ان مشكلة تفاقم الديون قد أصبحت آفة منتشرة بين المواطنين والوافدين في الدولة». واذا كان صاحب السمو رئيس الدولة ومن منطلق حرصه على الفرد والاسرة والمجتمع الاماراتي قد أمر بالافراج عن 6000 سجين في احدى السنوات الأخيرة وكذلك فعل هذا عدد من حكام الامارات فان ذلك لم يحد من ظاهرة ادمان الفرد والمجتمع ولا سيما شريحة الشباب منهم للقروض الشخصية ذلك ان الداخلين للسجون والمطلوبين في قضايا القروض في تزايد مستمر فيما المصارف التجارية العاملة في الامارات وكذلك شركات التمويل تعتمد في نشاطها وتحقيق اهدافها باقتناص الراغبين في المزيد من القروض واللاهثين وراء التميز الاجتماعي الظاهري، وفيما تتزايد أعداد المهددين بالسجن فان الاسرة تخسر اعضاءها، والمجتمع يعاني من اهتزاز كيانه الاجتماعي والاقتصادي. اننا حينما نتناول قضية القروض الشخصية المقدمة من قبل المصارف التجارية العاملة في الامارات لافراد المجتمع فاننا نؤكد ان جميع الافراد وفي مختلف دول العالم يلجأون الى المصارف للاقتراض حينما تضطرهم الظروف الحياتية أو التجارية أو الاستثمارية، ولكننا هنا نتناول هذه القضية حينما تصبح القروض الشخصية تشكل معضلة اجتماعية واقتصادية وتهدد حياة الفرد وكيان المجتمع لنحدد اسبابها ومظاهرها وتداعياتها وانعكاساتها على الفرد والمجتمع، وهي تلك القروض التي تشجع النزعة الاستهلاكية في المجتمع وتؤدي بسبب المغالاة فيها الى حرمان الفرد من حريته، وبموجب الشيكات التي يصدرها للبنك او للغير تحوله من شخص مستقيم وايجابي الى مجرم في نظر القانون ومنبوذ في نظر المجتمع. المجتمع الاستهلاكي والقروض الشخصية يتسم مجتمع الامارات بأنه مجتمع استهلاكي ويميل الى النزعة الاستهلاكية بشكل حاد وكبير رغم الظروف والمتغيرات التي تعرض لها المجتمع المحلي والتي تفرض الحد من الاستهلاك. 1 ـ تشير التقارير الدولية الصادرة من منظمات اقتصادية دولية الى ان دخل الفرد في الامارات يعتبر من اعلى الدخول في العالم وذلك عند قسمة حجم الدخل القومي على عدد السكان، فقد جاء في كتاب «حالة العالم» وهو كتاب سنوي ويعد من أهم التقارير الدولية ويصدر من فرنسا جاء فيه الى ما يشير الى ان دخل الفرد في الامارات قد بلغ في عام 1998 نحو 17.400 دولار أميركي أي ما يعادل 63.8 ألف درهم فيما اريفع هذا الدخل عام 1999 حسبما جاء في تقرير مصرف الامارات المركزي ليصل الى 64.8 الف درهم، بينما سجل معدل الدخل الفردي في نهاية عام 2000 الى نحو 66.00 ألف درهم وذلك حسب تقرير مصرف الامارات المركزي لينخفض الى 62.2 الف درهم ونسبة انخفاض قدرها 5.8%، بسبب ارتفاع نسبة الناتج المحلي في عام 2000 بنسبة 1.3 فيما كانت زيادة السكان بنسبة 7.4%. ـ ان ارتفاع معدل الدخل بنسبة معينة يقابله ارتفاع في معدلات الاستهلاك بنفس النسبة وربما بنسبة أكبر حيث يتسم الانفاق الاستهلاكي من قبل الفرد في المجتمع بأنه استهلاك بقصد الرفاهية، أي غير منتج حينما يقوم الفرد بإنفاق دخله على سلع استهلاكية وكمالية من منطلق المحاكاة والتقليد مثل «شراء مواد غذائية، وملابس فاخرة، سيارات فارهة، ساعات واكسسوارات ثمينة، دفع مهور وتكاليف زواج إمكانيات مبالغ فيها، سفر وسياحة تفوق امكانية الفرد، هذا بالاضافة للنفقات الضرورية كشراء منزل لأسرته أو صيانته أو توسعته عند الضرورة، شراء وتجديد أثاث منزله عند اللزوم»، وقد سجل الانفاق الاستهلاكي مؤشراً تصاعدياً اذ بلغ الاستهلاك الخاص لعام 1999 نحو 95.2 مليار درهم، ثم ارتفع ليصل في نهاية عام 2000 الى نحو 112.7 مليار درهم، ارتفع ليصل 116.5 مليار درهم في نهاية عام 2001 وبنسبة ارتفاع 3.4% ومن خلال التطورات في الدخل والانفاق نجد ان دخل الفرد انخفض فيما الانفاق الخاص ارتفع الأمر الذي يدفع الفرد الى الاقتراض لتغطية فرق الانخفاض، ومن هنا يتضح لنا انه فيما كان دخل الفرد في الامارات يعد من أعلى الدخول الفردية في العالم فان الاستهلاك الفردي يسجل ارتفاعاً تصاعدياً وبشكل قياسي، وحينما يصبح استهلاك الفرد يفوق دخله ولاسيما لدى شريحة محدودي الدخل أو من ذوي الدخل الثابت وهم موظفو الدولة فانه من الطبيعي ان يلجأ الفرد للاقتراض من المصارف للمحافظة على مستوى استهلاكه ومجاراة الاخرين هذا في الوقت الذي تسجل الأسعار في الامارات ارتفاعاً تصاعدياً. ـ على الرغم من ان مجتمع الامارات قد تعرض لظروف اقتصادية صعبة بسبب الازمات الاقتصادية العالمية ومنها الازمات النفطية كما حدث في أعوام 1985/1986 ثم عام 1997/1998، وعلى الرغم من انعكاس هذه الازمات على الاقتصاد الوطني وعلى ميزانية الدولة وتأثر الانفاق الحكومي إلا ان الانفاق الاستهلاكي لدى الفرد ظل يسجل معدلات تصاعدية ولاسيما لدى شريحة محدودي الدخل الأمر الذي يؤكد حجم الطلب على القروض الشخصية من قبل الافراد. ـ حينما نشخص حالة الاستهلاك لدى الرجل والمرأة فانه وعلى الرغم من ان مصروفات المرأة الذاتية تعتبر أكثر من مصروفات الرجل لاسيما انفاقها على الملابس أو الاكسسوارات أو المجوهرات والساعات أو السيارات فان مصروفات الرجل الذاتية تعتبر محدودة ولكن يبقى انفاقه العام على الأسرة كبيراً سواء على بناء منزل أو شراء سيارات لأفراد أسرته أو المشتريات الشهرية من طعام وشراب، أو توفير متطلبات ابناءه الدارسين، ولكن ما يميز المرأة عن الرجل عند تعاملها مع القروض الشخصية من المصارف هو انها أكثر انضباطاً والتزاماً بالسداد من الرجل على الرغم من ان جزءاً من قروضها الشخصية يذهب لمساعدة الزوج في بناء منزل الأسرة أو صيانته أو إدخال توسعة فيه، أو لشراء اثاث جديد أي انها التزامات ضرورية، ويلاحظ ان عدد اللائي يرجع لهن شيك يعتبر محدوداً جداً قياسياً بالرجل الأمر الذي يؤكد على مدى حكمة المرأة في إدارة شئونها المالية وقدرتها على السيطرة على قروضها الشخصية وعدم تعريض نفسها لمواقف غير مناسبة، ولكن يبقى الرجل والمرأة يتعاملان مع المصارف التجارية كمقترضين ويتطلب منهما الحذر وعدم إغراق انفسهم في حجم القروض الشخصية التي قد تعرضهما للمساءلة القانونية. ـ من الملاحظ ان شريحة الشباب هي الأكثر اقتراضاً من المصارف التجارية ولاسيما أولئك العاملين في الدفاع والجيش ودوماً ما تكون قروضهم الشخصية من اجل شراء سيارات أو بقصد السفر أو شراء كماليات وسلع استهلاكية تتجاوز الضرورية منها، وذلك بقصد التقليد والمحاكاة والبذخ وهم أكثر فئات المجتمع تعرضاً للمساءلة القانونية وربما السجن ايضاً حيث وبسبب محدودية الوعي لديهم فانهم يتنافسون على الاقتراض من البنوك وكذلك من شركات التمويل وهم بذلك أكثر فئة تستسهل إصدار الشيكات وهم أكثر فئة تقوم بتجديد قروضها لتستمر مديونيتها لسنوات طويلة وربما يأتي التجديد بعد مضي شهرين أو ثلاثة من تاريخ حصولهم على القرض الأول. ـ من الطبيعي ان يتأثر الادخار العائلي لدى الفرد والأسرة في المجتمع الاماراتي بحجم الانفاق الاستهلاكي ذلك ان معدلات الادخار لدى الأسرة تتأثر عادة بعاملين هما «الدخل الشخصي، والانفاق الاستهلاكي» واذا كان الادخار هو ذلك الجزء المقتطع من الدخل بقصد الاحتفاظ به على هيئة رصيد جاري أو توفيره أو تحويله الى وديعة ليصار الى استثماره في مشروع، أو ربما انفاقه في شراء شيء ما كمنزل أو سيارة مثلاً، فان أي زيادة تطرأ على حجم الاستهلاك أو الانفاق الاستهلاكي مع محدودية الدخل من شأنها ان تنعكس على حجم الادخار كما ان أي زيادة في الدخل قد تؤدي الى زيادة الادخار الشخصي. ـ وفي ضوء تراجع حجم الادخار لدى الأسرة في الامارات فانه من الطبيعي ان يتأثر حجم الاستثمار لدى القطاع العائلي هذا على الرغم من ان الانفاق الاستهلاكي يعني خلق فرص استثمارية أمام المستثمرين لانتاج سلع وخدمات استهلاكية وتسويقها لدى مختلف أفراد القطاع العائلي أو القطاع العام. ومن خلال الاحصاءات المشار اليها آنفاً نجد ان السنوات الماضية قد حولت مجتمع الامارات من مجتمع انتاجي الى مجتمع استهلاكي، فالأسرة الاماراتية ولاسيما ذات الدخل المحدود تنفق جزءاً كبيراً من دخلها على الاستهلاك رغم ثبات دخل أفرادها لكونهم موظفين في الدولة وعلى الرغم من ارتفاع الأسعار «التضخم»، وفيما كانت معدلات الاستثمار العائلي تسجل ارتفاعاً متزايداً خلال النصف الثاني من عقد السبعينيات فان بداية الثمانينيات قد سجلت هذه المعدلات تراجعاً محدوداً، ثم تزايداً واضحا خلال النصف الثاني من الثمانينيات بعد ان وصل الاقتصاد الوطني الى حالة من التشبع، ثم بسبب الركود الاقتصادي الذي أصاب المجتمع الاقتصادي الاماراتي اثر التراجع الحاد في أسعار النفط منذ منتصف الثمانينيات وتحديداً في عام 1985 واستمراره حتى بداية التسعينيات حيث شهدت السوق النفطية تحسناً في الأسعار ما لبثت ان تراجعت في عام