يمثل إنشاء منظمة التجارة العالمية حجر الأساس في عملية إقامة نظام اقتصادي عالمي موحد، وبما أن هذه المنظمة تمكنت من تأسيس مجموعة شاملة وكاملة من النظم والقوانين، عن طريق الاتفاقيات التي أبرمت تحت مظلتها والتي تهدف في الأساس إلى توجيه وتنظيم مختلف النشاطات الاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي فإن هذه المنظمة وبلا أدنى شك سوف تمارس نفوذاً اكبر في المستقبل في تحديد وتوجيه المسارات المستقبلية لمجمل جوانب النشاطات والشئون الإنسانية، وفي الحقيقة فإنه لا يعتبر ضربا من ضروب الخيال النظر إلى منظمة التجارة العالمية باعتبارها الحكومة الفعلية التي تحكم العالم وذلك للمرة الأولى في تاريخ البشرية، ولهذه النظرة التي يعتقد الكثير من الاقتصاديين والسياسيين أنها مبالغ فيها ما يبررها من وجهة نظري ونظر بعض خبراء التجارة الدولية، ففي البدء يمكننا القول بأننا نعيش فعلاً ضمن نظام اقتصادي عالمي متداخل ومتكامل حيث تسيطر ما يعرف بالشركات متعددة الجنسيات على ما يزيد على ثلث عوامل الإنتاج العالمية ولا تتقيد هذه الشركات العملاقة بكل المقاييس فيما يتعلق بقرارات الإنتاج ونظم التوزيع بأي حدود وطنية أو حتى إقليمية إلا في نطاق ضيق للغاية إذ يتم اتخاذ القرارات المتعلقة بتحديد مواقع إقامة المصانع ومراكز التوزيع وكذلك القرارات المتعلقة بتوفير الرساميل اللازمة لعمليات التوسع في الاستثمار على نطاق عالمي وغالباً ما تحتوي سلعة ما على مكونات من عدة دول حيث توجد كل مرحلة من مراحل إنتاج هذه السلعة في دولة معينة هذه عدا عن مراكز التسويق والتوزيع التي توجد بطبيعة الحال في دول أخرى، وربما يفسر لنا ذلك سر سيطرة هذه الشركات على ما يقارب 40% من حجم التجارة الدولية، وهذه الأبعاد النامية والمتطورة للتكامل الاقتصادي العالمي المتمثلة في النمو السريع للتجارة الدولية نفسها التي يزيد حجمها الآن على حجم اكبر الاقتصاديات في عالم اليوم أوجبت قيام جهة دولية ما لتدعيم والإشراف على خطوات العولمة الاقتصادية هذه عن طريق فرض مجموعة من النظم والقوانين ضمن معاهدات واتفاقيات دولية لها صفة الإلزام السبب الذي من أجله أنشئت منظمة التجارة العالية وذلك حسب اعتقاد أو إدعاء البعض طبعاً. وهناك عامل آخر يوضح أهمية منظمة التجارة العالمية، وهذا العامل يتعلق بالطريقة التي مكنت قوانين منظمة التجارة من تنظيم كافة جوانب النشاطات الاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي، وتاريخياً كانت الاتفاقيات التجارية الدولية تعنى فقط بتجارة وانسياب السلع الوسيطة والسلع تامة الصنع وكذلك المواد الأولية عبر الحدود الدولية ولكن ومن خلال إنشاء منظمة التجارة العالمية تم توسيع نطاق اختصاص الاتفاقيات التجارية الدولية بصورة كبيرة ليشمل جوانب ونشاطات أخرى قد لا تكون وثيقة الصلة دائماً بعملية انسياب السلع والخدمات بين الدول مثل القوانين المنظمة للاستثمار الدولي وحقوق الملكية الفكرية وغيرها من القوانين والسياسات الحكومية التي لها علاقة بسيطة إن وجدت بالتجارة الدولية بمفهومها الضيق، وهذا يوضح لنا لماذا أصبح من الصعب الآن وفي ظل نطاق الاختصاص الجديد لمنظمة التجارة العالمية إيجاد أي موضوع اقتصادي أو بيئي أو اجتماعي أو حتى ثقافي لا يقع ضمن منطقة الاختصاص للاتفاقيات التي تمخضت عن مفاوضات منظمة التجارة العالمية وضمن المفهوم الواسع للتجارة الدولية. ويكمن المصدر الحقيقي لسلطة ونفوذ منظمة التجارة العالمية في آليات التنفيذ القوية لأحكام لجنة فض المنازعات التجارية التابعة للمنظمة والمتاحة لأطراف النزاع وذلك لضمان أعلى درجة التزام ممكنة من قبل الحكومات بالقيود المفروضة على سلطاتها من قبل المنظمة، وأي دولة تقوم بأي ممارسة تشكل خرقا لأي من الاتفاقيات التجارية المبرمة تحت مظلة منظمة التجارة الدولية تعرض نفسها للعقوبات التجارية الصارمة والتي لا يمكن تجاهلها حتى من قبل اكبر واغنى الدول فعلى سبيل المثال وضمن أول شكوى تجارية تم الفصل فيها من قبل لجنة فض المنازعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية تم اعتبار ما يعرف بقانون الأجواء النظيفة في الولايات المتحدة الأمريكية المتعلق والمنظم للمخلفات الغازية الصناعية مخلا بالتزامات الولايات المتحدة تجاه المنظمة و ونتيجة لذلك منحت لجنة فض المنازعات في المنظمة الولايات المتحدة خيارين: إما أن تزيل النصوص التي اعتبرتها اللجنة مخلة من قانونها البيئي أو مواجهة عقوبات تجارية تقدر بمئة وخمسين مليون دولار سنوياً. وبالرغم من أن اتفاقيات التجارة الدولية السابقة كاتفاقية جات 47 كانت تتضمن عقوبات مماثلة من حيث الصرامة فإن هذه العقوبات لا يمكن فرضها على الطرف الخاسر في النزاع إلا بموافقة جميع أطراف الاتفاقية بما في ذلك الطرف الخاسر، أما الآن فإن الأحكام الصادرة من لجنة فض النزاعات التجارية في المنظمة يتم تنفيذها بطريقة تلقائية وذلك ما لم يتم حجبها بإجماع أعضاء منظمة التجارة العالمية، وزيادة على ذلك وبموجب ما يعرف بنظام العقوبات المزدوجة يمكن تطبيق العقوبات الصادرة من اللجنة على أي قطاع من قطاعات التجارة الدولية للدول التي أخلت بأي قانون من قوانين المنظمة الدولية وبمعنى آخر اكثر وضوحاً يمكن تطبيق العقوبات التجارية على الطرف الخاسر على القطاعات التجارة التي تشكل أهمية كبرى والتي يعتمد عليها اقتصاده الوطني بشكل أساسي وذلك لجعل العقوبة رادعة بصورة اكبر من خلال إلحاق اكبر ضرر ممكن. لاشك أن مجمل هذه العوامل توضح لنا سبب اعتبار بعض خبراء القانون الدولي منظمة التجارة العالمية أهم وأقوى منظمة دولية تم إنشاؤها حتى الآن والتي يكمن النظر إليها على أنها الحكومة الدولية التي تحكم جميع الدول صغيرها وكبيرها والتي طالما شكك القانونيون والسياسيون في إمكانية وجودها على أرض الواقع. قوانين منظمة التجارة العالمية تشكل لائحة حقوق للشركات متعددة الجنسية وصف الكثير من المختصين قوانين منظمة التجارة وخاصة خبراء البيئة بأنها لائحة لحقوق الشركات المتعددة الجنسية، ولمعرفة السبب وراء إسباغ هذا الوصف على تلك القوانين ينبغي النظر إلى عملية المفاوضات التي أدت إلى إنشاء المنظمة التي سنت تلك القوانين، ولان التجارة العالمية كانت تمثل في السابق موضوعاً سرياً مليئاً بالألغاز يهتم فقط بالمصالح التجارية فإن المفاوضات المتعلقة بها كانت تتم بطريقة تقليدية بواسطة وزراء التجارة أو الاقتصاد بدون إبداء أي اهتمام بالقيم الإنسانية التي قد تتأثر بتلك الاتفاقيات، لذا فإن الحكومات عند تناولها الموضوعات التجارية في تلك المفاوضات كانت تتعامل وبصورة حصرية مع مجتمع رجال الأعمال والشركات الكبرى التي لها تأثير كبير على اقتصادياتها الوطنية ولم تكن هناك أي مشاركة من الجمهور ولم يكن للرأي العام أي حق في المساءلة أو إبداء الرأي كما أن الكثير من الحكومات وخصوصاً حكومات الدول النامية لم تكن تملك حق المشاركة في المفاوضات التي كانت تجرى وراء الأبواب المغلقة والتي كانت تقتصر بصورة حصرية على عدد قليل من اللاعبين الرئيسيين وكانت تترك حكومات الدول النامية لتخمن عما يمكن أن تتمخض عنه تلك المفاوضات، وعندما تظهر الاتفاقيات التجارية في نهاية المفاوضات إلى العلن يتم عرضها على بقية الأعضاء كمجموعة معقدة من التسويات التي قد ينفرط عقدها إذا ما تم اقتراح أي تعديل عليها، وبهذه الطريقة كان يتم تمرير هذه الاتفاقيات على برلمانات الدول الأعضاء وكان المشرعون في تلك الدول يواجهون بإنذار حقيقي مفاده «اقبلوا بهذه الاتفاقيات على علاتها أو عانوا من عواقب العزلة في اقتصاد معولم»، ولان الاتفاقيات التجارية يتم التفاوض حولها بهذه الطريقة التي لا يمكن وصفها إلا بالاستبدادية فإنه من غير المستغرب أن تعكس هذه الاتفاقيات الكثير من الاهتمام بالمصالح المتعلقة بالشركات الكبرى وتبدي في الوقت ذاته عدم المبالاة إزاء التأثير السلبي لتلك المصالح التجارية البحتة على الأهداف الإنسانية الأخرى مثل حماية البيئة والعملية الديمقراطية وحقوق الإنسان. التحديات المستقبلية ان الهدف الأساسي الذي من اجله تم إنشاء منظمة التجارة العالمية يتمثل في تحرير التجارة الدولية من خلال تقييد سلطة الحكومات الوطنية فيما يتعلق بقوانينها وسياساتها التجارية وهذا في رأيي سوف يخلق مشكلات خطيرة فيما يخص حماية البيئة التي تعتمد في الوقت الراهن على القوانين المحلية، وفي الواقع فإن إنشاء منظمة التجارة العالمية بشكلها الحالي وإبرام اتفاقيات تحرير التجارة الدولية قد خلق بالفعل العديد من العوائق التي تمنع التقدم في مجالات حماية البيئة ونظم سلامة الأغذية وحماية الحيوانات المهددة بالانقراض والمحافظة على الموارد الطبيعية غير المتجددة. وبالرغم من أن واقع الصراع بين تحرير التجارة الدولية حماية البيئة يدعو إلى الاحباط فإنه يتعين علينا إذا أردنا تحقيق الأهداف الحيوية في مجال حماية البيئة أن نحول منظمة التجارة العالمية إلى منظمة ترعى الأهداف البيئية بدلاً من أن تلغيها، وهذا يعتبر من التحديات الصعبة ولكن هذه التحديات لا تختلف كثيراً عن النضال الذي تم خوضه لعقود خلت من أجل توعية الحكومات الوطنية التي لم تكن معنية في بداية الأمر بحماية البيئة وأهداف المحافظة عليها وذلك عن طريق توعية ومن ثم تحريك الرأي العام المحلي الذي استطاع في نهاية الأمر إجبار حكوماته على تبني أهداف حماية البيئة، إن ظهور منظمة التجارة العالمية سوف يحتاج بالتأكيد إلى نضال أكبر إذا كنا نرغب حقاً في إيقاف مد العولمة الاقتصادية الذي قام بالفعل بسلب المكاسب التي تحققت بعد جهد ونضال كبيرين عبر العقود الثلاثة الماضية. بالرغم من قتامه الصورة فيما يتعلق بواقع جهود حماية البيئة فان وجود عاملين أساسيين قد يبعث الأمل من جديد في تحقيق أهداف حماية البيئة: العامل الأول يتمثل في تمكننا من ايجاد مفهوم أكثر عمقاً لأسباب الأزمة البيئية، إذ توفر الحملة التي تقودها الشركات الكبرى وبعض الحكومات من أجل الدفع باتجاه حرية أكبر للتجارة الدولية الفرصة لفحص ودراسة المسائل المتعلقة بالبيئة في إطارها الصحيح، أي دراستها باعتبارها أعراض لمشكلة أكبر واعمق تتمثل في السياسات الاقتصادية والتجارية غير القابلة للاستمرار حيث كان التركيز في السابق على الأعراض وليس الأسباب الحقيقية الكامنة وراء المشاكل البيئية ولكننا نحتاج الآن إلى التحرك إلى ما وراء تلك الأعراض ومعالجة جذور تلك المشكلات وذلك بدراسة ومن ثم معالجة الأسباب الكامنة وراءها. العامل الثاني يتمثل في استيعابنا أفراداً وحكومات للحاجة الملحة لاتفاقيات دولية ملزمة لمواجهة خطر تدهور البيئة مثل التغير المناخي وفقدان التنوع البيولوجي، وفي هذا السياق يجب النظر إلى منظمة التجارة العالمية على أنها النموذج الذي يجب أن يتبع لإنشاء اتفاقيات دولية ملزمة لحماية البيئة إذ أن إنشاء منظمة التجارة العالمية أظهر بكل وضوح أن الحكومات دائما على استعداد أن تتحرك إذا ما تم تحفيزها بالشكل الصحيح وإذا ما وعت الحاجة إلى القيام بأي أجراء من أجل حماية مواطنيها ومكتسباتهم، ويتمثل التحدي الآن بالنسبة لنا في إقناع الحكومات بتبني اتفاقيات مماثلة قابلة للتنفيذ تهدف إلى تحقيق الأمن البيئي العالمي بدلاً من تبني المصالح الضيقة للشركات الكبرى والمستثمرين الأجانب.