يتحدث العالم وفي ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية المتسارعة عن الاقتصاد الرقمي أو عن التجارة الالكترونية المسماة بتجارة الانترنت، بين مختلف دول العالم والتي سوف تفتح آفاقا واسعة وسوف يترك آثارا كبيرة على واقع التجارة العالمية بين مختلف دول العالم، والتكتلات الاقتصادية، ويأتي هذا الحديث أيضا في ضوء الثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم وفي ضوء استحداث مفاهيم اقتصادية حديثة كمنظمة التجارة العالمية، والعولمة الاقتصادية. وفيما يتحدث العالم الصناعي حول هذه المتغيرات ويعمل على تحقيق مكاسبه القياسية، فإن العالم الثالث مازال يعيش هذه المتغيرات وكأنها صدمة شديدة يصعب استيعابها من قبل الفكر الاقتصادي وكذلك من قبل اقتصاديات هذا العالم.لذلك فمن الطبيعي أن تقف اقتصاديات العالم الثالث عاجزة عن مسايرة ومواكبة اقتصاديات الدول الصناعية أو ذلك بسبب الفارق الشاسع في التطور التقني والالكتروني بين العالمين، ثم التباين الكبير في فهم الأوضاع الاقتصادية المستجدة، واذا كان العالم يتحدث بهذه اللغة فأين نحن في الامارات من ذلك؟! هل اقتصادنا يملك مقومات الحديث بلغة التجارة الالكترونية وهل يستوعب الفكر الاقتصادي في الامارات طبيعة التحولات الاقتصادية والانقلاب الذي يحدث في العالم؟! وهل يمكن مواكبة المفاهيم الحديثة والتطورات المتسارعة في ظل بيئة اقتصادية محدودة وامكانيات محدودة وقدرات علمية وبشرية تعاني من قصور واضح في التنمية؟! واذا كان موضوعنا اليوم يتعلق ببطاقات الائتمان باعتبارها احدى وسائل التجارة الالكترونية فإنه لابد أن نؤكد على مدى التباين في استخدام هذه البطاقات بين الامارات وبين الدول المستحدثة لهذه البطاقات، فهذه البطاقات قد عرفها العالم والمجتمع الاقتصادي خاصة في دول العالم من خلال الولايات المتحدة حينما صدرت أول بطاقة ائتمان عام 1950 باسم Diner's club ولقد ظلت هذه البطاقات محدودة الاستعمال بين مصارف الولايات المتحدة التي اعتمدت هذا النوع من البطاقات في أواخر العام نفسه ومع بداية الستينيات عرفت دول العالم هذه البطاقات حينما عملت المصارف الأميركية على توسيع نطاق استخدامها لتشمل مختلف دول العالم. وإذا كانت بداية العمل بهذه البطاقات في الشرق الأوسط قد كانت في العام 1959 فإن الامارات التي برغم تميز قطاعها المالي والمصرفي لم تعرف هذه البطاقات إلا في سنوات السبعينيات حيث بدأت السوق بالتوسع باستخدامها كوسيلة دفع وقد عزز هذا التوسع الطفرة الاقتصادية والتجارية والتوسع في الانفاق الاستهلاكي والانفتاح الاقتصادي على أسواق عالمية. وفي ضوء هذه القراءة التاريخية لتطور بطاقات الائتمان يجدر الاشارة هنا إلى ان هذه البطاقات تعتبر وسيلة دفع نظير شراء وبيع سلع وخدمات وقد جاءت في اطار مراحل تاريخية لتطور النقد وذلك بعد المقايضة، ومرحلة الذهب والنقود المعدنية والعملة الورقية، ثم الشيك المصرفي، وهذه البطاقات احدى آليات التجارة الالكترونية ومن المتوقع أن يزيد التعامل مع بطاقات الائتمان مع تزايد حجم التجارة الالكترونية والاعتماد على الانترنت بعد دخولها الى مختلف دول العالم، وسوف يعني ذلك الاستغناء الى حد كبير عن الشيكات المصرفية، كما ان وجود بطاقات ائتمان من النوع الذكي (البطاقة الذكية) من شأنه أن يساعد على تجاوز العقبات التي يمكن أن تعترض تطور وتوسع التجارة الالكترونية خاصة وانها تتميز بخاصية معينة كونها مجموعة بطاقات في بطاقة واحدة، كما انها يمكن ان تكون بطاقة خصم وتقسيط في الوقت ذاته ومن شأنها ان تقلص خطر التزوير وبنسبة كبيرة. من هنا وفي ظل التطور السريع في انتشار والتعامل ببطاقات الائتمان على اختلاف أنواعها يتطلب من السوق التجارية والمصرفية في الامارات أن تواكب هذا التطور فيما إذا أرادت أن توسع من علاقاتها التجارية ولا سيما في مسارها الالكتروني، ذلك ان هذه البطاقات وبما فيها البطاقة الذكية لها من الفوائد العديدة على حجم التجارة بين دول وأسواق العالم ولكنها في الوقت ذاته لها انعكاساتها الخطيرة على الأوضاع التجارية والاقتصادية في اقتصاد ناشئ كاقتصاد الامارات فيما اذا لم تكن هناك بيئة اقتصادية وتشريعية متطورة قياسا بالبيئة التشريعية والاقتصادية في دول العالم الصناعي. من ناحية أخرى فإن ادخال التكنولوجيا في المجتمع الاقتصادي والتجاري والتوسع في استخدام بطاقات الائتمان في التجارة الالكترونية في سوق الامارات وتجارتها لا يعني تحول اقتصاد الامارات الى اقتصاد رقمي فادخال التكنولوجيا في اقتصادنا الوطني والى سوقنا التجارية بقدر ما له من ايجابيات فان له سلبيات حيث يعتمد ذلك على مدى قدرة استيعاب اقتصادنا الوطني خاصة ومجتمعنا للتكنولوجيا الحديثة، وهذه التكنولوجيا يعتمد نجاحها على وجود بنية تشريعية متطورة في الخدمات الالكترونية كالاتصالات والمعرفة وتقنية المعلومات، هذا على الرغم من التطور الذي شهدته الامارات في قطاع الاتصالات. ولعلنا ونحن نتناول البطاقات الائتمانية وأهميتها في تهيئة المجتمع التجاري وتحفيز معدلات التجارة مع دول العالم، ثم لكونها احدى آليات تطور الاقتصاد والتجارة الالكترونية وباعتبارها ـ أي البطاقات ـ تساهم في نمو وازدهار الاقتصاد وتوفر للمستهلك مرونة وسهولة في التسوق وتوفير الوقت فانه وفي ضوء ذلك ـ لابد وان نتناول التأثيرات السلبية في حال التوسع في استخداماتها دون وجود بيئة تشريعية وضوابط قانونية وذلك على الأوضاع الاقتصادية: ـ تفشي الجريمة المالية والاقتصادية في المجتمع الاقتصادي ومما يؤكد هذا الصحف اليومية التي تطالعنا بالجرائم المالية والاقتصادية التي يرتكبها أشخاص وافدون هدفهم تخريب السوق وضرب سمعة التجارة في الامارات وتحقيق مكاسب غير مشروعة. ـ من المؤكد ان وجود هذه البطاقات والتوسع في استخدامها من قبل مختلف شرائح المجتمع الاماراتي إنما سوف يعزز النزعة الاستهلاكية المستشرية في مجتمع الامارات لا سيما مع دخول الانترنت الى بيوت المستهلكين حيث تعزز آفاق التجارة الالكترونية بالتسوق من مختلف أسواق العالم بدون أن يكون هناك وعي بحدود الاستهلاك وآثاره على مدخرات الأفراد وبالتالي الاقتصاد. ـ إن التوسع في استخدام البطاقات الائتمانية في مجتمع يعاني من محدودية الوعي الاستهلاكي وتفشي النزعة الاستهلاكية من شأنه أن يؤدي إلى تفشي مشاكل اجتماعية وأخلاقية تؤثر على الاستقرار النفسي والاجتماعي لأبناء المجتمع. ـ ان تطور التكنولوجيا في مجتمع لا يساهم أفراده في صناعة التقنية وإنما هم مستهلكون لها أو مستخدمون إنما قد يؤدي الى غياب الاستقلالية والسرية المطلوبة. ـ ان الفجوة الرقمية بين الاقتصادات الأوروبية والأميركية وبين الاقتصادات العربية ومنها اقتصاد الامارات إنما من شأنها أن تؤدي إلى تفاقم في مشاكل استخدام التجارة الالكترونية ولا سيما في غياب الشفافية. ـ ان التوسع في استخدام البطاقات الائتمانية في التجارة الالكترونية في دولنا العربية ومنها الامارات وفي ظل غياب البيئة القانونية والتشريعية سوف يؤدي إلى وجود القرصنة والسرقة من أصحاب هذه البطاقات ولقد أكدت الاحصائيات على ان الدول العربية تأتي في المرتبة الثالثة بعد أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية في أعمال القرصنة والسرقة. من هذا المنطلق واذا ما أردنا العمل بموجب هذه البطاقات وفتح أسواقنا أمام التجارة الالكترونية واستخدام آليات هذه التجارة كأمر واقع يتحتم علينا التعامل معه فإنه يتطلب منا أن نعمد إلى الاستثمار في العنصر البشري من خلال التركيز على نوعية التعليم، ثم خلق قناعات لدى السوق المالية والاقتصادية والتجارية في الامارات بمدى أهمية استيعاب الأفكار المبتكرة من قبل العنصر البشري ثم أهمية الاستثمار في قطاع البرمجيات، وضرورة تمويل التكنولوجيا والتقنية المتطورة قبل الشروع في فتح أسواقنا وبشكل مطلق أمام تدفق التجارة الأجنبية لأسواقنا