لم يمض سوى سبعة أشهر تقريبا منذ بدأ المواطنون فى البلدان التى أصبحت تسمى معا بـ (منطقة اليورو) يحملون هذه العملة الأوروبية الموحدة، فى محافظهم كبديل لعملاتهم الوطنية السابقة الا أنه منذ ذلك الحين أيضا تحول اليورو (ومعه على الأخص معاهدة الاستقرار التى تدعمه ويستند اليها) الى قضية سياسية مثيرة للارباك والحرج للدول الأعضاء فى منطقة اليورو حيث لا ينتهى الأمر بمجرد توحيد العملة واحلالها محل العملات السابقة بل أصبح يتعين على دول منطقة اليورو الوفاء بمتطلبات هذه المعاهدة. فقد تمكنت ألمانيا على سبيل المثال بصعوبة شديدة من تجنب توجيه خطاب تحذير أول لها من مقر المفوضية الأوروبية فى بروكسل فى وقت سابق من العام الحالى بسبب تزايد العجز فى ميزانيتها بينما تواجه البرتغال عقوبات محتملة لاستمرار وجود عجز لديها خلال العام الماضى يزيد كثيرا عن نسبة الـ 3% المسموح بها بموجب معاهدة الاستقرار. أما ايطاليا و فرنسا فكلتاهما على قائمة المراقبة من جانب المفوضية الأوروبية. وهنا يحذر بعض الخبراء من أن تدفع هذه الورطة «المتمثلة فى صعوبة تحقيق معايير معاهدة الاستقرار واللحاق بكل معدلاتها وشروطها فى كل عام» بلدان منطقة اليورو الى التخلى عنها فى احدى لحظات اليأس أو الغضب. ويوضح هورست سيبيرت (رئيس أحد المعاهد الاقتصادية الكبرى فى ألمانيا وعضو مجموعة التحليل الاقتصادى التابعة لرئيس المفوضية الأوروبية) أن التخلى عن هذه المعاهدة سيكون خطأ فادحا لأن استقرار أية عملة يتأثر تأثرا قويا جدا بمدى متانة الأوضاع المالية للدولة. فاذا تعرضت هذه الأوضاع للاضطراب وبدأت الأسواق المالية تعتقد أن عبء الدين الخاص فى هذه الدولة من غير الممكن السيطرة عليه على المدى البعيد فان ظلالا من الشكوك تبدأ فى الاحاطة بعملتها على الفور. كما أن الشكوك تثور حول ما اذا كان البنك المركزى لتلك الدولة سيلتزم التزاما تاما أم لا بسياسة نقدية معينة بهدف تثبيت العملة والعمل على استقرارها. وتظهر هذه المشكلة بشكل أكثر وضوحا داخل منطقة اليورو حيث ان السياسة النقدية الجماعية تم وضعها أصلا على أساس سياسات مالية وطنية مستقلة وهكذا فبدون معاهدة استقرار كان من شأن كل دولة على حدة أن تستسلم لاغراء التصرف بحرية مطلقة فى سياساتها النقدية. ومما يوضح ذلك أنه عندما كانت الميزانية تعانى من عجز مثلا كانت الدولة تستطيع بصفة مؤقتة التخلى عن سياسة مالية ثابتة دون أن تلجأ لقرارات قاسية اشبه بالعقوبات من قبيل خفض قيمة العملة وهى القرارات التى كان بمقدور هذه الدول اتخاذها قبل أن تصبح أعضاء فى منطقة اليورو. وكان العجز الذى تعانى منه ميزانية البرتغال مثلا ويبلغ 10% (ويعد بمقاييس منطقة اليورو كبيرا بدرجة مذهلة) من الممكن قبوله أو التعايش معه لفترة ما خارج نظام العملة الموحدة. ولعل الميزة المهمة لمعاهدة الاستقرار بالنسبة لليورو هى أن الآثار الضارة لاتباع سياسة مالية غير مسئولة فى دولة ما تتحول الى آثار جماعية تعانى منها باقى الدول لولا وجود معاهدة الاستقرار التى من المفترض أن تحمى من تلك الأثار حيث بدونها ستعانى العملة الموحدة ويكون ذلك على حساب جميع الدول المشاركة فيها وتنشأ نزاعات فيما بينها من جراء ذلك. ومع أن معاهدة الاستقرار تقلل من امكانيات المناورة أمام الحكومات للتغلب على المشكلات المالية الا أن الخبراء ينصحون بضرورة الالتزام بها معتبرين تلك القيود هى الثمن أو الضريبة التى تدفعها هذه الدول فى سبيل التمتع بنظام العملة الموحدة حتى لو اقتضى ذلك التنازل عن شيء من الكبرياء الوطنية أو بعض أمور السيادة القومية. أ.ش.أ
