إذا كانت امارة رأس الخيمة وفي ضوء التطورات التنموية التي تشهدها الامارات الأخرى تتطلع لأن تسجل حضورها في الساحة المحلية، وإذا كانت تسعى لتجاوز معوقات التنمية فيها ومعالجة التحديات، التي تواجه مسيرة التطور فيها، وإذا كانت الجهات المعنية تعمل على ترجمة أهداف رؤية استراتيجية التنمية في الامارة فإن الأمر يستوجب معالجة معوقات الاستثمار في الامارة، وبداية المعالجة تلك تكون في القناعة التامة بأهمية رأس الخيمة الاقتصادية، ثم بأهمية التنمية فيها كسبيل للنهوض بها وبالانسان المقيم فيها، ثم وفي ظل هذه القناعة يتم توظيف الامكانيات المالية المتوفرة لدى الامارة وتوظيفها في احداث التنمية المنشودة مع الاشارة إلى أهمية ان تكون هناك ثقة كبيرة في قدرة الامارة على تجاوز هذه المعوقات في ظل وجود الادارة الصادقة والرؤية العلمية والتوجه الصحيح. معوقات الاستثمار في الامارة هنا نحاول من واقع تشخيصنا للبيئة الاقتصادية والاستثمارية للامارة ان نستكمل ما تناولناه في الحلقة الماضية حول معوقات الاستثمار في الامارة. 5ـ البيروقراطية وتنازع الصلاحيات من المعلوم ان الاستثمار دائماً ما يبحث عن البيئة الاستثمارية الناضجة والمحفزة والمتطورة ولعل أهم شروط البيئة الجيدة غياب الروتين والبيروقراطية التي يهرب منها برأس المال سواء الوطني أو الأجنبي، وعلى الرغم من ان امارات أخرى كدبي وأبوظبي والشارقة قد استطاعت تجاوز تلك البيروقراطية على صعيد دوائرها المحلية بادخال التقنية والمتابعة الحثيثة من قبل المسئولين ومعالجة الترهل الاداري والفني والبشري بالتدريب والتأهيل والتطوير المستثمر نجد ان امارة رأس الخيمة ما زالت تعاني من الروتين والبيروقراطية وتنازع الصلاحيات بين دوائرها المحلية، فهناك غرفة التجارة والدائرة الاقتصادية والبلدية على الصعيد المحلي، اضافة إلى مؤسسات اتحادية مثل وزارة العمل والاتصالات، والدفاع المدني، الكهرباء والماء، ولعل ما يهمنا هنا ان الاستثمار يبحث عن انسيابية الحركة والاجراءات السهلة، وما زالت البيئة الاستثمارية في الامارة غير متطورة لتشجيع الاستثمار الأمر الذي يؤدي إلى ضياع وقت المستثمر الثمين وتعطل مصالحه، وهو يتنقل في دهاليز الدوائر من قسم إلى قسم ومن شعبة إلى شعبة. وفوق هذا فإن الرسوم المتعددة والكثيرة والمبالغ فيها في بعض الاحيان قد تجعل المستثمر يتردد كثيراً قبل الشروع في اجراءات الترخيص، فمع تعدد الدوائر وتعدد أنواع الرسوم المبالغ في قيمتها من شأنها ان تعطل الاستثمار في الامارة، ومما يزيد الأمر ضعفاً هو محدودية رواتب وأجور موظفي الدوائر فيما ينعكس على انتاجهم وتحفيزهم على العطاء والسرعة في الانجاز وهذا الأمر يجعل الموظفين وخاصة المواطنين يبحثون عن فرص عمل أخرى حيث الراتب الأعلى والحوافز وبالتالي فإنهم دوماً ما يبدون تذمراً من وضعهم المالي ويشعرون بعدم الاستقرار في أعمالهم، وهذا بالطبع ينعكس على سير العمل بالدوائر الحكومية. 6ـ ضعف البناء المؤسسي والتنظيمي في الامارة ان احداث التنمية الاقتصادية وترجمة اهداف رؤيتها وتحفيز وتشجيع الاستثمارات الوطنية والعربية والأجنبية لتخدم التنمية الاقتصادية يتطلب اعادة نظر في البناء المؤسسي والتنظيمي للامارة وذلك من منطلق أهمية الدور الحكومي في احداث التنمية واحدث نقلة نوعية في توفير بيئة خصبة ومشجعة للاستثمارات ولا سيما ذات الأجل الطويل، فمازالت المؤسسات الحكومية تفتقر إلى التأسيس العلمي الصحيح وإلى القواعد التنظيمية المعروفة في الادارة العامة، ما زال دور هذه المؤسسات دور تحصيلي للرسوم اكثر من الدور التنموي المنشود. وما زالت هذه المؤسسات تفتقر إلى الهياكل التنظيمية والأنظمة الأساسية المحددة للأهداف والقدرات البشرية والقيادات الادارية المتميزة ومازالت العلاقة العضوية التي تربط هذه المؤسسات بالمجتمع علاقة ضعيفة للغاية وقائمة على التحصيل المالي والذي لا يتم توظيفه في تطوير هياكل كل المؤسسات ذاتها ولا يوظف في تطوير أو استقطاب قدرات بشرية جيدة أو قيادات ادارية قادرة على احداث التطوير في البناء المؤسسي والتنظيمي، وبالتالي وفي ظل هذه الوضعية فإن هذه المؤسسات لم تقم بدورها التنموي الذي أصبح شبه معطل وغير مرتبط بالمجتمع عامة والمجتمع الاقتصادي خاصة، فلا نظام يحدد الأهداف،ولا امكانيات توظف، ولا سياسات تنفذ، فكيف يمكن للاستثمار ان يكون له دوره التنموي في ظل هذه الوضعية؟ 7ـ محدودية الادخارات وتزايد الاحتكارات وإذا كانت الحكومة المحلية لا تسهم بشكل فاعل في احداث التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية وإذ كان المواطن في الامارة يتحمل أعباءً كثيرة كاملة سواء في بناء السكن الخاص به وتوفير كل الخدمات له، ويتحمل الاعباء الاجتماعية كالتعليم والصحة في كثير من الأحيان في ظل ضعف الخدمات الطبية والاجتماعية في الامارة، فإنه من الطبيعي ان تستنزف هذه الاعباء كل مدخراته بل كل راتبه وأجره الشهري والذي يتوزع بين سداد قروض المصارف وتغطية المصاريف الحياتية الكثيرة، فكيف يمكن ان تكون هناك مدخرات تتحول إلى استثمارات توظف في خدمة الاقتصاد، لقد أكدت الدراسات والاحصائيات على ان النسبة الكبرى من أبناء الامارة مدينون للمصارف بسبب اقتراضهم لأغراض الزواج أو البناء أو أعباء المعيشة الأخرى. فيما المؤسسات الحكومية في الامارات ولا سيما الرئيسية الثلاث تساعد أبناءها وتتحمل جزءًا من الأعباء المعيشية وتوفر لهم السكن والوظيفة المناسبة والعلاج الجيد والخدمات الاجتماعية والتعليمية ذات المستوى الجيد، كذلك فإنه ولمحدودية رواتب الموظفين العاملين في دوائر الامارة المحلية، فإن من الطبيعي الا يبقى شيء لديهم في نهاية كل شهر، وبالتالي فمن الطبيعي أيضاً الا تكون هناك مدخرات، وفي الوقت ذاته هناك شريحة محدودة استطاعت هذه الشريحة ان تكون ثروة يوجه جزء منها نحو الامارات الأخرى لاستثمارها في سوق العقار أو الأسهم أو مختلف قنوات الاستثمار الأخرى. من ناحية أخرى فإن سوق الامارة يتسم بالاحتكارات من أصحاب رؤوس الأموال وهم قلة حيث صور الاحتكار واضحة سواء في سوق العقار أو أسهم الشركات أو الوكالات التجارية، بل ان الشريحة الغنية لا تتوانى عن الدخول في سوق الكفالات لمنافسة أو احتكار هذه السوق ومنع محدودي الدخل من تحسين ظروفهم المعيشية والحياتية، ولا مانع لدى الشريحة الغنية من كفالة خياط مثلاً أو بقال أو مصبغة أو نجار أو حتى حلاق وغيرها من المهن البسيطة!! وفي ضوء محدودية الادخارات الشخصية وفي ظل الاحتكارات المتزايدة فإن السوق تبقى مملوكة من قبل شريحة محدودة تستأثر بكل الفرص الاستثمارية مهما كانت بسيطة!! غياب الشفافية يرتبط الاستثمار في مختلف دول العالم بأمنه واستقراره بمدى توفر المناخ الاستثماري الذي يتسم بدرجة عالية من الشفافية وإذا كان سوق الأسهم في الامارات قد أصيب بانتكاسة حقيقية منذ عام 1998، فإن أحد عوامل هذه الانتكاسة هو غياب الشفافية في تلك السوق وفي رأس الخيمة التي تتوفر فيها فرص استثمارية قد لا تتوفر في امارات أخرى تفتقر إلى الدرجة المطلوبة من الشفافية، ولقد كان لأبناء الامارات عامة ورأس الخيمة خاصة تجربة مع سوق الامارات، حيث كان الاقبال كبيراً على شراء أسهم مصانع وشركات تحويلية تأسست خلال فترة السبعينيات ولكن في ظل غياب الشفافية المطلوبة سواء عند اعلان هذه الشركات عن أرباحها السنوية أو نتائج أعمالها السنوية حيث الاعلان دوماً عن خسائر تكبدتها هذه الشركات والمصانع فيما هي تعمل على انتاج سلع أساسية يزداد الطلب عليها، وبشكل كبير في أسواق الامارات والخليج الأمر الذي جعل الكثير من أبناء الامارات يحجمون عن شراء أسهم في شركات جديدة يتم الاعلان عنها بعد ان وصلوا لقناعة بعدم جدوى المساهمة أو الاستثمار في أسهم شركات تفتقر إلى الشفافية فيما تكبد البعض لخسائر مالية كبيرة بسبب إعلان مجالس ادارات شركات أخرى عن خسائر مالية كبيرة في الشركات التي يديرونها، وبالتالي فإن الشريحة التي تتكون لديها حصيلة مالية كونتها من العمل في امارات أخرى أو عوائد مالية تحققت من معاملات تجارية في امارات اخرى تحجم دوماً من الاستثمار في سوق الامارة باستثناء سوق العقارات التي أصبحت هي الأخرى تعاني من الركود بسبب غياب المستثمرين فيها، هجرة رؤوس الأموال للاستثمار في أسواق الامارات الأخرى. المعالجة في ضوء تشخيصنا لسوق الاستثمار وواقع الاقتصاد والتنمية في رأس الخيمة ومع تأكيدنا بمدى أهمية وحجم الفرص الاستثمارية في الامارة فإنه يستوجب اتخاذ خطوات حقيقية لمعالجة معوقات الاستثمارات في الامارة من خلال تحقيق اصلاحات اقتصادية بنيوية واستثمارية لتعزيز المناخ الاستثماري في الامارة واحداث تنمية اقتصادية واجتماعية أضحت الامارة في حاجة ماسة لها في ظل معطيات الحاضر ومتطلبات المستقبل، وفيما يلي أهم هذه الخطوات الاصلاحية. ـ تحقيق اصلاحات اقتصادية واستثمارية في البنية التحتية والهياكل التأسيسية والتنظيمات لتعزيز المناخ الاستثماري وبالتالي الاقتصاد الوطني للدولة. ـ أهمية ان تتولد القناعة التامة في معالجة معوقات الاستثمار في الامارة من منطلق ضرورات ترجمة رؤية استراتيجية التنمية للامارة (2000 ـ2009) حيث لا معنى لوجود هذه الرؤية في ظل وجود تلك المعوقات والتحديات. ـ أهمية تهيئة البيئة الاستثمارية بالقوانين والتشريعات والمؤسسات الفاعلة والمسودة الجاهزة والشفافية المتميزة والحوافز المشجعة وذلك من أجل جذب الاستثمارات الوطنية من الامارات الأخرى ثم العمل على جذب الاستثمارات العربية والأجنبية، وكذلك تحفيز رؤوس الأموال المجمدة لدى المصارف التجارية وتوطينها في هيئة استثمارات طويلة الأجل بدلاً من خروجها أو هجرتها إلى أسواق خارجية. ـ أهمية تعزيز المناخ الاستثماري لتشجيع الاستثمارات الوطنية والعربية والأجنبية في استثمارات طويلة الأجل وذلك في مشاريع انتاجية تساهم في زيادة النمو في الناتج المحلي وتفعل من التنمية وتخلق فرص عمل لشريحة من المواطنين الذين يعانون من بطالة حقيقية. ـ أهمية تفعيل الاستثمارات الحكومية في مشاريع البنية الأساسية، ثم تشجيع الاستثمارات الخاصة في ظل ضمانات كافية تقدمها الحكومة لا سيما وان الامارة تمتلك فائضاً مالياً مشجعاً من شأنه ان يسهم في احداث تنمية اقتصادية حقيقة بدلا من ان يجد طريقه إلى الخارج.