من المعلوم ان الثروة الحقيقية لأي أمة هي كوادرها البشرية المؤهلة القادرة على دعم استمرارية عملية التنمية الاقتصادية عن طريق الانخراط في العمل في مختلف القطاعات الإنتاجية، التي تعتبر رافدا رئيسيا من روافد الناتج القومي الإجمالي لأي دولة. لهذا السبب تقوم معظم الدول وخاصة المتقدمة منها بالتركيز على تنمية كوادرها الوطنية التي تعتبرها العامل الرئيسي من بين عوامل الإنتاج المحلية وذلك عن طريق فرض مجموعة من القوانين والتشريعات تنظم عملية الاستعانة والاستغناء عن العمالة الوطنية مثال ذلك القوانين التي تفرض حداً أدنى للأجور والقوانين التي تنظم شروط مكان العمل وطبيعته وأخيراً القوانين التي تحكم عمل النقابات العمالية وعملية التفاوض الجماعي مع أصحاب العمل والإضراب والعودة إلى العمل .وتتجلى الأهمية الكبيرة للأيدي العاملة في أدبيات علم الاقتصاد الحديث من خلال تقسيمه لعنصر رأس المال إلى قسمين: أولا : رأس المال المادي الذي يتكون من أصول نقدية وممتلكات سواء مادية من معدات وعقارات أو فكرية كالاختراعات وغيرها من أشكال الملكية الفكرية. ثانياً: رأس المال البشري الذي يتكون من أيد عاملة ماهرة عالية التأهيل والإنتاجية والتي تشكل العامل أو العنصر المتغير في عملية النمو الاقتصادي، إذ إن مساهمة أي وحدة من عوامل الإنتاج الأخرى في عملية النمو الاقتصادي كعامل الأرض مثلاً تكون مقيدة بسقف معين لا يمكن لها أن تتعداه بعد الوصول إلى مرحلة التشغيل الكامل أي المرحلة التي يتم فيها استغلال جميع عوامل الإنتاج المتوفرة بحيث لا يوجد هناك أي مورد معطل أو غير مستغل الاستغلال الأمثل، في حين أن رأس المال البشري يمكن أن يساهم في استمرار عملية النمو الاقتصادي حتى بعد بلوغ الاقتصاد المحلي مرحلة التشغيل الكامل. وخير دليل من الناحية الواقعية على أهمية الموارد البشرية الوطنية أو رأس المال البشري في المساهمة في بناء اقتصاد وطني صحي وتحقيق معدلات تنمية عالية وبصورة قابلة للاستمرار هي التجربة اليابانية التي تعتبر بحق تجربة فريدة وجديرة في الوقت ذاته بأن يرفع لها جميع خبراء التنمية الاقتصادية قبعاتهم احتراما. إذ من المعلوم لدى الجميع أن اليابان دولة فقيرة من حيث الموارد الطبيعية التي تعتبر عنصرا أساسيا ومهما من العناصر التي تساعد على بناء اقتصاد قوي وصحي، ولكن وبالرغم من ذلك نجحت هذه الدولة غير المتميزة جغرافياً أو تاريخياً من أن تصبح اليوم ثاني اكبر قوة اقتصادية بعد الولايات المتحدة تلك الدولة التي تتمتع بمميزات جغرافية وموارد طبيعية لا حصر لها هذا إضافة إلى تمكنها من احتلال المرتبة الأولى عالمياً من حيث الكفاءة الإنتاجية والمستوى التكنولوجي. ولنا أن نتساءل كيف تمكنت اليابان من تحقيق ذلك كله؟ اعتقد انه ليس من الصعب الإجابة على هذا التساؤل حيث الجواب يتلخص في تمكنها من تأهيل وإدارة ومن ثم استغلال كوادرها البشرية بطريقة صحيحة وعملية مكنتها في المحصلة من إنشاء قاعدة اقتصادية متينة تتكون من مجموعة من الشركات الوطنية تتسم كوادرها البشرية بدرجة عالية من التأهيل والكفاءة إضافة إلى الترابط والولاء الشديدين. لا شك أن دول الخليج رغم حداثة نشأتها قد قطعت شوطا لا بأس به على طريق التنمية الاقتصادية من خلال إقرار العديد من القوانين والسياسات التنموية التي تهدف في الأساس إلى علاج وتخليص اقتصادياتها الوطنية من العيوب التي تعاني منها والتي تختلف في بعض الحالات بشكل أو بآخر عن الأمراض الاقتصادية الاعتيادية التي تعاني منها معظم الدول النامية، ولكن وبالرغم من ذلك اعتقد أن هذه السياسات تفتقد عنصرا أساسيا وركنا مهما من أركان التنمية الاقتصادية ألا وهو تنمية الموارد البشرية بشكل صحيح، وقد بدأت نتائج هذا التقصير أي عدم التركيز بصورة جديه على التنمية البشرية في الظهور في بعض الدول الخليجية الكبرى كالمملكة العربية السعودية في شكل ظاهرة تتسم بالكثير من الغرابة إذ انه على الرغم من وجود ما يزيد على أربعة ملايين نسمة من العمالة الأجنبية حسب بعض التقديرات في هذه الدولة الخليجية فان العمالة الوطنية فيها بدأت تعاني بشكل كبير من ندرة فرص العمل المتاحة لها مما أدى إلى بلوغ نسبة البطالة إلى مستويات عالية قد لا توجد في أكثر الدول النامية تخلفاً من الناحية الاقتصادية حيث تشير بعض الإحصائيات غير الرسمية إلى أن هذه النسبة تصل إلى ما بين 15 و20% من القوة الوطنية العاملة في المملكة. وغرابة هذه الظاهرة تكمن في عدم إمكانية اعتبارها صورة من صور البطالة التي عرفها علم الاقتصاد بأنها عدم تمكن الراغبين في العمل من ايجاد فرصة عمل تناسب مؤهلاتهم وحسب مستوى الأجر السائد في السوق ، لذلك فإنه يكمن اعتبار هذه الظاهرة أحد الإفرازات الناتجة عن فشل دول الخليج عموما في وضع السياسات التنموية المناسبة لظروفها الاقتصادية هذا من ناحية ومن ناحية أخرى عدم وضع الأولويات في موضعها الصحيح الأمر الذي أدى في المحصلة إلى ظهور مثل هذه الظاهرة الغريبة والسلبية في نفس الوقت ليس في المملكة العربية السعودية فحسب بل في مجمل دول الخليج وإن تأخرت بوادرها في هذه الأخيرة والتي حتما لن تقتصر آثارها السلبية على الوضع الاقتصادي بل ستمتد هذه الآثار السلبية إلى الوضع الاجتماعي والأمني بل والسياسي لهذه الدول الناشئة. لذلك فإني اعتقد أن على الدول الخليجية أن تعيد ترتيب أولوياتها ووضع عملية تأهيل كوادرها البشرية على قمة قائمة الإصلاحات الاقتصادية فيها كما يجب إخضاع العديد من القوانين فيها لعملية مراجعة شاملة لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي. وفيما يتعلق بدولة الإمارات وبصفة خاصة إمارة دبي فإن الصورة تعتبر اكثر إشراقا من باقي دول الخليج إذ أن عملية التنمية وسياسة الانفتاح الاقتصادي على باقي دول العالم في هذه الإمارة رغم ما عليها من مآخذ تشكل مثلا حياً يحتذى به من قبل الدول الخليجية الأخرى، ولكن هذه الصورة المشرقة يجب ألا تحجب الصورة الحقيقية لواقع الاقتصاد المحلي ككل وما يعانيه من مشكلات وعيوب تمثل عملية تنمية الكوادر البشرية الوطنية أحد مواطن الخلل فيه. ففي هذه الإمارة وبالرغم من الاجتهادات والمحاولات العديدة لتوطين الاقتصاد المحلي مثل برنامج طموح لتوطين قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة وبرنامج إعداد لتأهيل الكوادر الوطنية التي لا تتعدى أن تكون اجتهادات فردية تفتقر إلى المنهجية والتنظيم فإن عملية تنمية وتأهيل الكوادر الوطنية في إمارة دبي مازالت تعاني من عدم وجود استراتيجية واضحة المعالم يتم إقرارها ومتابعة تنفيذها من قبل سلطة مركزية وفق جدول زمني محدد. ومن بين الخطوات العملية التي يمكن اتخاذها في هذا المجال لتحقيق تنمية بشرية تقوم على أسس منهجية صحيحة: أولاً: إعادة هيكلة قطاع التعليم بحيث يتم تطوير المناهج وخاصة في مرحلة التعليم الأساسي أو الابتدائي كما يجب وقبل كل شيء رفع المستوى المعيشي والتأهيلي للكادر التعليمي ومن ثم التركيز على الجانب التقني في التعليم المتوسط والعالي وكذلك إعطاء القطاع الخاص دور اكبر في المساهمة في تطوير هذا القطاع المهم من القطاعات الخدمية. ثانياً: تعديل جميع القوانين القائمة والتي من شأنها الحد من إقبال الكوادر الوطنية على التعليم التقني والفني أو الانخراط في العمل في القطاعات الإنتاجية في القطاع الخاص لما تسببه من عدم استقرار وظيفي للعمالة الوطنية في هذه القطاعات مثال ذلك قوانين العمل التي تغَلب مصلحة أصحاب الأعمال على حساب العمالة حتى الوطنية منها. ثالثاً: إنشاء دائرة أو هيئة تعني بوضع الاستراتيجيات لتنمية الكوادر الوطنية والاشراف على تنفيذها وهذه الاستراتيجيات يمكن أن تشمل النقاط التالية: 1 ـ إنشاء مركز للبحوث يهتم بأوضاع العمالة الوطنية في القطاعين العام والخاص وكذلك دراسة أوضاع وحاجات سوق العمل الحالية والمستقبلية والتخصصات المرغوبة ونسبة الطلب على هذه التخصصات ومن ثم وضع نتائج هذه الدراسات في متناول الشركات العاملة في الدولة والجهات الحكومية الأخرى والمنظمات التعليمية لتستعين بها في اتخاذ القرارات ووضع السياسات المناسبة. 2 ـ تنظيم ورش عمل لتثقيف الكوادر الوطنية فيما يتعلق بسوق العمل لمساعدتها على اختيار التخصصات التي يمكن أن توفر لها فرص عمل جيدة. 3 ـ إنشاء قاعدة بيانات تحتوي على معلومات عن فرص العمل المتوفرة إضافة إلى معلومات عن الباحثين عن عمل من العمالة الوطنية وذلك لتستعين بها الشركات من ناحية لتلبية احتياجاتها من عمالة ومن ناحية أخرى يستعين بها الأفراد الباحثين عن عمل في إيجاد فرصة عمل تتناسب مع مؤهلاتهم وطموحاتهم ويتم بذلك تسهيل عملية انخراط العمالة الوطنية في سوق العمل. 4 ـ وضع سياسات تشجع الشركات العاملة في السوق المحلية على استيعاب الكوادر الوطنية وتبنيها ووضع البرامج التدريبية لها لزيادة كفاءتها وإنتاجيتها وذلك من خلال رصد جوائز للشركات التي تستعين بأكبر نسبة من العمالة الوطنية وكذلك تحمل بعض تكاليف هذه البرامج التأهيلية للمواطنين أو خصم هذه التكاليف من الضرائب والرسوم المستحقة على هذه الشركات. 5 ـ إنشاء لجنة للشكاوى وفض النازعات تهتم بمتابعة وضع العمالة الوطنية في القطاع الخاص وتلقي الشكاوى ومحاولة فض النزاعات وحل الخلافات التي قد تنشأ بين العمال المواطنين والشركات العاملين لديها إذ انه من المعلوم لدى الجميع ولا أفشي سراً إن قلت أن القطاع الخاص في الدولة وخاصة في إمارة دبي تسيطر علية الكوادر الأجنبية التي تتكتل في بعض الأحيان في مجموعات تجمع بينها إما الجنسية الواحدة أو المصلحة المشتركة في محاولة منها وباستخدام شتى الوسائل حماية نفسها ومصالحها من منافسة العمالة الوطنية المؤهلة وإن كان ذلك على حساب المصلحة القومية. 6 ـ إنشاء هيئة تتبنى العناصر الوطنية المتميزة وتوفر لها فرص التعليم الجيد من خلال إبتعاثهم إلى الخارج لتلقي العلوم المختلفة في افضل الجامعات ومن ثم الاستفادة منهم في عملية التنمية الشاملة، ويكفي أن نعرف أن نهضة روسيا الحديثة بدأت بابتعاث القيصر لخمسين طالبا إلى الجامعات الإنجليزية والفرنسية عادوا بعد تلقيهم العلوم المختلفة إلى بلادهم للقيام بدورهم في عملية بناء روسيا الحديثة.