لم يسبق لنا أن مررنا بالتجربة التي يمر بها الاقتصاد الأميركي الآن. وحتى قبل 15 أو 20 عاما خلت، ظلت سوق الأسهم شأنا اقتصاديا ثانويا. وكانت حالات صعودها وهبوطها تعطي مؤشرا على تحولات اقتصادية، ولكن السوق نفسها لم تكن قوة كبيرة تحرك الاقتصاد. لكن الأمر لم يعد كما كان في السابق. فحوالي نصف الأسر الأميركية تملك أسهما أو صناديق مشتركة. بينما في عام 1980، كانت هذه النسبة تبلغ 13% فقط. والآن، فملايين الأميركيين يقيسون ثرواتهم ورفاهيتهم من خلال السوق، ولو جزئيا على الأقل. ولا بد لهبوط السوق أن يؤثر على الاقتصاد والأوضاع الاجتماعية والسياسية القومية، ولكن نظرا لان الوضع جديد، فإنه لا أحد يمكنه القول كيف يمكن أن يحدث ذلك. والخطر الأكبر يتمثل في تآكل ثقة المستهلك والشراء، وهما الأمران اللذان كانا يدعمان الاقتصاد. لكن نسبة البطالة التي سجلت في شهر يونيو الماضي البالغة 5.9%، ورغم انها أعلى من النسبة المنخفضة التي سجلت أواخر عام 2000 والبالغة 3.9%، لا تعتبر عالية بمقاييس ما بعد الحرب العالمية الثانية. واذا ما استمر الانتاج والوظائف في التطور، فان من شأنهما ايقاف هبوط السوق. ولكن العكس يمكن ان يحدث بسهولة.وعلى نحو لا يمكن انكاره، فان خسائر الاسهم كانت كبيرة. وبدءا من الثاني والعشرين من يوليو الماضي، انخفض اجمالي رأسمال السوق (قيمة الأسهم المتداولة) بنسبة 47% أو بمقدار 8 تريليونات دولار منذ وصوله إلى الذروة في مارس 2000، كما تقول ويلشاير أسوشييتس. ويقدر علماء الاقتصاد ان كل تغير بقيمة دولار واحد في ثروة سوق الاسهم تسفر في النهاية عن تغير بقيمة 3-6 سنتات في انفاق المستهلك: صعودا في السوق الصاعدة وهبوطا في السوق المتراجعة. فالناس يشعرون بأنهم باتوا أغنى أو أفقر، وبالتالي، ينفقون بصورة أكثر أو أقل. وبحد ذاتها، فان خسائر الأسهم تعني ضمنيا تقليصات كبيرة في الانفاق، مثل أجهزة كمبيوتر جديدة أقل، وسفر أقل وتناول وجبات أكثر في البيت. وعلى سبيل المثال، فان 3% من مبلغ الثمانية تريليونات دولار. «تأثير الثروة» بمقدار 3 سنتات» تبلغ قيمتها 240 مليار دولار. ولكن بعض التقليصات ربما تكون قد حدثت بالفعل، وبعضها قد لا يحدث أبدا. ففي ذروة السوق، بقيت أرباح بعض الأسهم بصورة لحظية فقط. وربما لم يحسبها الناس كجزء من ثروتهم. وعلى نحو مماثل، فان بعض الخسائر الاخيرة يمكن ردها. أما فيما يتعلق بالسوق نفسه، فان التهديد الأكبر هو الذعر. فالمستثمرون الخائفون يتخلصون من الأسهم ويستردون أموالهم من الصناديق المشتركة. وبالمقابل، يقوم مدراء الصناديق المشتركة ببيع الأسهم لتسديد أموال المستثمرين. فتضعف أسعار الأسهم مسببة المزيد من الذعر وعمليات استرداد الأموال. انه لشبح مرعب. يشير التاريخ الى ان هذا لن يحدث. فالصناديق المشتركة لديها 5% من أموالها على شكل سيولة نقدية «ودائع مصرفية، أموال في سوق العملة أو سندات الخزينة» لتلبية متطلبات استرداد الأموال بدون بيع الأسهم. ومع نهاية شهر مايو الماضي، كان ذلك المبلغ المسترد حوالي 170 مليار دولار. وعلى نفس القدر من الأهمية، فان عمليات استرداد الاموال كانت لا تذكر أو لا وجود لها في أعقاب الاسواق الضعيفة. ويقول آفي نشماني من «ستراتيجيك انسايت أوفرفيو»، وهي نشرة صحفية تتبع أحد الصناديق المشتركة ان المستثمرين لديهم «كره نفسي ازاء تحويل الاسهم الخاسرة الى نقد. كما ان ضغوط استرداد الاموال تميل الى ان تكون قصيرة الاجل». وفي اعقاب احداث 11 سبتمبر، كان المعدل الشهري لخروج الاموال من السوق يبلغ 30 مليار دولار، وهو ما يعادل 1% من أصول الصناديق المشتركة. ثم استؤنفت بعد ذلك عمليات تدفق الاموال على السوق. ولكن مرة أخرى، لا أحد يمكنه أن يكون واثقا. فالتاريخ قد لا يعيد نفسه، لان مستثمري اليوم «سواء على الصعيد الفردي أو الاجتماعي» هم غير مستثمري الأمس. وبحسب مجموعة البحث «ليبر»، فان المستثمرين سحبوا قرابة 14 مليار دولار في يونيو الماضي، وهذا مؤشر غير ايجابي. وحتى لو استقرت السوق أو ارتفعت، فان الخسائر الفادحة ستكون لها آثار اجتماعية وسياسية. ووسائل الاعلام الاخبارية تحفل بالكثير من القصص التي تتحدث عن أناس في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من عمرهم يؤجلون تقاعدهم أو يلغونه. ووجد استطلاع للرأي أجرته مجلة «نيوزويك» مؤخرا، ان 44% من المشاركين تخوفوا من عدم قدرتهم على التقاعد في الوقت الذي يرغبونه «وهي نسبة مرتفعة عن النسبة المسجلة في مارس 2001 والبالغة 31%». ويبدو انه لا مفر من مواجهة الاتهامات السياسية المضادة. وعلى الرغم من ضبابية المستقبل، الا ان الماضي يقدم دروسا قيمة. واحدث تلك الدروس هو ان الحالة النفسية لها أهميتها. لقد حظيت سوق الاسهم بمبالغة كبيرة في قيمتها، مما جعل هبوطها المطلق أمرا لا يمكن تجنبه ـ وذلك لان الاميركيين اصبحوا منومين مغناطيسيا بفعل قصص سخيفة عن الانترنت و«الاقتصاد الجديد». وهنا ظهر تفاؤل عنيد وغير عقلاني أعطى المبرر لأسعار الأسهم الجنونية. ولبرهة من الوقت، كان ذلك التفاؤل محققا بصورة ذاتية. فالاسعار الخاصة بالاسهم ارتفعت والناس انفقوا أموالهم ونشاطات الاعمال ازدهرت بالاستثمار. وبدأ الانتعاش يتفجر حالما اصبح واضحا ان جانبا كبيرا من الاستثمار في الشركات الجديدة قد جرى تبذيره. فقد ذهب الى شركات الانترنت أو شبكات الاتصالات الزائدة عن الحاجة. والآن، يكمن الخطر في الانتقال الى حالة من التشاؤم العنيد والاحمق. وذلك ايضا، يمكن ان يصبح امرا متحققا بصورة ذاتية. فالاشخاص يغرقون السوق بالاسهم، مع ان الاسعار الآن منطقية أكثر مما كانت عليه قبل عامين. والانفاق الاستهلاكي يعاني من جراء ذلك، لان المدخرات التي نهبتها الاسهم تحتاج الى تعويض. وساعدت احوال الانتاج والارباح، الامر الذي تسبب بفقدان المزيد من الوظائف والهبوط في سوق الاسهم. يبدو الاقتصاد مرشحا لمعاناة المزيد من النكسات وذلك لان طفرة الانتعاش خلفت مشكلات حقيقية. فعلى سبيل المثال، ارتفعت نسب خلو المكاتب مع قيام الشركات المفلسة بطرح ملايين الاقدام المربعة من المساحة الفائضة في السوق. وفي غضون الـ 18 شهرا الماضية، قفزت نسب الشغور (خلو المكاتب) من 9% الى 15% في شيكاغو ومن 3% الى 20% في سان فرانسيسكو، حسب معلومات الشركة العقارية «كوشمان اندويكفيلد». ولكن الضرر الاقتصادي يمكن ان يزداد تعقيدا اذا ما قام السياسيون والصحافة والشخصيات العامة بوجه عام بتسميم الاجواء من خلال جهد لا يلين في اضفاء صفات شيطانية على نشاط الاعمال وهوس مغرض بالخسائر الاقتصادية. ان المزاج النفسي له أهميته. فاذا أدمنا على اعتبار «الانخفاض» تماما كـ «الارتفاع»، فان الوجهة التي نقصدها لن تكون سارة.