كشف أول تقرير صدر حول التنمية الانسانية العربية عن العديد من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في المنطقة كمحاولة لتقصي مواطن النقص امام انظار صانعي القرار ولشد الانتباه الى مشاكل البلدان العربية التي يمكن ان تحل في اطار العمل العربي الجماعي لقد اشار التقرير الذي اصدره الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية التابع للجامعة العربية، بالاشتراك مع برنامج التنمية للأمم المتحدة عن جوانب التقدم في قطاعات الصحة والسكان والتعليم مستشهدا ببعض ماانجزته البلدان العربية في مضماري الحد من الوفيات والتوسع الكمي الضخم في التعليم فقد ارتفع معدل توقع الحياة عند الميلاد بنحو 15 عاما خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وانخفض معدل وفيات الاطفال بنحو الثلثين مؤكدا ان مستويات الفقر المدقع في المنطقة العربية يعد الأقل بين جميع مجموعات الدول النامية وأوضح التقرير أن معدل نمو الدخل للفرد العربي الأقل في العالم ماعدا افريقيا جنوب الصحراء حيث لم يتجاوز نصف بالمائة سنويا خلال العقدين الماضيين، محذرا من استمرار منهج النمو على حالة من التدني مماسيجعل المواطن العربي في حاجة الى 140 عاما ليضاعف دخله، بينما يستطيع المواطن في مناطق اخرى من العالم من مضاعفة دخله مرة كل 10 سنوات، الى جانب تدني انتاجية العامل العربي التي تتجه نحو الانخفاض من خلال مؤشرات أهمها انخفاض انتاجية عناصر الانتاج بمعدل سنوي يعادل 0.2% خلال الفترة من 60 - 1990 في الوقت الذي تسارعت فيه مناطق اخرى في العالم والفجوة اخذة في الاتساع ايضا تضاءل الناتج المحلي للفرد في منطقة النمو الأسيوية في عام 1960، الى جانب انخفاض انتاجية العامل الصناعي العربي من 32% من انتاجية مثيلة في أميركا الشمالية عام 60 إلى 19% في عام 1990 ومازالت تتدنى وقد صاحب الانخفاض في انتاجية العامل تدهور في الأجور الحقيقة. ويؤكد التقرير على ان انجازات الدول العربية وفق مقاييس التنمية البشرية خلال العقد الأخير أقل من المتوسط العالمي غير ان انجازات الدول العربية على صعيد مؤشرات الدخل كانت أفضل منها على صعيد مؤشرات التنمية الاخرى وعلى الرغم من انخفاض معدل الفقر مقارنة مع اجزاء اخرى في العالم مازال الوطن العربي يعاني باشكال اخرى من الفقر تتمثل في فقر القدرات والفقر في الفرص والتي تنجم عن ثلاثة نواقص هي نقص في الحرية وحق المرأة وفي حقوق المعرفة. لقد بنى التقرير على عدد من الاسس اهمها السكان حيث غطى التقرير 280 مليون عربي يقطنون 22 دولة عربية في عام 2000 يشكلون 5% من سكان العالم، ويؤكد التقرير ان السكان في العالم العربي أصغر سنا من المتوسط من سكان العالم بأسره وتشكل الهجرة داخل البلدان العربية ومنها واليها مظهرا ديموجرافيا هاما اضافة الى التحضر حيث نجد أن نصف عدد السكان يعيش اليوم في المدن بينما لم تتجاوز هذه النسبة الربع 1950 ومازالت نسبة النمو السكاني عالية حيث من المتوقع أن يصل عدد السكان الى مابين 410، 459 مليونا في عام 2020 ضمن هيكل جديد للاعمار تزداد فيه نسبة المسنين وتقل فيه نسبة الاطفال، وبقدر ماتطرح السمات السكانية الجديدة تحديات متعددة بقدر ماتوفر في الوقت نفسه فرصا كثيرة وعن الصحة في العالم العربي يشير التقرير الى أن الناس تتمتع في معظم الدول العربية بمعدل توقع للحياة عند الميلاد أعلى المعدل العالمي الذي يمثل 1976 عاما الا أن الأمراض والاعاقة يخفضان من معدل العمر الخالي من الاعاقة من 5 إلى 11 سنة، ويقل معدل العمر للنساء العربيات عن المعدل العالمي ويعود ذلك جزئيا لمعدل الوفيات العالي لدى النساء الحوامل كما ان نسبة الاعاقة اعلى منها عند النساء من الرجال ممايجعل من صحة المراة أولوية من أولويات صانعي السياسات، وقد تم احراز انجازات جيدة في تخفيض معدل وفيات الاطفال دون سن الخامسة فقد كانت المنطقة العربية أول منطقة في العالم النامي قلصت فيها الانجاب ومعدلات وفيات الاطفال الذين تقل اعمارهم عن خمس سنوات الى المعدل العالمي وهو 70 لكل 100 طفل بحلول عام 1990 ولكن مازال هناك تفاوت كبير بين الدول العربية وفي كل منها فهناك تفاوت ملحوظ في نسبة وفيات الاطفال دون الخامسة، وهناك مشاكل صحية خطيرة وهو ارتفاع نسبة توقف النمو (التقزم) التي قد تتجاوز 50% من الأطفال دون الخامسة في بعض البلدان الفقيرة وتلك التي تعاني من النزاعات وتعتبر حوادث الطلاق والتدخين من المسببات الهامة للوفاة ففي عام 1998 لقى 182 ألف عربي حتفهم من أمراض تتعلق بالتدخين في حين ان مرض نقص المناعة المكتسبة اندر وجودا في المنطقة منه في باقي المناطق اللافت ان معظم الدول العربية تنفق 4% من الناتج المحلي على الصحة والذي يعد أقل من انفاق الدول ذات الدخل المتوسط التي تتفق 5.7% وتؤثر برامج اصلاح القطاع الصحي سلبا على الفئات الضعيفة في المجتمع كما يتركز اهتمام النظم الصحية في البلدان العربية على الصحة البدنية دون الصحة العقلية والاجتماعية ممايقلل قياس تبعات عدم الراحة والاحساس بعدم الرضى التي تؤدي بدورها لكثير من الامراض العضوية ويركز النظام الصحي في البلدان العربية بشكل رئيسي على الصحة العلاجية ويؤدي هذا الى ارتفاع التكلفة لاسيما عند اللجوء الى استخدام التكنولوجيا الذي يقود الى اهمال مرافق الخدمات الصحية لنسبة مرتفعة من السكان ولا يقتصر التحدي الذي يواجهه النظام الصحي في العديد من الدول العربية على رفع المستوى الصحي العام بل يشمل تقليل التفاوت وضمان العدالة للجميع في تلقى الرعاية الصحية الملائمة. وعن البيئة يشير التقرير الى ان 15 دولة عربية تقع تحت خط الفقر في مصادر المياه بما يعني ان 1000 متر مكعب للشخص في السنة وان تلوث اليابسة يحدث انحسارا في الشواطئ البحرية بما يكلف الدول بين مليار وملياري دولار سنويا جراء الخسارة في مجال السياحة وقد انخفضت نسبة الارض الزراعية للفرد في الدول العربية من 0.4 هكتار عام 70 إلى 0.24 هكتار عام 1998 واسهمت الحروب والصراعات في الاضرار بالبيئة. وفي التعليم حققت الدول العربية تطورا ملموسا في زيادة نسبة المتعلمين حيث انخفضت نسبة الامية من 60% في عام 80 الى حوالي 43% في منتصف التسعينيات كما تضاعف معدل تعليم المرأة ثلاث مرات منذ عام 70 وعلى الرغم من ذلك فمازال هناك 65 مليون عربي بالغا أميا ثلثاهم من النساء وليس متوقعا ان تحل هذه المشكلة قبل ربع قرن على الاقل كما ان النسبة التي تنفقها الدول العربية مجتمعة من دخلها على التعليم هي أعلى منها في الدول النامية الاخرى ففي عام 95 كانت نسبة طلاب المرحلة الابتدائية أكثر من 90% من الذكور والـ 50% من الاناث في المدارس الثانوية وعلى الرغم من ذ لك فإن هناك عشرة ملايين طفل بين سن 6، 15 سنة خارج النظام التعليمي وتبقى نسبة الالتحاق بالتعليم العالي محدودة حيث لا تتجاوز 13% ومع ان هذه النسبة اعلى من مثيلتها في الدول النامية 9% الا انها مازالت أدنى كثيرا من النسب السائدة في الدول الصناعية والتي تصل الى 60% ومازالت نسبة الفتيات بشكل خاص منخفضة في التعليم العالي. وكان لضغط الانفاق الحكومي في سياق تراجع التصحيح الاقتصادي، والتضخم وانتشار الفقر وفرض رسوم على التعليم لاسترداد كلفته، اثار سلبية على تراكم رأس المال البشري، كان وقعها اشد على الفقراء والاناث وكانت النتيجة ان جودة التعليم كما يشير التقرير تتوفر بشكل تزايد فقط للقادرين على تحمل نفقاتها ولذلك فقد التعليم دوره كاداة فعالة في تحقيق الصعود الاجتماعي مدللا على تردي نوعية التعليم وهو مايعني تدني التحصيل المعرفي والقدرات التحليلية والابتكارية، واسهم الخلل الحادث بين سوق العمل ومستوى التنمية من جهة وخريجي النظام التعليمي من جهة اخرى في ضعف انتاجية العمالة واختلال هيكل الاجور وتفشي البطالة وتدهور الاجور الحقيقية للعظمى ممايعني ضعف العائد الاقتصادي والاجتماعي للتعليم وعن الوضع الاقتصادي ومحاربة الفقر وكشف التقرير ان الناتج المحلي الاجمالي لكل البلدان العربية، مقداره 531.2 مليار دولار اميركي أي أقل من دخل دولة أوروبية واحدة كأسبانيا والبالغ ناتجها المحلي الاجمالي 595.5 مليار دولار أميركي، فقد أدت برامج التثبت الاقتصادي في التسعينيات الى تخفيض التضخم وتقلص عجز الموازنة في العديد من البلدان العربية، كما قامت الحكومات العربية بإنشاء بنى اساسية داعمة للنمو لكن معدلات النمو مازالت راكدة ومازال النمو عرضة للتقلبات العربية مقاسا بمعدل القوة الشرائية الى 13.9% فقط من الدخل للمواطن في منطقة منظمة التعاون والتنمية في اواخر التسعينيات. ويذكر التقرير ان واحدا من بين 5 من العرب يقل دخله عن دولارين في اليوم، ومازال فقر القدرات اكثر استشراء بسبب ارتفاع نسب الأمية وانحسار فرص التعليم والتعلم وقد قدر حجم البطالة في الدول العربية بمالا يقل عن 12 مليون عاطل عن العمل في عام 95 أو مايوازي 15% من قوة العمل، واذا استمرت هذه الاتجاهات فمن المتوقع ان يصل عدد العاطلين عن العمل الى نحو 25 مليونا بحلول عام 2010، وعلى صعيد البلدان العربية ككل تقوم عراقيل مؤسسية امام خلق فرص العمل فأسواق العمل تقليدية ومجزأة وغير قادرة على اداء وظائفها المفترضة، ممايجعل آلية تداول اليد العاملة ضعيفة وغير فاعلة. كما يعطل التقرير العديد من المؤشرات على ضعف الاستثمار في قاعدة المعرفة في المنطقة والفجوات الكبيرة والاخذة في الاتساع بين هذه المنطقة ومناطق العالم الاخرى، فالانفاق الحالي على البحث والتطوير يمثل اقل من 0.2% من الناتج المحلي الاجمالي بالمقارنة مع 1.26% في كوبا، 2.9% في اليابان عام 95. وفيما يتعلق بتقانات المعلوماتية والاتصالات اشار التقرير الى أن 1.2% من المواطنين العرب فقط يمتلكون جهاز حاسوب ونصف هذا العدد فقط يستخدم الانترنت وجميع الدول العربية فيما عدا الكويت والامارات العربية المتحدة تبدو متساوية في افتقارها لتقانات المعلومات والاتصالات بغض النظر عن موقعها على مقياس التنمية البشرية، والتناقض الملفت كما يشير التقرير الى انه في حين أن الحاسوب الشخصي أكثر انتشارا في المنطقة العربية منه في أي من مناطق العالم النامي خارج أميركا اللاتينية، مازال استخدام شبكة الانترنت في المنطقة الاقل في العالم وخلص التقرير الى ان تخفيض رسوم استخدام الانترنت يشكل أولوية بالنسبة للمنطقة العربية فتفاوت المعلومات والاتصالات توفر فرصة قليلة التكاليف للتعليم ونشر المعرفة وللاتصال بأكثر مراكز البحث تقدما وهي تساعد في مجال التعليم وصياغة السياسات وتطبيقها كما تحسن من الفعالية الإدارية في تقديم الخدمات لرجال الاعمال وللفقراء على حد سواء بالاضافة الى تأمين فرص عمل جديدة لفئات المجتمع المهملة كالنساء. ويضرب التقرير مثلا بمدينة - الانترنتت في دبي التي تعمل بنجاح منذ افتتاحها عام 99 والتي تبين مايمكن القيام به في هذا المجال مؤكدا على انها قد تمكنت بدعم سياسي وبنية تحتية متطورة من ربط المدارس الاماراتية والاسر والاعمال فنجحت في جذب شركات دولية رائدة، ومن المخطط لهذه المدينة ان تذهب أبعد من تأمين الخدمات الى تقديم تسهيلات للبحث والتطوير. وعن الحكم في العالم العربي يعرف التقرير الحكم الصالح بانه الحكم الذي يعزز ويدعم ويصون رفاة الإنسان ويقوم على توسيع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولاسيما لأكثر أفراد المجتمع فقرا وتهميشا ويؤكد التقرير ان المنطقة العربية تعاني مقارنة مع مناطق العالم الاخرى من نقص في الحرية فعلى الرغم من ان دساتير البلدان العربية تفتقر بالحقوق السياسية والمدنية لمواطنيها الا ان هذه الحريات كثيرا ماتغفل في الممارسة العملية، فالمشاركة الشعبية في البلدان العربية مازالت هزيلة حيث تغيب الديموقراطية الحقيقية في كثير من الاحيان وتقيد الحريات في احيان اخرى ويكشف التقرير عن تدني مقاييس الحرية ومؤشرات التمثيل والمساءلة في المنطقة العربية بباقي مناطق العالم حيث تدنى نوعية المؤسسات في العالم العربي في المؤسسات العامة عن المؤسسات العالمية على جميع مؤشرات مؤسسات الحكم وتعاني المؤسسات في المنطقة العربية بشكل خاص في مجالات قدرة الحكومة على صياغة وتنفيذ السياسات ولتلك المتصلة بالحد من الكسب غير المشروع بينما أشار التقرير الى وجود درجة أعلى من حريات التعبير والتنظيم في بعض البلدان العربية عما كان عليه الحال قبل عقدين من الزمن، فهناك مجالس منتخبة في كل من قطر والكويت كما ان هناك وعودا لانتخاب مثل هذه المجالس في كل من البحرين وعمان فضلا عن أنه قد تمت المصادقة على الميثاق الوطني للبحرين بأغلبية 98.4% في استفتاء وطني وتعتبر هذه خطوة الى الامام باتجاه الديموقراطية. وعلى صعيد المنطقة ككل يرى التقرير ان قدرة المواطنين على التفاوض مع الدولة تتنامى وذلك بسبب زيادة معرفة أهمية دور القطاع الخاص من جهة ولازدياد المواطنين معرفة وتنامي طموحاتهم في السابق، حيث تمكنت الحكومات من توفير وظائف العمل لمختلف الناس ومن دعم اسعار السلع الاساسية لهم أما اليوم فقد قلصت الضغوط الاقتصادية من قدرة الحكومات في المنطقة على الاستمرار بتقديم هذه المزايا واصبحت تعتمد في ايراداتها على الضرائب التي تجبيها من المواطنين الأمر الذي اعطى المواطنين قدرة تفاوضية أوسع مقابل الحكومات ويؤكد التقرير ان اصلاح الحكم في المنطقة لابد ان يستند الى اصلاح المؤسسات واعلاء صوت الناس. وأشار التقرير الى ان منظمات المجتمع المدني تعاني من عقبات تحد من انشائها وعملها بفاعلية وتشكل أهم هذه العقبات البيروقراطية المتمثلة بسيطرة السلطات العامة على منظمات العمل الاهلي ويتأرجح الآن موقف السلطات العربية من الجمعيات الاهلية بين الرفض والتوظيف والحرية المقيدة. ومن بين النواقص التي تؤثر على مقياس التنمية البشرية في العالم العربي نقص تمكين المرأة حيث ينقص نسبة استخدام طاقات المرأة العربية من خلال المشاركة - السياسية والاقتصادية الاكثر تدنيا في العالم، فمازالت المرأة العربية تمثل 3.5% فقط من مقاعد البرلمانات في الدول العربية مقارنة بحوالي 11% في منطقة افريقيا جنوب الصحراء، 12% من أميركا اللاتينية والكاريبي وفي عدد من البلدان العربية تعاني النساء أيضا من عدم المساواة في حقوقهن كمواطنات وفي الحقوق القانونية، وفي بعض البلدان العربية التي يوجد فيها مجالس وطنية منتخبة مازالت المرأة تحرم من الحق في الترشيح والانتخاب ومازالت واحدة من كل امرأتين عربيتين لا تعرف القراءة أو الكتابة، ويعاني المجتمع ككل من تجميد نصف طاقاته المتنجة. القاهرة - ماجدة خضر: