إذا كنا قد شخصنا خلال حلقات سابقة واقع سوق الاستثمار بامارة رأس الخيمة من جانب المقومات وفي ضوء تأكيدنا على ان رأس الخيمة تمتلك كل مقومات الاستثمار الناجح، الذي يعود على المستثمر بالعائد الجيد وعلى اقتصاد الامارة بالنمو والانطلاق لمواكبة التطور في الامارات الأخرى، وعلى اقتصاد الدولة بالتنمية الحقيقية من خلال تنويع قاعدة الانتاج وزيادة مساهمة الامارة في الناتج المحلي الاجمالي للدولة، واذا ما تأكد لنا مدى أهمية رأس الخيمة في الخريطة الاقتصادية للدولة فإننا وفي ضوء كل تلك المعطيات نتساءل حول ماهية الأسباب والعوامل التي تحول دون قيام رأس الخيمة بهذا الدور ولماذا لا تحقق الامارة انطلاقتها الاقتصادية ومساهمتها الفعلية في ظل كل تلك المقومات؟! إننا حينما نشخص الجانب الآخر أي معوقات الاستثمار في الامارة نستطيع الرد على تلك التساؤلات. واذا كان تحديد مقومات الاستثمار قضية مهمة لبيان فرص الاستثمار وتعزيز الاقتصاد واحداث التنمية وترجمة رؤية الاستراتيجية 20002009 فإن الأهم من هذا هو تشخيص المعوقات وتحديد أسبابها وطبيعتها إذ لا معنى لوجود كل تلك المقومات ما لم يتم استثمارها وتوظيفها في خدمة الاقتصاد ولا يمكن أن يكون هناك استثمار حقيقي أو تعظيم الاستثمار وتشجيع وتحفيز المستثمرين ما لم يكن هناك تحديد للمعوقات ومعالجتها خاصة وان معظم هذه المعوقات هي في حقيقة الأمر ليست طبيعية وليست من النوع التي يصعب تجاوزها أو معالجتها ومن هنا نأتي إلى تحديد هذه المعوقات لنؤكد من خلال تعرضنا لها انها ليست طبيعية وبأنه من الممكن معالجتها فيما إذا توفرت المبادرة والارادة الحكومية أسوة بما حدث في باقي الامارات وهذه المعوقات هي: البنية التحتية المتخلفة تعتبر الهياكل الأساسية والبنى التحتية عاملا مهما لتشجيع الاستثمارات أو تعظيمها وتحفيزها سواء استثمارات وطنية لأبناء الامارة أو لجذب رؤوس أموال واستثمارات من باقي الامارات، وسواء كانت استثمارات اماراتية أم أجنبية من خارج البلاد وسواء استثمارات حكومية أم استثمارات القطاع الخاص، وإذا كانت الامارات الأخرى وخاصة الرئيسية منها (أبوظبي ودبي والشارقة) قد جذبت استثمارات أجنبية سواء خاصة أو حتى حكومية من خارج الدولة، بعد أن حققت قدرة جيدة للمحافظة واستقرار استثمار أبناء الامارات فيها فإنها ما كانت سوف تحقق كل هذا إلا بعد أن قطعت شوطا كبيرا وملموسا في بناء هياكل تحتية متطورة وبنى أساسية متميزة وخلال فترة قياسية من خلال قيام حكوماتها المحلية بانفاق مئات المليارات من الدراهم لانشاء تلك البنى والهياكل التي تمثل أساسا مهما لانطلاقة التنمية وجذب استثمارات وطنية وأجنبية على السواء. ا ما رأس الخيمة فقد ظلت البنية التحتية فيها متخلفة كليا في بعض جوانبها كالمواصلات والجسور والطرق، والصرف الصحي والمجاري، وكالمياه والكهرباء فيما البعض الآخر يعاني من تخلف جزئي كالمناطق الصناعية والتجارية وغياب التخطيط المدني والبشري. ثم محدودية امكانيات المطار ثم تخلف إلى حد كبير أيضا في الخدمات التعليمية والصحية حيث معاناة المواطنين والمقيمين على السواء في ظل تطور كبير وقياسي لامارات أخرى لا تزيد امكانياتها المالية عن امكانيات رأس الخيمة. وظلت هذه الامارة تعتمد على الدولة الاتحادية وموازنة حكومتها الاتحادية في تطوير البنى التحتية فيما أصبحت الموازنة الاتحادية تعاني من العجز. غياب استراتيجية التنمية لا يمكن أن تحقق الدول تطورها دون أن تكون هناك استراتيجية تنموية وخطط طويلة ومتوسطة المدى، وفيما امارات الدولة الثلاث قد وضعت رؤيتها وخططها واستراتيجياتها واستطاعت أن تترجمها إلى أهداف ملموسة على أرض الواقع فإن رأس الخيمة رغم المقومات المتوفرة لديها ورغم القدرات البشرية والمادية ورغم حاجتها لتلك الرؤية قد ظلت بلا خطة أو رؤية او استراتيجية للتنمية وظلت عشوائية التخطيط وازدواجية القرارات سمة الأوضاع الاقتصادية في الامارة، وبالتالي فإنه من الطبيعي أن تكون طاردة للاستثمارات الخاصة لا جاذبة لها. فالاستثمار يبحث عن بنية متطورة، والمستثمر يبحث عن خطط واستراتيجية المنطقة التي يستثمر فيها ويرغب في معرفة أهداف الحكومة والمجتمع ومدى الرغبة في احداث التنمية لذا نجد ان القطاع الخاص معطلا الى حد كبير، والمستثمرون من أبناء الامارة يبحثون عن فرص الاستثمار في امارات تتسم بالتخطيط والرؤية التنموية، وتجدر الاشارة هنا إلى انه رغم وجود رؤية التنمية لرأس الخيمة (20002009) فإننا لم نلمس ترجمة حقيقية وفعلية لهذه الرؤية على أرض الواقع رغم مرور عامين تقريبا وفيما اذا ظل الوضع على ما هو عليه فإننا سوف نشهد انتهاء فترة الرؤية دون تحقيق شيء ملموس رغم ما تحتويه هذه الرؤية من أهداف جيدة ورؤية علمية وموضوعية وضعها خبراء من الأمم المتحدة!! محدودية البيئة التشريعية والقانونية على الرغم من ان دستور الدولة قد أعطى كل امارة حرية إدارة شئونها الداخلية فإن كل حكومة محلية قد شرعت في اعادة هيكلة أنظمتها وقوانينها ومؤسساتها المحلية بما يخدم أهداف التنمية فيها وترجمة سياساتها الاقتصادية خاصة، ويأتي هذا رغم وجود تشريعات اقتصادية كالقانون الاتحادي رقم (8) لسنة 1984 في شأن الشركات التجارية وقانون الوكالات التجارية رقم (18) لسنة 1993 ورغم أهمية التشريعات الاقتصادية في حماية وصيانة حقوق المستثمرين الاماراتيين والأجانب ورغم أهمية المؤسسات الاقتصادية الاتحادية والمحلية على السواء في تنفيذ هذه القوانين والأنظمة إلا ان رأس الخيمة ظلت ومازالت تفتقر إلى القوانين والتشريعات الاقتصادية المحفزة للنشاط الاقتصادي والاستثماري وخاصة الاستثمار الخاص. كما انها ظلت تفتقر ايضا الى مؤسسات اقتصادية تنموية حقيقية فغرفة التجارة وكذلك البلدية ظلتا دائرتين تحصلان الرسوم على الرخص التجارية دون فاعلية حقيقية تجاه تشجيع الاستثمار وتنشيط السوق المحلية وفقا لاختصاص كل منهما، حتى حينما صدر قرار تأسيس الدائرة الاقتصادية منذ بضعة أعوام فإن هذه الدائرة ظلت حبيسة لعقلية تجارية بحتة حيث دخلت طرفا منافسا لدائرتي البلدية والغرفة في تحصيل الرسوم وبدلا من أن تشرع في وضع آليات تفعيل النشاط الاقتصادي والتجاري وتعظيم الاستثمار أصبحت حصالة جديدة لرسوم الترخيص لتضيف عبئا آخر على المستثمر والتاجر ولتصبح احدى العوامل الطاردة للاستثمار والمستثمرين!! فيما لا توجد قوانين أو أنظمة تشجع الاستثمار والتجارة وتضمن حقوق المستثمرين رغم صدور قانون القضاء الأخير الذي رغم أهميته الاقتصادية إلا ان تطبيق القانون ونجاحه مرهون بوجود عقلية تنموية ذات رؤية اقتصادية. ومن هنا فمن الطبيعي أن تبقى ثقة المستثمرين ضعيفة ومهزوزة في مدى فاعلية المؤسسات الاقتصادية وكذلك في مدى تطبيق القانون وحماية رؤوس أموالهم وضمان حقوقهم، ومما يزيد الأمر سوءا ان التشريعات والقوانين الاقتصادية الاتحادية التي يمكن أن تطبق في الامارة هي في حقيقتها فقيرة وضعيفة ولا ترقى إلى مستوى التشريعات الاقتصادية المعمول بها في الدول المتقدمة. وفي ظل هذه الوضعية القانونية وفي ظل غياب التنسيق في القوانين الاتحادية والأنظمة المحلية في امارات الدولة، وفي ظل تعطيل قوانين الدولة في امارات الدولة فإنه من الطبيعي أن تتأثر سوق الاستثمار في الدولة وتظهر الازدواجية في المشاريع الأمر الذي ينعكس سلبا على الأوضاع الاقتصادية عامة والاستثمارية خاصة وفي كل الامارات وبما فيها رأس الخيمة!! غياب المسوحات عن الفرص الاستثمارية مع تأكيدنا أهمية رأس الخيمة الاقتصادية في الاقتصاد الوطني للدولة، ومع يقيننا بوجود فرص استثمارية جيدة في الامارة وبأن رأس الخيمة مازالت أرضا بكرا للكثير من المشاريع الاستثمارية وخاصة في القطاع الانتاجي الحقيقي. وذلك حسبما أشرنا اليه في حلقات سابقة إلا اننا نجد غيابا للمسوحات الجادة عن هذه الفرص وبالتالي تسويقها على النحو الجيد والمفيد فالدوائر المعنية وخاصة الاقتصادية أصبحت منشغلة بجمع الرسوم التجارية ولم تقم بدور حقيقي من خلال قيامها بدراسات ميدانية لتحديد هذه الفرص، ولم تقم بعمل دراسات جدوى اقتصادية تلتزم بمعايير الموضوعية وتتسم بالشفافية وتقدم هذه الدراسات بشكل مجاني أو حتى برسوم رمزية بهدف تحفيز المستثمرين وتشجيعهم نحو استثمار رؤوس أموالهم في هذه الفرص. ثم تعريفهم بطبيعة التسهيلات المتوفرة والموارد الطبيعية ذات الكلفة البسيطة أو المحدودة، وبالتالي فقد ظل المستثمر الاماراتي والأجنبي على السواء جاهلا بكل تلك الفرص والامكانيات والتسهيلات، وظل ابناء الامارات الذين يملكون رؤوس أموال جيدة يدخلون في مضاربات على الأسهم أو احتكار الأسهم أو بتجميد اموالهم في هيئة ودائع مصرفية الأمر الذي ينعكس على الوضع الاقتصادي في الامارة وبالتالي في الدولة بآثار سلبية كما ان المستثمر الأجنبي دون شك سوف يحجم عن الاستثمار أو حتى الدخول إلى الامارة برأس ماله دون معرفة بطبيعة الفرص وحقيقة التسهيلات. ان القرار الاستثماري لدى المستثمر المواطن أو الأجنبي يعتمد على تعريف المؤسسات الفنية له بطبيعة تلك الفرص يرتبط بمدى قدرة تلك المؤسسات على تسويق هذه الفرص من خلال المعلومات الدقيقة والبيانات الصحيحة والدراسات العلمية والشفافية العالية.